أنا امرأة من الرحّل الأيرلنديين Irish Travellers ومن الناحية التاريخية لطالما ارتبط أبناء مجتمعنا بعالم الأرواح في الحكايات والمعتقدات الشعبية، ربما لأن أسلوب حياتنا جعلنا أقرب إلى الطبيعة، وكثيراً ما عشنا بالقرب من أماكن ارتبطت في الفلكلور الأيرلندي بـ قوم الجنيات Fae Folk.
ولهذا شاع الاعتقاد بأن بعض نساء الرحّل الأيرلنديين يمكن أن يكنَّ من الـ الحكيمات أو العرافات Bean Feasa اللواتي يُنسب إليهن اتصال خاص بالعالم الروحي وأحياناً ما يسمى البصر الآخر Second Sight أي القدرة على رؤية أشياء لا يراها الآخرون.
أنا شخصياً أؤمن بوجود ظواهر يمكن وصفها بأنها خارقة أو غير مألوفة، لكنني لست واثقة مما يقف وراءها، وبحكم اهتمامي بـ الطاوية، أتساءل أحياناً عما إذا كان بعضها مرتبطاً بـ طاقة تشي Qi في الطبيعة وتأثيرها في الإنسان.
هوايتي الغريبة
أحب التخييم في الأماكن التي تشتهر بأنها "مسكونة"، قد يبدو الأمر غريباً، لكنه أصبح بالنسبة إليّ نوعاً من الهواية: أذهب إلى هذه الأماكن لأرى إن كنت سأشاهد أو أشعر بشيء غير عادي.
خيمت في عدد من المواقع ذات السمعة المخيفة في أنحاء أوروبا، من بينها غابة ديرينغ Dering Woods وغابة ويستمان Wistman's Wood وغابة هويا باكيو Hoia Baciu Forest، وكذلك قرب قلعة دوشال Duchal Castle، وغيرها الكثير.
حدثت لي في بعض تلك الأماكن أمور غريبة بالفعل لكن لم يكن هناك شيء استطعت أن أقول عنه بثقة: "نعم، هذا خارق للطبيعة".
الغريب أن أكثر تجربة حيّرتني لم تحدث في واحد من تلك الأماكن التي قصدتها بحثاً عن الأشباح.
حدثت في ليلة عادية تماماً.
ليلة في غابات الأردين
كنت في رحلة بالسيارة من برلين إلى باريس وقررت التوقف للمبيت في منطقة وادي سيموا Semois Valley في بلجيكا، ضمن غابات الأردين ، كنت أقود عربة تخييم من نوع تالبوت اكبريس وبدلاً من استخدام موقع تخييم رسمي، قدتها إلى عمق الغابة لأقضي الليل بعيداً عن الجميع.
كان ما أفعله، في الحقيقة، تخييماً خارج المواقع المسموح بها، ولذلك اخترت عمداً مكاناً نائياً للغاية، بعيداً عن مناطق التخييم المعتادة، حتى لا يعثر عليّ حراس الغابات ويطلبوا مني الرحيل أو يحرروا بحقي مخالفة.
في ذلك المساء كنت جالسة خارج العربة أتناول عشائي ، كان ضوء الشفق الصيفي يتراجع ببطء والغابة تدخل تدريجياً في ذلك الظلام الرمادي الذي يسبق الليل ، وفجأة، ومن دون سبب أعرفه، انجذب بصري إلى الأشجار أمامي.
على مسافة تقارب 50 أو 60 قدماً، أي نحو 15 إلى 18 متراً، كانت هناك فتاة تقف عند حافة الأشجار، بدت في الحادية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها تقريباً ، وكانت تنظر نحوي ، لكنها لم تكن تنظر إليّ ، أقول إنها كانت تنظر "إليّ"، لكن هذا ليس دقيقاً تماماً.
كان وجهها موجهاً نحو المكان الذي أجلس فيه، إلا أنني شعرت بأنها لا تراني شخصياً، كانت عيناها تبدوان وكأنهما تخترقانني إلى نقطة خلفي، ربما إلى الأرض الواقعة ورائي.
وكأنني غير موجودة بالنسبة إليها ، لم تكن الفتاة شفافة ولم تكن ظلاً أو ضباباً أو هيئة شبحية باهتة.
على العكس تماماً ، بدت إنسانة حقيقية من لحم ودم ،وهذا بالتحديد ما جعل المشهد أكثر غرابة ، الشيء الوحيد الذي بدا غير طبيعي فيها كان ملابسها ، كانت تبدو... خارجة من زمن آخر.
