28 أغسطس 2025

الخضر: الحكيم العابر بين الأزمنة والديانات

سيدنا الخضر
إعداد :  كمال غزال

ظل اسم الخضر يتردد في القرآن والحديث والتفاسير، وفي القصص الشعبية والأساطير، كرمزٍ لرجل غامض يمتلك معرفة تتجاوز إدراك البشر، وقدرات خارقة قد يجهلها حتى الأنبياء. 

فمن هو هذا العبد الصالح الذي رافق النبي موسى وعلمه ما لم يكن يعلم ؟ ولماذا لم يذكره القرآن بالاسم رغم شهرته ؟ ولماذا بقيت شخصيته محاطة بالرموز والمقامات والكرامات في أنحاء العالم الإسلامي؟ 

وهل الخضر هو نفسه ملكي صادق الغامض في المرويات اليهودية والمسيحية ؟ أم هو كائن خالد يتنقل بين الأزمان ؟

إنها شخصية تتجاوز حدود الدين الواحد، لتظهر بأقنعة مختلفة في اليهودية والمسيحية والإسلام، بل وحتى في ثقافات وأساطير أخرى. وبين من يراه نبياً أو ولياً أو ملاكاً متجسداً، يبقى الخضر سراً مفتوحاً على احتمالات لا نهاية لها.

الخضر في القرآن

ورد ذكر الخضر في سورة الكهف دون تسميته: « فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما » (الكهف: 65).

هنا تبدأ الحكاية: موسى النبي، الذي اعتقد أنه أعلم أهل الأرض، يُوحى إليه بوجود رجل آخر عنده علم لا يملكه، فيسافر إليه عند "مجمع البحرين".

يبدأ الخضر باختبار موسى عبر أفعال غريبة:

- يخرق سفينة لمساكين يعملون في البحر.

- يقتل غلاماً صغيراً بلا ذنب ظاهر.

- يقيم جداراً في قرية رفض أهلها إكرامهم.

كل فعل بدا لموسى ظلماً أو جنوناً، حتى فسر له الخضر السر: إنما كانت كلها أفعال بوحي من الله، وراءها حكم خفية لا تُدرك بالظاهر.

هنا يتجلى الخضر باعتباره صاحب العلم اللدني؛ علمٌ ليس من الكتب ولا الشرائع، بل من الغيب مباشرة. "وهكذا تحولت قصة الخضر مع موسى إلى درس خالد للبشرية: فليس كل ما يبدو ظلماً أو شراً في ظاهره، يكون كذلك في حقيقته الباطنة."

لماذا سُمي بالخضر ؟

لم يرد اسمه في القرآن، لكن السنة والتفاسير أطلقوا عليه لقب الخضر، تقول الروايات: سُمّي بذلك لأنه جلس يوماً على أرض يابسة جرداء فازهرت واخضرّت من تحته، ومن هنا التصق به الاسم، رمزاً للخصب والحياة والبركة.

الغريب أن كلمة "الخضر" (الأخضر) تجد لها صدى في أساطير أخرى: "الرجل الأخضر" في أوروبا، ورموز الربيع والخصب في حضارات قديمة. وكأن الاسم نفسه يشير إلى بعدٍ أسطوري يتجاوز الموروث الإسلامي وحده.

من هو الرجل الأخضر في الأسطورة الأوروبية ؟

هو رمز للنمو والخصوبة والطبيعة، غالباً يُصور كوجه رجل تخرج من فمه أو عينيه أو أنفه أوراق وأغصان ، ستجده منحوتاً في الكنائس القوطية، على الأعمدة والأقواس، رغم أن أصله وثني أقدم من المسيحية ، عند الديانات الجرمانية والكلتية كان يمثل روح الغابة، أو الكائن الذي يموت كل شتاء ويعود كل ربيع رمزاً لدورة الحياة والموت والبعث.

لماذا يُقارن بالخضر الإسلامي ؟

التشابه في الاسم والدلالة: "الخضر" = "الأخضر"، وكلاهما مرتبط بالخصب والحياة المتجددة ، كلاهما شخصية غامضة تتجاوز الزمن: الخضر يوصف أحياناً بالخلود، والرجل الأخضر يتجدد مع الفصول ، كلاهما يظهر في الثقافة الشعبية أكثر مما يظهر في نصوص دينية رسمية ، بعض الباحثين يرون أن صورة الرجل الأخضر الأوروبي ربما التقت في المخيلة الشعبية مع صورة الخضر عند المسلمين بعد الحروب الصليبية، فصار هناك تبادل رمزي.


نبي أم ولي أم كائن غامض ؟

اختلف العلماء في حقيقته : 

- فريق رآه نبياً، لأنه قال: «وما فعلته عن أمري»، أي أنه يتلقى الوحي.

- آخرون عدّوه ولياً صالحاً أو معلم الأولياء، صاحب كرامات وهبات ربانية.

- وهناك من غلّب الرمز على الحقيقة، فرأى فيه ملاكاً في جسد إنسان، أو كائناً خارج التصنيفات.

