![]() |
| إعداد : كمال غزال |
باشا من زمن الحماية… وظل يمتد بعد موته
تاريخياً، “الباشا حمو” هو لقب اشتهر به حمو بلعباس/الهمادي الذي ارتبط اسمه بمدينة الجديدة وضواحيها خلال فترة الحماية الفرنسية للمغرب، واشتهر في الذاكرة الدكالية بصرامة الحكم، وبالمقولة الشعبية: “قفطانو كبريتي وحكامو فيريتي”، أي “مظهرٌ مهيب وحكمٌ صارم/صائب” كما تروي مقالات محلية تناولته.
هنا لا نريد تحويل المقال إلى سيرة؛ يكفينا أن نفهم سببًا واحداً: اللقب (باشا) والاسم (حمو) حملا من الأصل “هيبة السلطة”. وعندما تحتاج الأسطورة إلى قناعٍ قوي، فإنها تلتقط أسماء السلطة القديمة بسهولة.
"ساكن الباشا حمو"… عندما يتحول المجاز إلى معنى حرفي
المنعطف الحاسم لم يأتِ من مخطوطات أو “استحضار”، بل من تراث شفهي/غنائي يُعرف في سياقات العيساوة/الساكن، وفيه لازمة تتكرر: “ ويلي ويلي على الباشا حمو… الشارب دمو… الواكل لحمو…” ، وهي لازمة متداولة على التسجيلات والمنصات حتى اليوم.
هنا تقع “الخدعة الكبرى” ، في اللغة الشعبية، “شرب الدم” و“أكل اللحم” ليست بالضرورة أفعالاً حرفية، بل قد تكون كنايات عن الظلم، والافتراس المعنوي، وابتلاع الحقوق. لكن حين تدخل الدجل أو القراءة المتعجلة تتحول الكناية إلى تقريرٍ حرفي: إذن هناك كائن “يشرب دماً ويأكل لحماً” فعلاً… وهو جني !
هذا بالضبط ما فككه منشور الباحث عبد الرحيم شرّاد حول كيفية “وشم” جني برتبة “باشا” داخل بعض تلقيات “الساكن”، وتحويل الرمز الشعبي إلى مادة شعوذة تُسوّق كحقيقة غيبية، مع سخرية واضحة من فكرة “جني بمنصب باشا”.
لماذا جرى إضافة لقب "الكزّار/الجزار" ؟
إضافة “الكزّار/الجزار” ليست تفصيلًا بريئاً؛ إنها ترقية للوحشية داخل السردية ، “باشا” يعني سلطة وهيبة (مرجعية بشرية) ، و“حمو” = اسم دارج قريب من الوجدان ، و“الكزّار” دم ولحم وسكاكين… أي “تثبيت” للقراءة الحرفية للأغنية.
وبذلك يحصل الراوي/الدجال على حزمة جاهزة: اسم مألوف + رتبة مخزنية + صورة ذبح = أسطورة قابلة للتداول السريع.
السوشال ميديا تُكمل ما بدأه الدجل
في زمن المنصات، لا تحتاج الأسطورة إلى سند علمي بل تحتاج إلى: عنوان صادم، مونتاج صوتي، وموسيقى “رعب” تعززها تعليقات تؤكد لبعضها: “صحيح… أعرف شخصاً مسّه الباشا حمو”.
وهكذا ظهرت موجة محتوى منظم يقدم “الباشا حمو الكزّار” كحلقة ضمن “ملوك الجن السبعة”، بصيغة شبه وثائقية/سردية على يوتيوب وفيسبوك ، ومع تكرار الحكاية يتحقق ما يسميه علماء الاجتماع “أثر الحقيقة الوهمية” : كلما تكررت الرواية، صارت في حسّ المتلقي “معلومة”.
السوشال ميديا هنا لا “تنقل” فقط؛ بل تعيد تصنيع الذاكرة: تقتطع لازمة من أغنية قديمة، تضعها على صور قصر/مدينة/طقوس، وتنتج “قصة أصل” جديدة للأسطورة.
من “ملك الجن” إلى أدوات نصب واقعية
أخطر ما في أسطورة “الجن حمو” أنها لا تبقى في الخيال ، بل أصبحت "الصندوق الذي يُضاعف المال" التي شغلت المغرب في 2024 وهي مثال على كيفية استثمار فكرة جنّي اسمه لإسقاط ضحايا حقيقيين؛ حيث وردت تفاصيل عن إيهام الناس بصندوق “يسكنه جن حمو” يضاعف الأموال.
تفكيك الأسطورة لا يعني احتقار التراث… بل حمايته
أسطورة “الباشا حمو الكزّار” تكشف شيئاً مهماً عنّا: كيف يمكن لقطعة من التراث (ساكن/أغنية) أن تتحول- حين تُقرأ خارج سياقها- إلى سلاحٍ بيد الدجل، ثم إلى “حقيقة شعبية” تتوارثها الأجيال عبر الشاشة.
تفكيك هذه الأسطورة ليس حرباً على الموروث؛ بل محاولة لإنقاذ الموروث من: القراءة الحرفية الساذجة والاستغلال التجاري والابتزاز النفسي والمالي الذي يعيش عليه “سوق الجن”.
مصطلحات عن الثقافة المغاربية الشعبية
فيما يلي شرح لمصطلحات قد تكون غريبة على ثقافة ممن لم يعيشوا أن درسوا عن ثقافة المغرب أو فلكلوره الغني :
العيساوة
طريقة صوفية مغربية تأسست في القرن السادس عشر، تعتمد على الذكر الجماعي والإيقاع القوي لإحداث حالات وجد روحي. ما يُفسَّر أحيانًا خطأً على أنه مسّ أو استحضار، هو في الأصل تعبير نفسي–روحي داخل طقس ديني.
كناوة
تراث روحي وموسيقي مغربي ذو جذور إفريقية، يقوم على الإيقاع والتكرار في طقوس تُسمّى “اللّيلة”. ارتبطت موسيقاه شعبيًا بفكرة الأرواح والجن، رغم أن هذا الارتباط رمزي ثقافي لا عقدي.
الساكن
مصطلح شعبي مغربي يُقصد به “الشيء غير المرئي الذي يسكن الجسد أو المكان”. يُستخدم غالبًا لوصف حالات غامضة أو نفسية، وليس بالضرورة دلالة حرفية على الجن.


0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .