28 أغسطس 2025

الخوف من المجهول : بين أنياب الحقيقة وظلال الوهم

الخوف من المجهول - ماورائيات
إعداد :  كمال غزال

كان سقراط جالساً في زاوية من الساحة، يغوص في أسئلته الصعبة، حين اقترب منه شاب تبدو على وجهه صفرة القلق ، قال الفتى بصوت مرتجف: " إنني خائف" ، ابتسم سقراط وسأله بهدوء:
" خائف ؟ ومم تخاف يا بني ؟" ، قال: " غداً سأتحدث في المجلس أمام الناس، وأخشى حكم الجموع" ، نظر إليه سقراط ملياً، ثم قال: "وهل أصدرت الجموع حكمها عليك ؟" ، أجاب الفتى: " لا… ليس بعد" ، قال سقراط: " إذن فأنت تخشى ظلاً لا جسداً، حكاية نسجتها لنفسك. أما لو وقف أمامك أسد جائع على الطريق، بأسنانه ودمه، لكان ذلك خوفاً حقيقياً؛ خوفاً من الخطر على الجسد، وهو أمر مشروع ، لكن خوفك هذا ليس إلا شبحاً يهدد كبرياءك، لا جسدك".

ثم أضاف بصوت أشبه بالحكمة: " على المرء أن يسأل نفسه أمام كل خوف: هل لهذا الخوف أنياب ؟ فإن كان بلا أنياب، اعبر خلاله وستدرك أن لا شيء وراءه ".

الخوف كغريزة بيولوجية

الخوف في أصله غريزة حافظة للحياة، رسختها الطبيعة فينا منذ آلاف السنين ، عند مواجهة خطر جسدي مباشر يفرز الدماغ هرمونات الأدرينالين والكورتيزول لتأهب الجسد للهرب أو المواجهة، هذا النوع من الخوف ضروري، لأنه يحفظ النوع البشري من الانقراض ، لكن المشكلة تظهر حين تُستدعى هذه الآلية نفسها لمخاوف لا وجود لها إلا في خيالنا، فيصبح الوهم أثقل من الحقيقة.

الخوف من المجهول

المجهول هو أكثر ما يخشاه الإنسان ، هو الخوف من المستقبل، من الفشل، من المرض، من فقدان الأحبة ، هو الخوف من الماورائيات، من الموت، من ما بعد الموت، من الأرواح والجن والظلام ، هو الخوف من نظرة الآخرين، من النقد، من الرفض، من العزلة ، هذه المخاوف ليست أحداثاً واقعة، بل احتمالات مستقبلية قد لا تحدث أبداً. إنها «ظلال» كما سماها سقراط.

الإنسان منذ القدم ربط خوفه بالغيبيات فاعتبر رياح الليل التي تحرك الأشجار أرواحاً هائمة ، وفسر أصوات البيوت القديمة على أنها أشباح ، فألصق بالمجهول الذي لا تفسير له  صفة «الماورائي» ، لكن في أغلب الأحيان تكون تلك المخاوف انعكاساً لجهل الإنسان أكثر من كونها وجوداً فعلياً.


الخوف والإيمان

الإيمان بالقوى الغيبية قد يكون دواءً للخوف، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى مصدر خوف جديد. فحين يترسّخ في وجدان الإنسان اعتقاد بأن هناك قوى خفية تراقبه أو تتحكم في مصيره، فإن هذه الفكرة تمنحه شعوراً بالأمان أحياناً، لكنها قد تهيمن عليه وتكبّل حريته في أحيان أخرى. المؤمن قد يجد عزاءً في إيمانه بالرحمة والعدل الإلهي، لكنه قد يعيش في رهبة دائمة من العقاب أو من قوى غيبية يعتقد أنها تحيط به. وهكذا يصبح الإيمان أحياناً مرآة مزدوجة: يضيء درب الطمأنينة، لكنه قد يزرع في النفس ظلال خوف أشد من الخوف المادي، لأنه لا يواجه جسداً بأسنان، بل فكرة مطلقة لا مهرب منها.


الإيمان قد يولد خوفاً يؤدي إلى هيمنة

لا يولد كل خوف من خطر حقيقي، فالإيمان نفسه قد يخلق سجناً داخلياً، حين يقتنع الإنسان أن روحاً ما، أو كياناً غيبياً، يسيطر عليه، يصبح رهينة لفكرة قد تكون وهماً محضاً. لكن الوهم إذا غُرس في الوجدان يتحول إلى قوة حقيقية بالنتائج التي يفرضها: اضطراب، عجز، أو حتى استسلام كامل. 

