في إحدى غابات ولاية نورث كارولاينا الأمريكية، توجد دائرة غريبة من التراب ظلت لأجيال جزءاً من أشهر أساطير المنطقة، لا بناء مهجور هنا ولا مقبرة قديمة بل مجرد مسار دائري من الأرض العارية تحيط به الأشجار والنباتات، بينما يبدو هو وكأن الحياة تتجنبه.

يسميه السكان موطئ الشيطان The Devil’s Tramping Ground وتقول الأسطورة إن الشيطان يظهر ليلاً ويمشي حول الدائرة جيئة وذهاباً وهو يدبر الشرور حتى إن وقع خطواته المتكرر يمنع النباتات من النمو.

قد تبدو الحكاية مجرد فولكلور محلي لكن المثير أن الدائرة موجودة فعلاً وسبب بقائها على هذه الصورة لم يُحسم تماماً حتى اليوم.

دائرة في قلب الغابة

يقع "موطئ الشيطان" قرب خور الدب Bear Creek في مقاطعة تشاتهام ويُوصف بأنه مسار عارٍ يبلغ عرضه نحو قدم،  يشكل دائرة قطرها قرابة 12 متراً،   تنمو النباتات بصورة طبيعية حولها ويوجد بعض العشب الخشن داخلها لكن المسار الدائري نفسه يبقى فقيراً بالحياة النباتية.

وهنا ينبغي التمييز بين الواقع والأسطورة؛ فالمكان ليس بالضرورة دائرة ميتة بالكامل كما تصفه بعض الروايات الحديثة، وإنما شريط دائري واضح يصعب على النباتات الاستقرار فيه ، لكن هذا المشهد البسيط كان كافياً لتنشأ حوله حكايات كثيرة.

ما يحدث بعد حلول الظلام

وفق الرواية الأشهر يعود الشيطان كل ليلة ليدور حول المكان حتى الفجر، ثم أضيفت عبر الزمن قصص أكثر غرابة: قيل إن الحيوانات وخصوصاً الكلاب تتردد في دخول الدائرة وإن الأشياء التي توضع داخلها مساءً قد تختفي أو توجد خارجها في الصباح.

وتحدث آخرون عن أصوات مجهولة أو شعور بوجود يراقب الزائر فيما تزعم روايات أكثر تطرفاً أن من ينام داخلها قد يستيقظ بعيداً عنها أو يفقد ذاكرته عما حدث أثناء الليل.

ومع انتشار ثقافة الأجسام الطائرة المجهولة ظهرت فرضية جديدة تعتبر الموقع مكاناً لهبوط مركبات غامضة، اعتماداً على قصص عن أضواء شوهدت في المنطقة، بل إن بعض الروايات الحديثة ذهبت إلى اعتبار الدائرة بوابة إلى عالم آخر أو إلى الجحيم نفسه.

لكن هذه التفاصيل تبقى في نطاق الفولكلور والشهادات المتناقلة، ولا يوجد ما يثبتها بصورة موثوقة ، أما غرابة الأرض نفسها، فلها تاريخ أقدم بكثير.

لغز يمتد لقرون

"موطئ الشيطان" ليس أسطورة حديثة صنعتها شبكة الإنترنت فقد ظهرت إشارات صحفية إلى الموقع في القرن التاسع عشر وهناك وصف منشور يعود إلى عام 1882 يشبه إلى حد كبير ما يقال عنه اليوم.

والأكثر إثارة أن سجلاً عقارياً من عام 1784 يشير إلى المنطقة باسم "أرض السم" Poison Field tract أو "الحقل المسموم"، ما يوحي بأن غرابة هذه الأرض كانت معروفة منذ أواخر القرن الثامن عشر على الأقل.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين كانت الصحف تتحدث بالفعل عن المكان بوصفه بقعة لم يتغير مظهرها منذ أكثر من قرن،  وظهرت آنذاك أيضاً حكايات عن وحش أسود ضخم يطارد الصيادين وكلابهم بعيداً عن المنطقة، وهي رواية كادت تختفي من النسخ الحديثة للأسطورة.

إذن، حتى إذا استبعدنا الشيطان والأشباح والأضواء الغامضة، تبقى أمامنا بقعة حقيقية أثارت فضول السكان منذ زمن بعيد.

هل السر في التربة ؟

كان من الطبيعي أن يبحث العلماء عن تفسير في الأرض نفسها.

إحدى أقدم الفرضيات أشارت إلى وجود تركيز مرتفع من الأملاح في التربة والملوحة المرتفعة قادرة على إعاقة امتصاص النباتات للماء ومنع كثير من الأنواع من النمو.

كما أُجريت تحاليل للتربة في أربعينيات القرن العشرين ووصفتها بأنها عقيمة، لكن الاختبارات آنذاك لم تتمكن من تحديد السبب الأصلي وراء تشكل الدائرة ، لذلك ظل الملح لفترة طويلة أحد أبرز المرشحين لحل اللغز ، لكن الفحوص الأحدث قدمت صورة مختلفة.

تربة قاسية كالإسمنت

في تحقيق أُجري عام 2025، فحص المهندس الزراعي براد تومسون عينات من داخل الدائرة وخارجها وعلى أعماق مختلفة ، ظهرت بعض الاختلافات في العناصر مثل ارتفاع الزنك والبوتاسيوم، لكنها لم تكن كافية - في رأيه - لتفسير صعوبة نمو النباتات.

ما أثار انتباهه أكثر كان شدة انضغاط التربة داخل المسار؛ فقد كانت قاسية إلى درجة شبهها بالإسمنت مقارنة بالأرض المحيطة.

