في تاريخ السينما أعمال كثيرة أثارت الجدل، لكن قلة قليلة منها استطاعت أن تترك أثراً صادماً ومستفزاً كما فعل فيلم The Devils الصادر عام 1971، فهذا العمل البريطاني لم يُعرف فقط بسبب مشاهده الجنسية الصريحة والعنيفة بل لأنه تجرأ على الاقتراب من واحدة من أكثر المناطق حساسية في الثقافة الغربية: العلاقة بين الدين والسلطة والجنس.
لقد تعرض الفيلم للحظر أو المنع الجزئي في عدة دول أوروبية ذات الأغلبية الكاثوليكية، وأثار غضباً واسعاً داخل الأوساط الدينية، حتى أن بعض الجهات اعتبرته عملاً تجديفياً يهين الرموز المسيحية بشكل مباشر، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ وردت تقارير آنذاك عن تهديدات طالت بعض أبطاله ومن بينهم بطلي الفيلم : فانيسا ريدغريف وأوليفر ريد، بسبب طبيعة الفيلم الاستفزازية.
قصة حقيقية خلف الرعب
على الرغم من أن الفيلم يبدو وكأنه ينتمي إلى عالم الرعب والكوابيس، إلا أن أحداثه مستوحاة من واقعة تاريخية حقيقية معروفة باسم "شياطين لودان" التي حدثت في فرنسا خلال القرن السابع عشر ، تدور الأحداث في مدينة لودان الفرنسية عام 1631، في فترة كانت أوروبا تعيش فيها صراعات دينية دامية بين الكاثوليك والبروتستانت ، هناك يظهر الأب أوربان غراندييه وهو كاهن كاثوليكي يتمتع بشخصية قوية ونفوذ شعبي واسع داخل المدينة، لكنه في الوقت نفسه يثير استياء خصومه السياسيين بسبب مواقفه واستقلاليته.
في أحد الأديرة، تبدأ الأم الرئيسة "الأخت جان" بإظهار سلوكيات غريبة، وتدّعي أنها ترى رؤى شيطانية وأنها واقعة تحت تأثير قوى شريرة وسرعان ما تتحول هذه الادعاءات إلى موجة من الهستيريا الجماعية بين الراهبات اللواتي يزعمن أن الشياطين استولت على أجسادهن ، لكن خلف هذه المزاعم الدينية كانت هناك لعبة سياسية أكبر بكثير.
عندما تتحول العقيدة إلى سلاح سياسي
يكشف الفيلم تدريجياً أن اتهامات المس الشيطاني لم تكن سوى وسيلة للقضاء على الأب غراندييه، فقد وجد خصومه في هذه الحادثة فرصة ذهبية لتشويه سمعته وربطه بالسحر والشعوذة، تمهيداً لإزالته من المشهد السياسي والديني ، ومن هنا يدخل الفيلم إلى أكثر فصوله ظلمة، حيث تبدأ محاكم التفتيش الكاثوليكية بالتدخل، لتتحول التحقيقات إلى سلسلة من التعذيب النفسي والجسدي والاعترافات القسرية والاتهامات العبثية ، يعرض الفيلم كيف يمكن للخوف الديني والهستيريا الجماعية أن يتحولا إلى أدوات للقمع السياسي وكيف تستطيع السلطة استغلال العقائد والمقدسات لتصفية خصومها تحت غطاء "محاربة الشر".
مشاهد صدمت العالم
لم يكن سبب الجدل هو القصة وحدها، بل الطريقة التي اختار المخرج تقديمها ، يحتوي الفيلم على مشاهد اعتبرها كثيرون صادمة وغير مسبوقة في ذلك الوقت، إذ مزج بين الرموز الدينية والمشاهد الجنسية والهلاوس النفسية والطقوس الشيطانية بطريقة استفزازية للغاية، بعض هذه المشاهد جرى تصنيفها لاحقاً ضمن أكثر اللقطات إثارة للجدل في تاريخ السينما.
وقد حصل الفيلم عند عرضه على تصنيف X Rated في بريطانيا والولايات المتحدة، وهو تصنيف كان يُمنح عادة للأعمال المخصصة للبالغين فقط ، كما تعرض لعمليات قص وحذف واسعة، بينما مُنع عرضه بالكامل في بعض الدول لفترات طويلة.
لماذا أثار كل هذا الغضب ؟
رغم أن كثيرين ركزوا على المشاهد الجنسية والدينية، يرى عدد من النقاد أن جوهر الفيلم لم يكن الهجوم على الدين نفسه بل انتقاد استغلال المؤسسات الدينية لتحقيق أهداف سياسية ، فالفيلم يصور رجال الدين والسياسيين وهم يستخدمون الخوف من الشيطان والهرطقة كوسيلة للسيطرة على الناس وإسكات المعارضين، ومن هذا المنطلق اعتبره البعض عملاً سياسياً بامتياز، بينما رآه آخرون إساءة مباشرة للمسيحية والكنيسة الكاثوليكية ، هذا الانقسام الحاد جعل الفيلم مادة دائمة للجدل طوال أكثر من خمسين عاماً.
بين التحفة الفنية والعمل الصادم
عندما عُرض الفيلم لأول مرة هاجمه العديد من النقاد بشدة، لكن مع مرور الزمن بدأت النظرة إليه تتغير، فاليوم يعتبره عدد كبير من الباحثين والنقاد السينمائيين أحد أكثر الأفلام جرأةً وطموحاً في سبعينيات القرن الماضي ، وقد وُضع اسمه مراراً ضمن قوائم أكثر الأفلام إثارة للجدل في التاريخ، وأصبح عملاً "معبوداً" لدى عشاق السينما الجريئة وأفلام الرعب النفسي والتاريخي.
هل الفيلم عن الشياطين فعلاً ؟
المفارقة أن الفيلم لا يتعامل مع الشيطان بوصفه كائناً خارقاً للطبيعة بقدر ما يتعامل معه كرمز ، فالشر الحقيقي في الفيلم لا يأتي من الجحيم، بل من البشر أنفسهم: من التعصب، والهوس الديني، واستغلال السلطة، والرغبة في الانتقام ، ولهذا السبب ما زال The Devils حتى اليوم عملاً يثير القلق والانزعاج لدى المشاهدين، ليس لأنه يعرض شياطين خارقة، بل لأنه يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً:
ماذا يحدث عندما يتحول الإيمان إلى أداة للسيطرة، ويصبح الخوف أقوى من الحقيقة ؟
إرث فيلم لا يزال ممنوعاً في الذاكرة
بعد أكثر من نصف قرن على إنتاجه، ما زال The Devils يُعد من أكثر الأفلام تعرضاً للرقابة والقص وإعادة المونتاج في تاريخ السينما، وقد ساهمت محاولات منعه في زيادة شهرته وتحويله إلى أسطورة سينمائية يتناقلها عشاق الأفلام المثيرة للجدل.
إنه ليس مجرد فيلم رعب أو دراما تاريخية، بل تجربة سينمائية صادمة تكشف كيف يمكن للسلطة والدين والخوف والجنس أن تتداخل جميعها في قصة واحدة لتنتج عملاً لا يزال قادراً على إشعال النقاش حتى يومنا هذا.