8 أغسطس 2010

Textual description of firstImageUrl

تحليل تجربة واقعية: شرير يلاحق حياتي

تحليل : د. سليمان المدني
جميل أن يتعاطف كل منا مع الأخت صاحبة التجربة التي حملت عنوان " شرير يلاحق حياتي " ، ويحاول مد يد العون لها وفقاً لقدراته ومعارفه، ولكن الأجمل أن يلتزم كل منا بالقول المأثور:

( رحم الله امرئ عرف حده فوقف عنده )

 بمعنى أن من قال لاأعلم فقد أفتى.. وكان خير للكثير من المشاركين الاعتراف بعدم المعرفة من الخوض في متاهات قد تؤدي بصاحبة المشكلة إلى الضياع والشك بجميع من حولها من ناصحين وعالمين حقيقيين. خاصة وأن البعض راح يوجهها إلى عناوين المعالجين بالقرآن وأسماءهم، متناسين أن المشكلة ليست في قراءة القرآن ولا الأدعية المأثورة كما يزعمون أو يعتقدون عن حسن نية..

وقد لاحظنا من خلال الطرح جهلاً كبيراً بالأمور الروحية، ومعرفة كبيرة بالأساطير الشعبية التي تتنافى مع الأصول المعرفية الروحية الحقة، ولذلك يجب علينا إبعاد التراث الشعبي جانباً وتصحيح الأخطاء الناتجة عنه والتي تؤدي بدورها إلى تشخيص خاطئ لايمكن معه الوصول إلى العلاج الناجع. ومن المفاهيم الخاطئة التي تم تداولها على لسان صاحبة المشكلة والقراء نذكر التالي:

شيطان يهودي؟!
لعل من سخرية القدر أن نسمع مصطلحات لاتمت لعالم الواقع ولا أي من العوالم غير المرئية بصلة. ومع ذلك يرددها أدعياء العلاج الروحي كهذا القسيس الذي أخبر والدة الفتاة بأن هذا الشرير هو شيطان يهودي ولذلك فلابد من إشراك بعض الطقوس اليهودية بالعلاج..!

والحقيقة أن الشيطان عموماً لادين له، فهو من الجن الغير مؤمن بأي دين سماوي، والشيطان المقصود هنا هو أحد أتباع وعبدة الشيطان الأكبر (إبليس)، والمعلومة الشائعة بين الناس والتي تقول أن اليهود أكثر قدرة ومعرفة بالسحر الأسود لاتعني أن هناك شياطين يهود يمدون أتباعهم بالمعرفة، بل على العكس، فهي تعني أن من بين اليهود شياطين بشرية حقيقية يتذللون للشياطين الأبالسة ويقدمون لهم الطاعة العمياء من أجل بعض الخدمات الدنيوية.

أما الجن عموماً فمنهم المؤمن ومنهم الكافر.. ومؤمنهم قد يكون يهودي، أو مسلم، أو مسيحي.. ولكنه ليس شيطاناً أبداً، فإذا تحول إلى شيطان فقد انسلخ عن الإيمان بأي دين، بمعنى أنه لايمكن عقد صلح مع الشيطان كما أوهم القسيس والدة الفتاة. إلا إذا كان الصلح يتم بالإقرار للشيطان بأنه المعبود وبواجب السجود له. لأن مهمة الشياطين هي تضليل الإنس وخداعهم بشتى الطرق المؤدية بهم إلى التهلكة. وعموماً فإن ماطرحه القسيس على والدة الفتاة ماهو إلا طقس من طقوس عبدة الشيطان. بمعنى أن هذا القسيس الذي يجعل الحل الوحيد هو بالتذلل للشيطان والخضوع له ماهو إلا شيطان خبيث من شياطين الأنس الخاضعين طواعية لشياطين الجن بغية بعض المتاع الدنيوية.

أما الجن المؤمن عموماً مهما كانت الديانة التي ينتمي إليها فهو لا يتعرض للإنس، وإذا ما حصل ذلك فهناك من يردعه من بني قومه من الجن، تماماً كما يفعل رجل الدين البشري بردع المؤمن الذي يضل لفترة عن الصراط المستقيم..



الرقية الشرعية
الرقية الشرعية حق، وقد مارسها الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين من بعده.. ثم أتى من شوه حقيقتها، ووضع لها أطراً ما أنزل الله بها من سلطان.. وخاصة عندما قاموا باجتزاء آيات محددة من القرآن الكريم، وتكرار قراءتها بأعداد ثابتة، أو ربطها بآيات أخرى ليست معها بالتنسيق القرآني بشكل يخالف الشرع الحنيف... وقد لاحظنا على صفحات الموقع بعض الناصحين لصاحبة المشكلة يقررون لها قراءة أعداداً معينة من سورة البقرة أو آية الكرسي أوغيرها، وهناك من أوصاها باستعمال آلة التسجيل لتسمع من خلالها آيات الذكر الحكيم بشكل متواصل.. إلى آخر ماهنالك من النصائح ذات الموروث الشعبي ذو النشأة التصوفية المحضة.

