هل يمكن للشر أن يسكن جسداً ؟ وماذا لو أمكن أيضاً ربطه بشيء مادي، تمثال أو وعاء، ثم التخلص منه بدفنه في الأرض ؟

على هذه الفكرة يبني فيلم الرعب Bury the Devil أو "ادفن الشيطان" حكايته، جامعاً بين التلبس والخرف والذنب ومحاولات الاتصال بالموتى، في ليلة واحدة داخل منزل معزول.

ليلة في منزل إيفلين

تصل الممرضة جوليا Julia إلى منزل بعيد لتقضي الليل في رعاية إيفلين Evelyn، امرأة مسنة تعاني الخرف ، في البداية تبدو تصرفاتها قابلة للتفسير: النسيان، تكرار الكلام، الخلط بين الأشخاص، بل إنها تنادي جوليا أحياناً باسم سارة Sarah  ابنتها المتوفاة ،لكن شيئاً في البيت لا يستقيم.

تردد إيفلين صلاة أطفال معروفة، لكنها تغير كلماتها بطريقة غريبة تتحدث عن الأرواح وانتقالها بين الأجساد، ثم يظهر راندال Randall، زوجها السابق، مطالباً بمعرفة مكان شيء تخفيه داخل المنزل ، بالنسبة إلى جوليا يبدو الرجل في البداية مصدر الخطر، لكنها سرعان ما تواجه سلوكيات يصعب تفسيرها بالخرف وحده.

وهنا يطرح الفيلم سؤاله الأساسي :

هل نشاهد انهياراً عقلياً لامرأة مسنة، أم أن شيئاً آخر ينظر من خلف عينيها ؟

ليلة بلا مهرب

أحداث الفيلم مصممة لتبدو وكأنها تجري في لقطة واحدة متصلة وفي الزمن الحقيقي تقريباً، نتبع جوليا عبر الممرات والغرف من دون أن يمنحنا المونتاج مسافة آمنة مما يحدث ، وأوضح المخرج أن الفيلم بالنسبة إليه لا يتناول التلبس وحده، بل الذنب وكيف يمكن أن يستحوذ على الإنسان ويدمره.

وهذه الفكرة هي مفتاح الحكاية، فإيفلين تحمل ذنباً مرتبطاً بابنتها، بينما تحمل جوليا بدورها شعوراً بالذنب تجاه أمها المتوفاة، والكيان الموجود في المنزل يعرف كيف يستخدم الموتى والذكريات والندم للوصول إلى ضحاياه.

إيليم وكتاب الاستنزاف

يبدأ الفيلم بإشارة إلى كتاب غامض يدعى كتاب الاستنزاف The Book of Attrition يتحدث عن كيان يسمى  إيليم Elim ينهك ضحاياه تدريجياً حتى يتمكن من السيطرة عليهم ، لكن إيليم ليس شيطاناً معروفاً في كتب الشياطين القديمة، وكتاب الاستنزاف" نفسه ابتكار خاص بالفيلم.

وبذلك يصنع Bury the Devil أسطورته الخاصة، مستخدماً عناصر مألوفة من قصص التلبس والسحر بدلاً من استعارة شيطان معروف من التراث.

التمثال الذي كان ينبغي أن يبقى مدفوناً

مع تقدم الأحداث يتضح أن سر المنزل يرتبط  بتمثال صغير أصبح بمثابة مرساة للكيان، كانت إيفلين قد تورطت في الماضي في محاولات للاتصال بالموتى بعد فقدان ابنتها، ويبدو أن شيئاً آخر استجاب لها.

كان التمثال مدفوناً، وكان ينبغي أن يبقى كذلك ، لكن إخراجه من الأرض أعاد فتح الصلة بالكيان، ولهذا يصبح الحل الذي يسعى إليه بعض الشخصيات واضحاً: إعادة الشر إلى الأرض ودفنه من جديد ، ومن هنا يأخذ عنوان الفيلم Bury the Devil معنى حرفياً، لا مجازياً فقط.

