تستأجر امرأة منزلاً منعزلاً، وتدخل إليه برفقة رجل غريب يحمل معرفة لا تستطيع التحقق منها، تتنازل تدريجياً عن خصوصيتها وراحتها، وتقبل أن تعيش أشهراً وفق شروطه، على أمل أن يفتح لها باباً إلى ما وراء العالم المرئي، لكن كيف تعرف أن ما ينتظرها خلف ذلك الباب يستحق الثمن ؟

بهذه الفكرة يبني فيلم A Dark Song (2016)، أو "أغنية مظلمة"، رعبه البطيء، وهو أول فيلم طويل للمخرج والكاتب ليام غايفن، ومن بطولة كاثرين ووكر وستيف أورام، يستمد العمل خصوصيته من طقس له وجود في كتب السحر الغربي، ومن سؤال إنساني مؤلم: إلى أي مدى يمكن أن يذهب شخص لا يستطيع التصالح مع الفقد؟ قراءة نقدية للفيلم في دورية الدراسات الأيرلندية

منزل مغلق ووعد مستحيل

تدور القصة حول صوفيا، امرأة تعيش تحت وطأة فقد ابنها، وتستعين برجل يدعى جوزيف سولومون لإجراء عمل باطني طويل، تأمل من خلاله بلوغ اتصال بملاكها الحارس وطلب أمر استثنائي منه.

يؤكد سولومون أن النجاح يتطلب التزاماً صارماً، وأن الأمر قد يستغرق أشهراً، ومع مرور الوقت، يتحول المنزل إلى عالم مغلق، تزداد فيه تبعية صوفيا لمعرفته المزعومة، بينما يكشف سلوكه الفظ والمتقلب عن شخصية يصعب الاطمئنان إليها.

يتولد التوتر من هذه العلاقة بقدر ما يتولد من احتمال حضور قوى خفية، هل يعرف الرجل ما يفعله حقاً ؟ وهل تخبره المرأة بكل ما يدفعها إلى التجربة ؟ يترك الفيلم هذه الأسئلة تتراكم، فيما يصبح الانتظار نفسه جزءاً من الرعب.

الأساس الحقيقي: كتاب أبراملين

يستند الفيلم إلى تقليد سحري معروف باسم عملية أبراملين Abramelin Operation، مرتبط بكتاب يروي تعاليم معلم يُدعى أبراملين نقلها إلى "أبراهام من فورمس".

وبحسب هذا التقليد، يمكن للإنسان بعد استعداد طويل بلوغ معرفة ملاكه الحارس ومحادثته، ثم تتصل هذه المعرفة، داخل منظومة الكتاب باكتساب سلطة على أرواح أخرى، ومن هنا جاء اجتماع الملاك والكيانات المخيفة في خلفية الفيلم.

الكتاب موجود بالفعل، وله مخطوطات وطبعات متعددة، لكن تفاصيله ليست ثابتة: فالنسخة الإنجليزية الشهيرة التي ترجمها ماذرز تتحدث عن ستة أشهر، بينما تتضمن مصادر ألمانية مدة تصل إلى ثمانية عشر شهراً، وهذه الخلفية تفسر اختيار الفيلم رحلة طويلة ومرهقة، يتوقف فيها كل شيء تقريباً على الصبر والالتزام، وجود الكتاب موثق؛ أما فاعلية الوعود الخارقة التي يحملها فليست حقيقة مثبتة. مراجعة أكاديمية لكتاب أبراملين

هل يعرض الفيلم الطقس كما ورد ؟

أوضح غايفن أنه أجرى أبحاثاً وأن الممثلين بحثوا في الموضوع أيضاً، لكنه قال إنه تعمد ألا يعرض الممارسة الأصلية كاملة أثناء تنفيذها؛ فكثيراً ما نرى الشخصيتين عند بداية نشاط أو بعد انتهائه.

لذلك، فإن الفيلم يستعير الإطار العام ويعيد تشكيله لخدمة الدراما، ولا يصح التعامل مع كل اختبار جسدي أو تصرف مهين أو ادعاء يصدر عن سولومون باعتباره جزءاً أصيلاً من كتاب أبراملين،  فالشخصية نفسها طرف في الصراع، وسلطتها على صوفيا من مصادر خوف الفيلم. 

صلة كراولي وبولسكين

كشف غافن أن من منابع الفكرة مشاهدته وثائقياً عن أليستر كراولي ومحاولته تنفيذ عمل أبراملين في منزل يطل على بحيرة لوخ نيس. والمقصود هو بيت بولسكين، الذي اشتراه كراولي سنة 1899 وارتبط اختياره برغبته في التفرغ لهذا المشروع الروحي السحري. حديث غافن عن مصدر الإلهام، مؤسسة بولسكين

لكن هذا الإلهام لا يجعل الفيلم إعادة تمثيل لحادثة موثقة،  فقصة صوفيا وسولومون تخييلية وإن نشأت داخل إطار مستمد من تاريخ الباطنية والأساطير التي أحاطت بالمكان.

الرعب الذي يصنعه الحزن

تكمن قوة فيلم A Dark Song في أنه يجعل الخارق متصلاً بحاجة بشرية مفهومة: الرغبة في استعادة صلة بمن رحل، أو الحصول على إجابة تعيد ترتيب الحياة بعد خسارة فادحة، ويقرأ تحليل منشور في دورية الدراسات الأيرلندية التجربة الطقسية بوصفها تعبيراً عن مسار الحزن الذي تمر به البطلة ، ودون كشف ما تنتهي إليه رحلتها، يتركنا الفيلم أمام خوف يتجاوز وجود الأرواح: أن يصبح الألم شديداً إلى درجة نمنح معها شخصاً آخر حق التحكم بنا، لمجرد أنه يعدنا بفتح باب أُغلق إلى الأبد.