هذه الفاتحة فأين عمر ؟
كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا عاد مريضاً, أو أتاه مريضاً يقرأ له ســورة الفاتحة, فيحـصل له البرء والشـفاء بإذن الله تعالى, ولما مات عمــر كانـوا يقولون إذا زاروا مريضاً:

- " هذه الفاتحة . . فأين عمر؟ "

لقد كانوا كلهم يقرؤون سورة الفاتحة، ولكن أين شخصية عمر وطهارة روحه ونقاء سريرته، بمعنى أن السر ليس بقراءة الفاتحة، وليس بسحر الكلمات التي تحتويها، بل السر يكمن بقوة إيمان قارئها بجدواها وبقدرتها على التأثير.

بمعنى أن الجن لا يتأثر بقراءتك للقرآن الكريم لتخيفه به، بل أنه يخافك ويرهبك عندما يشعر بأنك تؤمن بمعاني هذه الآيات قولاً وعملاً، فكيف تريده أن يتهيب من سماع القرآن الكريم على شريط مسجل..!!

إن قوة إيمانك بما تقرأ أو تفعل يقوي هالتك الروحية ويزيدها إشراقاً، والشيطان يهرب من إشعاعك الروحي المبهر الذي يتزايد طرداً مع قراءتك للآيات القرآنية وانفعالك بها، وكذلك لأن لكلمات القرآن الكريم ملائكة تحضر عندما تتلوها حق تلاوتها، وبمجرد حضورهم تنفر الشياطين.

أما إذا كنت تقرأها كما تؤدي واجباً مدرسياً فتأكد أنه سيقرأها معك وربما يساعدك في القراءة إذا أخطأت، وفي النهاية سيسخر منك ويستهزئ بك، وربما يجعلك أضحوكة أمام مرافقيه من الجن.

من أطاع الله أطاعه كل شيء
ثمة حادثة أخرى تؤكد صحة ما نقول، فقد روي أن الإمام أحمد بن حنبل كان جالساً في مسجده ذات يوم إذ جاءه صاحب له من قبل الخليفة المتوكل، فقال له:

- " إن في بيت أمير المؤمنين جارية بها صرع، وقد أرسلني إليك لتدعو الله لها بالعافية " .
فأعطاه الأمام أحمد نعلين من الخشب (أي قبقابين) وقال له:

- " إذهـب إلى دار أميـر المؤمنين واجلس عند رأس الجارية وقل للجني: قال لك أحمد: أيما أحب إليك..؟ تخـرج من هذه الجارية أو تصفع بهذا النعل سبعين..؟ "

فذهب الرجل ومعه النعل إلى الجارية وجلس عند رأسها، وقال كما قال له الإمام أحمد، فقال المـارد على لسان الجارية:

- "  السمع والطاعة لأحمد، لو أمرنا أن نخرج من العراق لخرجنا منه، إنه أطاع الله ومن أطاع الله أطاعه كل شيء " .

ثم خرج من الجارية فهدأت، ورزقت أولاداً فيما بعد.

فلما مات الإمام أحمد عاد لها المارد، فاستدعى لها الأمير صاحباً من أصحاب الإمام أحمد فحضر ومعه ذلك النعل، وقال للمارد:

- " اخرج و إلا ضربتك بهذه النعل" ، فقال المارد:

- " لا أطيعك ولا أخرج، أما أحمد بن حنبل فقد أطاع الله فأمرنا بطاعته" .

نستنتج من المثالين السابقين أن قراءة القرآن تتطلب الخشوع والتأثر بمعاني كلمات الله ومعايشتها أثناء القراءة حتى يكون لها التأثير المطلوب..

ونصيحتي للأخت صاحبة المشكلة أن لاتنصاعي لأي قارئ يرتل كلمات الله فوق رأسك.. ولا ترهقي ذاتك بالقراءة التقليدية للقرآن، أو بذكر آيات محددة كورد ينصحك به بعض أدعياء المعرفة. أو بعض الأدعية المعلبة والجاهزة عن الشيخ فلان أو غيره.. بل قوي إيمانك من ذاتك.. من أعماق جوارحك أنت.. واقرأي ماتري أن لسانك يلهج به من دون تحضير مسبق.. فالقرآن الكريم ليس صيدلية للوصفات السحرية..الآية كذا للحالة كذا.. وثقي بالله أول وأخيراً.. وبقوة إرادتك من بعد ذلك.. وبطبيعة الحال لا يمكن تقوية الإرادة إلا بالثقة بالله والإيمان به كمخلص وحيد من هذه الأزمات..

أختي الكريمة.. إن ما يظهر لك وينغص عليك حياتك هو شيطان حقيقي لايستهان بقدرته على الإيذاء والخداع والتضليل.. وقد يكون تسليطه عليك من قبل المنافسين لوالدك لسبب ما، كأن يكون انتقاماً منه لأعمال قام بها ضدهم، ولكونهم عجزوا عن إيذائه شخصياً، توجهوا إليك بسحرهم مع علمهم بأن والدك لايملك من العلم ما يجعله يرد عليهم بمثله، أو لايستطيع تحريرك منهم. هذا مجرد ظن واحتمال أرشحه.