لكن هل فكرة دفن شيء لاحتواء قوة شريرة اختراع سينمائي بالكامل ؟  ليس تماماً.

أوعية دفنت ضد الشياطين

في بلاد الرافدين خلال أواخر العصور القديمة استخدمت ما يعرف اليوم باسم أوعية التعويذات  Incantation Bowls، كانت تكتب داخلها نصوص وتعويذات، وأحياناً رسوم لكيانات مؤذية، ثم تدفن مقلوبة تحت أرضيات المنازل أو قرب مداخلها ، إقرأ المزيد في أطباق حبس الشياطين في بلاد الرافدين.

كان الغرض منها الحماية من الأرواح والقوى المؤذية، وفي بعض التفسيرات تبدو الأوعية كما لو كانت مصائد تقيد الكيان داخلها.

ولا يوجد دليل على أن صناع الفيلم استلهموا تمثال إيليم مباشرة من هذه الممارسة، لكن التشابه مثير: جسم مادي، قوة غير مرئية، ودفن في الأرض لمنع الشر من العودة.

زجاجات الساحرات

وتظهر فكرة قريبة لاحقاً في بريطانيا فيما يعرف باسم زجاجات الساحرات Witch Bottles، كانت بعض هذه الأوعية تحتوي على مسامير ودبابيس ومواد شخصية، وتدفن تحت الأرضيات أو تخفى قرب المواقد والعتبات ضمن ممارسات السحر الوقائي.

لم تكن مخصصة عادة لحبس شيطان، لكنها اعتمدت على اعتقاد مشابه: أن شيئاً مادياً مخفياً في المنزل يستطيع اعتراض قوة خفية أو صدها.

وهكذا فإن تمثال Bury the Devil ينتمي ولو على مستوى الخيال إلى تصور قديم أوسع: بعض الأشياء ليست مجرد أشياء، بل قد تصبح في المعتقد الشعبي حاويات أو حواجز أو مصائد للقوى غير المرئية.

الخرف أم التلبس ؟

اختيار امرأة مصابة بالخرف لتكون مركز قصة التلبس هو أحد أكثر عناصر الفيلم إثارة.

فقدان الذاكرة، عدم التعرف إلى الأشخاص، تغير السلوك والخلط بين الماضي والحاضر تجعل المشاهد غير قادر في البداية على معرفة أين ينتهي المرض وأين يبدأ الماورائي.

جوليا، بصفتها ممرضة، تبحث أولاً عن تفسير طبي، بينما يصل آخرون إلى المنزل وهم يحملون تفسيراً روحياً جاهزاً، لكن الفيلم يبدأ تدريجياً بسحب الاحتمالات العقلانية من تحت أقدامها.

الشيطان الذي يعيش في الندم

في النهاية يبدو إيليم أقل أهمية من الشيء الذي يسمح له بالدخول ، إيفلين لا تستطيع التخلي عن ابنتها، وجوليا لا تستطيع التخلص من شعورها بالذنب تجاه أمها. والكيان يستخدم هذه الرغبة في استعادة الموتى والندم على الماضي كسلاح، يمكن لذلك قراءة الشيطان بطريقتين في الوقت نفسه: ككيان حقيقي داخل عالم الفيلم، وكصورة للذنب الذي يرفض أن يدفن.

ولا توجد أسطورة قديمة عن شيطان يدعى إيليم يسكن تمثالاً وينتقل بين الأجساد. لكن العناصر التي صنعت منها أسطورته معروفة في ثقافات مختلفة: التلبس، الاتصال بالموتى، الأشياء السحرية المدفونة، ومحاولات حبس القوى الخفية داخل أوعية وأجسام مادية.

ولهذا لا يقدم فيلم Bury the Devil فولكلوراً قديماً بقدر ما يصنع فولكلوره الخاص من أفكار عاشت طويلاً في المخيلة البشرية.

ويبقى السؤال الذي يتركه الفيلم خلفه :

ماذا لو حفر الإنسان بحثاً عن شخص فقده… فأخرج من الأرض شيئاً كان من الأفضل أن يبقى مدفوناً ؟