- أما في التصوف، فصورة الخضر أكبر من نبي أو ولي: إنه المرشد الخفي، الذي قد يظهر للسالكين في هيئة مسافر غريب أو شيخ مهيب، ليمنحهم العلم أو العون ثم يختفي. ولهذا سُمي أحياناً بـ الغوث.


هل ما زال الخضر حياً ؟

من أكثر الأساطير إثارة أن الخضر لم يمت بعد، بل لا يزال يجوب الأرض. كيف نشأت هذه الفكرة ؟ تقول إحدى الروايات إنه رافق ذو القرنين إلى "أرض الظلمات"، وهناك شرب من عين الحياة، فصار خالداً وفي التراث الشعبي، يتكرر ظهوره: رجل غريب عزّى الصحابة يوم وفاة النبي محمد ثم اختفى، فقيل إنه الخضر.

أولياء وصوفية أقسموا أنهم التقوه في البراري أو عند الكعبة أو في الحج ، وتنتشر مقامات باسمه في فلسطين وسوريا والعراق ولبنان، يزورها المسلمون والمسيحيون معاً، ويعتبرها البعض أماكن "شوهد فيها" لا "دُفن فيها".

لكن هل يمكن أن يكون حياً فعلاً ؟
بعض العلماء استدلوا بقول النبي: « لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد بعد مئة سنة » أي من الجيل الذي عاش آنذاك ولهذا قالوا إن الخضر مات، بينما أصر آخرون أنه استثناء، باقٍ حتى يشهد أحداث آخر الزمان، ويكون موته على يد المسيح الدجال.

الخضر في أديان وثقافات أخرى

في اليهودية

شخصية النبي إيليا (إلياس) الذي لم يمت وصعد إلى السماء، وترافق قصته مع الحبر يوشع بن لاوي في التلمود أحداثاً تشبه بالضبط قصة موسى مع الخضر.

في المسيحية

يندمج الخضر مع مار جرجس (القديس جاورجيوس) الذي يقتل التنين وينقذ العذراء، كثير من الكنائس تحمل اسمه، وفي المقابل مقامات الخضر نفسها عند المسلمين تُزار بنفس القداسة.

وفي الكتاب المقدس يشبه بعض الباحثين الخضر بـ ملكي صادق، الملك الكاهن الغامض الذي بارك إبراهيم وقيل عنه "بلا أب ولا أم ولا نهاية حياة"، صفات ربما تنطبق على الخضر الحي عبر القرون.

في ثقافات أخرى

في الهند يُعرف باسم جهوليلال، وفي الأساطير الأوروبية يظهر كـ الرجل الأخضر رمز الخصب والربيع.

الخضر وآخر الزمان

تربط بعض المرويات بين الخضر وأحداث نهاية العالم:

- أنه سيكون ذلك الرجل المؤمن الذي يرفض دعوة الأعور الدجال ، فيغضب الدجال ويأمر به فيُقتل، بل ورد أنه يُشقه نصفين ويمشي بينهما ثم يعيده حياً أمام أعين الناس، ليظن الناس أنه يملك سلطة إحياء الموتى، عندها يصرخ ذلك الرجل: "والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، أنت الدجال الكذّاب !".

رغم أن الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ، لم يذكر اسم هذا الرجل، بل وصفه بأنه أعظم الناس شهادة عند الله ، لكن بعض العلماء والمتصوفة ربطوا الأمر بالخضر، فقالوا: بما أن الخضر يُعتقد أنه حيّ منذ القدم، فقد يُرجئ الله موته إلى زمن الدجال ، فيكون هو الرجل المؤمن الذي يُظهر الله على يديه حُجة دامغة ضد الدجال: فمع أن الدجال "يحييه" مرة أخرى، إلا أن الخضر يعلن بجرأة أن هذا سحر وكذب وليس حياة حقيقية.

- أنه سيكون رفيق المهدي المنتظر في معركته الكبرى.

- أنه سيشهد نزول النبي عيسى في آخر الزمان.

سواء صحت هذه الروايات أم لا، فهي تكشف استمرار حضور الخضر في مخيال الناس كـ شاهد على التاريخ منذ البدء وحتى النهاية.

وفي الختام ، الخضر ليس مجرد شخصية قرآنية، بل رمز كوني يتجاوز حدود الزمان والدين، هو الحكيم الغامض الذي علّم نبياً من أولي العزم، والولي الذي قيل إنه ما زال يتنقل بين البشر، والملاك الذي يطل حين يشتد الضيق، والقديس الذي يتجسد بأسماء مختلفة في ديانات وثقافات شتى.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل الخضر إنسان خالد ؟ نبي مجهول ؟ ملاك متنكر ؟ أم أسطورة نسجتها الشعوب لتعبر عن حاجتها الدائمة إلى "المرشد الخفي" الذي يكشف لها ما وراء الظاهر ؟

أياً تكن الإجابة، فإن الخضر سيظل حياً، على الأقل في وجدان البشر، كأيقونة للحكمة الماورائية واللغز الذي يرفض أن يُحَل.

0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .

 
2019 Paranormal Arabia جميع الحقوق محفوظة لـ