هنا لا يكون الكيان الغيبي هو السيد، بل الإيمان به، لأن الفكرة حين تُمنَح سلطة مطلقة تنقلب إلى واقع يعيشه المرء بكل جوارحه. وهكذا يصبح الخوف من المجهول، إذا اختلط بالتصديق الأعمى، باباً يُدخل الإنسان في أسرٍ طوعي لأشباح لا وجود لها إلا في ذهنه.

البعد النفسي
علم النفس يرى أن كثيراً من هذه المخاوف يرتبط بـ الذاكرة أي خبرات الطفولة أو مواقف سابقة تركت أثراً ، ويرتبط بالخيال أي تضخيم ما قد يحدث، وصناعة سيناريوهات قاتمة ، وأيضاً باللاوعي الجمعي (عند يونغ) حيث يخزن العقل صوراً ورموزاً موروثة عن الخوف من الظلام، العزلة، أو القوى الغامضة.


كيف نواجه الخوف ؟


1- اسأل أولاً: هل للخوف أنياب ؟

السؤال البسيط الذي طرحه سقراط يصلح أن يكون مفتاحاً لكل مواجهة: هل لهذا الخوف أنياب تنهش الجسد؟ إن كان نعم فهو خطر حقيقي يستدعي حذراً أو هروباً مشروعاً، وإن كان بلا أنياب فهو وهم، ظلّ يلوّح في الخيال. مجرّد التفريق بين الخطر الواقعي والوهمي يمنح العقل قوة تعادل نصف الانتصار.

2- المواجهة التدريجية

الخوف يشبه الضباب، كلما اقتربت منه تلاشى. إن الدخول إليه دفعة واحدة قد يشلّ الإرادة، لكن مواجهته بخطوات صغيرة تضعف سلطانه. من يخاف من الحديث أمام جمع يمكنه أن يبدأ بالكلام أمام صديقين، ثم أمام عشرة، حتى يسقط القناع الذي صنعه الخيال. النفس البشرية تتعلم بالشجاعة المتدرجة، لا بالقفز في الهاوية دفعة واحدة.

3- المعرفة

الخوف يتغذى على الغموض، فإذا أُضيء الغموض بنور الفهم انحسر. الطفل يخاف الظلام لأنه لا يعرف ما فيه، فإذا أوقدنا شمعة واكتشف أن الغرفة خالية، تبدّد رعبه. كذلك الإنسان الراشد: كلما تعمق في فهم ما يخشاه – سواء مرض، أو ظاهرة طبيعية، أو حتى أسطورة – اكتشف أن الكثير من أشباحه مجرد جهل متجسّد.

4- الإيمان أو الفلسفة

الإيمان والفلسفة جناحان مختلفان يؤديان وظيفة متشابهة: ترويض القلق الوجودي ، المؤمن يجد في يقينه بالله ملاذاً يطفئ نار المجهول والفيلسوف يجد في البحث عن المعنى عزاءً يمنحه توازناً أمام اتساع الكون وغموض المصير ، لكن الخطر أن يتحول الإيمان أو الفلسفة إلى سجن جديد إذا غابت عنهما البصيرة، فيتحولان إلى أداة لتغذية الخوف لا تبديده.

5- الخوف كفرصة للنمو

المفارقة أن الخوف ليس عدواً دائماً؛ أحياناً يكون معلمًا خفياً. من يواجهه يكتشف في داخله طاقات لم يكن يعرفها. الخوف من المجهول قد يدفع المرء إلى اكتشاف مجالات جديدة، وإعادة بناء علاقته بذاته وبالآخرين. وحين يسقط جدار الخوف، يُفتح أفق أوسع للحياة، حيث يتحول الإنسان من أسير لأشباحه إلى صانع لاحتمالاته.

وفي الختام، الخوف في جوهره سيف ذو حدين: قد يكون حارساً للجسد، وقد ينقلب سجّاناً للروح ، وبين وهم لا أنياب له وخطرٍ حقيقي يقترب، يظل الإنسان محتاجاً إلى حكمة سقراط: “ اسأل نفسك دوماً: هل لهذا الخوف أنياب ؟ فإن لم تكن له، فاعبر خلاله، ستدرك أن لا شيء وراءه " .

0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .

 
2019 Paranormal Arabia جميع الحقوق محفوظة لـ