وهذا عامل مهم، لأن التربة الطينية حين تصبح شديدة الانضغاط تمنع الجذور من التوغل في العمق. قد تنبت بعض النباتات، لكن جذورها تبقى سطحية، وعندما يأتي الحر والجفاف تموت سريعاً ، وهكذا ربما لا تكون الأرض «مسمومة» إطلاقاً؛ بل يصعب على النبات ببساطة اختراقها بجذوره.

لكن هذا التفسير يطرح سؤالاً جديداً:

ما الذي جعل التربة مضغوطة بهذه الدرجة، ولماذا على هيئة دائرة ؟ 

أثر بشري قديم ؟

طُرحت فرضية أن المكان شهد في الماضي نشاطاً بشرياً كثيفاً أدى مع الوقت إلى ضغط التربة ، وتوجد رواية قديمة تقول إن الموقع كان يحتوي على مطحنة لصناعة الدبس وكانت الخيول تدور حولها باستمرار فتركت وراءها المسار الدائري، إلا أن مقارنة المكان بمسارات مطاحن أخرى لم تقدم دليلاً قوياً على صحة الفكرة.

وقد يكون السبب أيضاً اختلافاً جيولوجياً محلياً في طبقات الطين أو تصريف المياه أو تركيب التربة تحت الموقع، إلا أن إثبات ذلك يتطلب دراسة أوسع وعلى أعماق مختلفة.

هل يحافظ الزوار على الدائرة ؟

تحول "موطئ الشيطان" بمرور الزمن إلى مقصد للفضوليين والباحثين عن الظواهر الخارقة، والناس يأتون تحديداً لكي يقفوا ويمشوا فوق المسار الذي يقال إن الشيطان يدور فيه.

فإذا كان ضغط التربة هو السبب المباشر في صعوبة نمو النباتات اليوم، فمن المحتمل أن يكون الزوار أنفسهم يساهمون في استمرار الظاهرة.

كل خطوة تضغط الطين أكثر، وكل زيارة تجعل استعادة النباتات للمسار أصعب.

عندها تصبح الأسطورة أشبه بنبوءة تحقق نفسها: ظهرت دائرة غريبة لسبب ما، فصنعت أسطورة؛ وجذبت الأسطورة الناس، ثم أصبح الناس بزياراتهم يحافظون على الدائرة.

وكأن الشيطان لم يعد بحاجة إلى السير حولها بنفسه.

مشكلة أخرى: المكان تغير

هناك أيضاً ما يعقد أي تحقيق حديث، فقد أظهرت بعض العينات ارتفاعاً في الزنك وربط الباحث ذلك على الأرجح بممارسات سابقة لبعض الزوار ومنها حرق إطارات السيارات أثناء التخييم وهذا يعني أن التربة التي تُفحص اليوم ليست بالضرورة مطابقة للتربة التي أثارت دهشة السكان قبل قرنين.

فالدوس والحرائق والمخلفات والتخييم عوامل ربما غيرت الموقع تدريجياً ولذلك يصبح من الصعب فصل سبب الظاهرة الأصلي عن التأثيرات التي تراكمت عليها بعد أن أصبح المكان مشهوراً.

ما هو سر الدائرة الميتة ؟

لا يوجد دليل على أن "موطئ الشيطان" بوابة إلى الجحيم أو موقع هبوط لمركبات فضائية أو موطن لقوة خفية تنقل الأشياء أثناء الليل.

لكن استبعاد الأساطير لا يعني أن كل شيء أصبح مفهوماً.

التحاليل القديمة أشارت إلى الأملاح، بينما أظهرت الفحوص الأحدث أن كيمياء التربة وحدها قد لا تكفي لتفسير الظاهرة، وأن الانضغاط الشديد للأرض ربما يلعب الدور الأهم.

وحتى إذا كان هذا صحيحاً، يبقى السؤال عن أصل ذلك الانضغاط، وكيف تشكل المسار الدائري منذ البداية ، ربما يكون الحل بسيطاً جداً: نشاط بشري قديم، وطبيعة خاصة للتربة، ثم قرون من الزيارات حافظت على الأثر ، وربما لا تزال قطعة من تاريخ المكان مفقودة.

لهذا لا تكمن غرابة "موطئ الشيطان" في حكاية الكائن الذي يقال إنه يمشي فيه ليلاً فحسب، بل في أن أسطورة عمرها قرون نشأت حول ظاهرة أرضية حقيقية ما زالت تحتفظ بجزء من سرها.

في الليل تقول الحكاية إن الشيطان يعود ليدور حول المكان حتى الفجر ، أما في النهار فالجواب الحقيقي قد يكون مختبئاً تحت أقدام الزائرين.

أسطورة ألهمت السينما

ألهمت أسطورة موطئ الشيطان أكثر من عمل رعب مستقل، من أبرزها فيلم Devils Tramping Grounds الصادر عام 2018، وتدور قصته حول مجموعة أصدقاء يقررون التخييم في الدائرة الأسطورية التي يُقال إن الشيطان يسير فيها كل ليلة، وإن من يمكث فيها حتى الصباح قد لا يعود أبداً،  كما ظهر مشروع آخر بعنوان Devil’s Circle: Legend of the Tramping Ground، وهو عمل رعب وغموض صُوّر في نورث كارولاينا واستلهم اسمه مباشرة من الأسطورة المحلية. 

بل سبق ذلك فيلم مستقل عام 2007 بعنوان The Devil’s Tramping Ground وُصف صراحة بأنه مستند إلى فولكلور نورث كارولاينا.