أما الطلاسم اليهودية التي رأيتها على السيف في حلم الدار البيضاء، فهو كشف لك وتبيان بأن السحر المسلط عليك هو من فعل ساحر من يهود المغرب، وليس شيطان يهودي كما خيل للبعض. والمعروف أن يهود المغرب أكثر ممارسة للسحر الأسود من أندادهم، خاصة وأن الشر يغلي في دماء الأكثرية منهم.

أما بالنسبة للشرير الموكل بالتسلط عليك فهو قادرعلى التصور بشكل والدك أو غيره، وقد اتبع طريقة الصعق عندما تجسد بصورة والدك أثناء وجودك بالحافلة ثم انقلب فجأة لتجسده الشيطاني، فلم يستطع تفكيرك استيعاب هذا التنقل نتيجة لسرعة المفاجأة بالتشكل فأدى ذلك إلى حالة انبهار عقلي أدى إلى انهيار جسدي وإغماءة كما ذكرت في روايتك.

وأما كون والدة صاحبة المشكلة قد قصدت قسيس لاستشارته وطلب العون منه بعدما استشارت رجال دين مسلمين فلا يعني أنها غير مسلمة، فنحن بصورة عادية نلجأ للأطباء المتمكنين في التخصص سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو حتى يهود. وقد عالجت بدوري كثيراً من حالات الاستحواذ لمصابين من الإخوة المسيحيين، وهذا لم يجعلهم مسلمين ولم يجعلني مسيحياً.. علماً بأن الشيطان عدو لكل البشر وبكافة انتماءاتهم الدينية.. فلما لا تتكاتف كل الأديان وتتعاون معاً للتصدي له..؟

أضف إلى احتمال أن تكون العائلة مسلمة ولكنها تقيم في حي مسيحي، وتتأثر بأجواء ذلك الحي وأفكار سكانه.. فأين المشكلة.. إضافة إلى أن طيبة القلب عند العامة تجعلهم لايميزون الطريق الأصوب في حياتهم العامة، فكيف أمام الأزمات..؟ بمعنى أنها لا تعتقد أن لجوءها إلى معالج مسيحي يخرجها من ملة الإسلام..(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى)، صدق رسول الله.

وبطبيعة الحال فإن ما تواجهيه هو شيطان حقيقي، وليس عبث عقلي كما يعتقد البعض، ولكن رغم كونه كذلك فإن كل قدرته وجبروته تنحصر فقط بالتأثير على العقل.. بحيث يجعلك ترين أشياء لاوجود لها.. وتعانين آلام لاحقيقة لها إلا في عقلك.. ولكي تتفهمي هذه الفكرة أنصحك بالعودة إلى المقالات ( سيدة الأفاعي ) و ( شيلتون الشيطانة المزعومة ) على صفحات هذا الموقع.. لكي تستوعبي فكرة العلاج. لأن كل ما يلزمك لمقاومة هذا الشيطان هو فقط قوة الإيمان والعزيمة والإصرار.. فقوة الإيمان تبني حولك جداراً نورانياً مشعاً يبهر الشياطين ويبعدهم بإذن الله..

كما يلزمك أن تبرمجي عقلك على عدم الخوف من هذا الوهم.. لأنه لايزيد عن ذلك رغم كونه حقيقة واقعة، ولكنه حقيقة من الوهم العقلي الذي يجسدها لك هذا الشرير.. وأنت تحتاجين إلى شحن فكري مضاد..وذلك بأن تعالجي نفسك بالإيحاء الذاتي قبل النوم.. وأما الجمل الإيحائية المطلوب تردادها فلا أحداً يستطيع صياغتها لك إلا أنت.. لأنك أدرى بأعماقك الدفينة منا جميعاً وأعلم بما يجول بمخيلتك.. وأدرى بنقاط الضعف السلبية في أعماقك، تلك النقاط التي يجب تقليم تأثيراتها بأفكار مضادة تكون أكثر تفاؤلاً وإشراقاً وصلابة وقدرة على التحدي.

نبذة عن د.سليمان المدني
يحمل د. سليمان المدني (58 سنة) دبلوم دراسات عليا في الباراسيكولوجيا (ما وراء النفس) من كلية ولاية نيويورك ، ولديه من الخبرة 30 سنة حيث زاول العلاج بطريقة التنويم المغناطيسي واكتسب مع الوقت طرقاً للتمييز بين حالات المس الشيطاني والحالات النفسية الأخرى كما عالج ما يسمى بحالة "المس الشيطاني" بالتنويم المغناطيسي. وأصدر العديد من المؤلفات حول التنويم وتفسير الأحلام والتقمص وآخر مؤلفاته (الصيدلية الروحية) الصادر عن دار دمشق عام 2010 ويزود موقع ما وراء الطبيعة بخبرته في هذا المجال كخبير معتمد فيه.

 تحليلات أخرى لـ د.سليمان المدني
- ضحية الزواج المتعثر
- أبي وآخر
- إقتران روحي
 
2019 Paranormal Arabia جميع الحقوق محفوظة لـ