أفضل طريقة أستطيع بها وصف مظهرها أنها كانت تشبه الفتاة في فيلم The Witch؛ تنانير صوفية متعددة الطبقات، وصديرية ضيقة، وغطاء رأس قديم الطراز.
كان هناك شيء فيها جعلني أشعر بأن المشهد كله خاطئ ، ليس مخيفاً بالمعنى المعتاد بل ذلك النوع من الإحساس الذي يخبرك بأنك تنظر إلى شيء لم يكن من المفترض أن تراه.قلت : مرحباً Salut ؟
لا أعرف إلى اليوم لماذا فعلت ذلك، لكنني تمكنت أخيراً من الكلام.
قلت بتردد واستغراب:
– مرحباً Salut ؟
لم تجب ، ولم تبدُ حتى وكأنها سمعتني ، لم تلتفت إليّ أو تظهر أي إشارة تدل على أنها تعترف بوجودي ، بل استدارت ببساطة بزاوية قائمة تقريباً وبدأت تمشي بمحاذاة خط الأشجار ، وعندها حدث الشيء الذي ما زلت عاجزة عن تفسيره ، بدأت الفتاة تتلاشى كما لو أن أحدهم يخفض شفافية صورة.
لم تختفِ فجأة ، في البداية راحت ألوانها تخفت ، لو أردت وصف ما رأيته بلغة برامج تعديل الصور فسأقول إن الأمر بدا كما لو أن شخصاً أخذ يخفض تدريجياً مؤشري التشبع اللوني Saturation والتباين Contrast ، فقدت ملابسها وبشرتها ألوانها شيئاً فشيئاً وبدأ جسدها يندمج مع عتمة الغابة المحيطة ، ثم حدث شيء آخر ، كأن أحدهم بدأ يخفض مؤشر الشفافية Transparency.
أصبحت أقل وضوحاً شيئاً فشيئاً...حتى لم يعد هناك شيء.
لم تتحول إلى دخان ، لم تتحول إلى ظل ، ولم تتبدد في هيئة ضباب كما يحدث في أفلام الأشباح.
لقد... توقفت ببساطة عن الوجود أمام عيني.
كان الأمر أشبه بالصورة التي تبقى مطبوعة على شبكية العين بعد النظر إلى ضوء ساطع ثم تتلاشى ببطء حتى تختفي تماماً.
حلول الصمت
الغريب أنني لم أشعر بالخوف، ولم أشعر بأنها تهددني ، كنت فقط في حالة صدمة وعدم تصديق ، بقيت جالسة في مكاني مذهولة، ولا أعرف كم مر من الوقت، ربما بضع دقائق، وربما نصف ساعة.
لا أتذكر.
ما أتذكره أن الظلام عندما حل فعلاً فوق الغابة، دخلت إلى عربتي، أغلقت الستائر كلها، وفتحت زجاجة من ويسكي Laphroaig Single Malt في محاولة لتهدئة أعصابي ، مر بقية الليل من دون أي حادثة أخرى.
لا أصوات غامضة ، لا طرقات ، لا همسات ، ولا ظهور آخر ، وبالتأكيد لم أفتح الستائر لأبحث عن مزيد من الأشباح.
لكن شيئاً واحداً لفت انتباهي ، كانت الغابة هادئة ، هادئة أكثر مما ينبغي.
لقد خيمت في غابات كثيرة في أوروبا وآسيا، وأنا أعرف جيداً الأصوات الطبيعية للغابة ليلاً: حركة الطيور في أماكن مبيتها، نداءات البوم، الغرير وهو يبحث عن الطعام، صرخات الثعالب، والأرانب البرية وهي تتحرك بين النباتات.
لكن في تلك الليلة...لم يكن هناك شيء.
كان الهواء ساكناً، والصمت المحيط بالغابة مزعجاً بصورة يصعب وصفها.
ثم جاء الصباح
مع شروق الشمس حدث التحول.
بدأت أصوات الطيور تعود مع جوقة الفجر، وكأن الغابة استفاقت فجأة من سباتها.
شعرت بأن "طاقة" المكان نفسها قد تغيرت ، وبينما كنت أنظف أسناني تحت ضوء الصباح، لم تعد الغابة تبدو غريبة أو ثقيلة.
أصبحت هادئة ومسالمة من جديد ، لا أعرف حتى اليوم ما الذي رأيته في تلك الليلة ، وبالتأكيد لا أملك تفسيراً لما حدث.
كل ما أعرفه أنني رأيت فتاة تبدو حقيقية تماماً تقف أمام الأشجار، ثم شاهدتها تفقد ألوانها ووضوحها شيئاً فشيئاً حتى اختفت أمام عيني.
وكانت تلك بلا شك واحدة من أغرب التجارب التي مررت بها في حياتي.