في نوفمبر 1910، وقفت إحدى عشرة امرأة أمام محكمة في بلدة إيشووي Eshowe الواقعة في إقليم زولولاند بجنوب أفريقيا، كانت أصغرهن في الرابعة عشرة وأكبرهن في الثلاثين، وقد وُجهت إليهن تهمة ممارسة السحر، لكن النساء أنكرن الاتهام، وأصررن على أنهن ضحايا قوة غامضة تستحوذ على أجسادهن، وتسبب لهن آلاماً جسدية ونفسية لا يستطعن التحكم بها.
كانت تلك القوة تُعرف باسم الإنديكي Indiki وهي روح يُعتقد أنها تدخل جسد الإنسان وتفرض عليه إرادتها، فتجعله يرتجف ويصرخ ويتحدث أحياناً بصوت لا يشبه صوته، بل بلغة لم يسبق له تعلمها، وفق ما جاء في بعض الشهادات التاريخية ، ويختلف الإنديكي عن التوكولوشي Tokoloshe وهو كائن أسطوري صغير يُعتقد في تراث الزولو أنه يُستدعى بواسطة السحرة لإيذاء الأحياء، خصوصاً أثناء نومهم، بينما يُنظر إلى الإنديكي بوصفه روحاً هائمة تستحوذ على جسد الإنسان، وقد تتحدث بلسانه وتتحكم في سلوكه.
لم يعرف المسؤولون الاستعماريون كيف يصنفون هذه الحالات: هل النساء يمارسن السحر بالفعل ؟ أم يتظاهرن بالاستحواذ للحصول على المال والقرابين ؟ أم أنهن يعانين اضطراباً نفسياً مجهولاً ؟
لم تكن القضية مجرد حادثة معزولة؛ فمنذ تسعينيات القرن التاسع عشر، كانت التقارير تتحدث عن انتشار حالات مشابهة بين نساء الزولو، حتى أصبح الأمر مصدر قلق للسلطات الاستعمارية والزعماء المحليين والمبشرين المسيحيين.
وبعد مرور نحو قرن، أعادت المؤرخة الجنوب أفريقية جولي بارل Julie Parle فتح هذا الملف من خلال سجلات المحاكم والمراسلات الرسمية والشهادات الإثنوغرافية، في دراسة نشرتها عام 2003 بعنوان :
«السحر أم الجنون ؟ الأمانديكي في بلاد الزولو بين عامي 1894 و1914»
1914 - 1894 Witchcraft or Madness ? The Amandiki of Zululand
لكن ما حقيقة هذه الأرواح التي قيل إنها تحدثت بألسنة الموتى ؟ ولماذا ارتبطت الظاهرة بالنساء والفتيات على وجه الخصوص ؟ وهل كانت تعبيراً عن معتقد ديني قديم، أم استجابة نفسية واجتماعية للتحولات العنيفة التي شهدتها جنوب أفريقيا آنذاك ؟
الإنديكي: روح غريبة تدخل جسد الإنسان
لفهم الإنديكي، ينبغي أولاً التعرف إلى المكانة التي تحتلها أرواح الموتى في المعتقدات التقليدية للزولو، وهم إحدى الجماعات العرقية واللغوية الكبرى في جنوب أفريقيا.
في هذه المعتقدات، لا تنتهي علاقة الإنسان بأسرته بمجرد وفاته، بل يستمر وجوده بصورة روحية ضمن عالم الأسلاف، الذين يُعرفون باسم أمادلوزي Amadlozi، ويُعتقد أن هؤلاء الأسلاف يحتفظون بصلاتهم مع الأحياء، ويمكنهم حمايتهم وإرشادهم، أو التعبير عن استيائهم عندما تُهمل الطقوس والالتزامات العائلية.
وقد تظهر مطالب الأسلاف، بحسب المعتقد، من خلال الأحلام أو الأمراض أو الحوادث غير المألوفة، ويستعين أفراد الأسرة بالمعالجين التقليديين لمعرفة سبب ما يتعرضون له واستعادة التوازن بينهم وبين عالم الأرواح.
لكن الإنديكي لم تكن مجرد روح سلف عادي يطلب الاحترام، بل ارتبطت في بعض الروايات بنوع أشد إزعاجاً من الاستحواذ الروحي.
ولا تصف المصادر التاريخية الإنديكي بوصفها مخلوقاً ذا هيئة جسدية محددة أو وحشاً يعيش في الغابات، وإنما باعتبارها روحاً تتسلط على شخص حي، وقد عُرف الأشخاص المنسوب إليهم هذا الاستحواذ باسم أمانديكي Amandiki وهي تسمية استُخدمت خصوصاً للجماعات النسائية المرتبطة بهذه الظاهرة.
ومن اللافت أن معنى الإنديكي نفسه لم يبق ثابتاً عبر الزمن؛ ففي بدايات توثيق الظاهرة كانت تُنسب إلى أرواح غرباء ماتوا بعيداً عن أوطانهم، لكنها أصبحت لاحقاً مرتبطة بأرواح رجال متوفين من أسرة المرأة نفسها.
وهذا التحول مهم، لأنه يدل على أننا لا نتعامل مع أسطورة جامدة، وإنما مع معتقد أعاد المجتمع تفسيره مع تغير ظروفه التاريخية والاجتماعية.
من أرواح المحاربين القتلى إلى أرواح تطالب بالانتقام
تربط إحدى الروايات القديمة أصل الإنديكي بصراعات وحروب شهدتها مناطق جنوب شرقي أفريقيا، ولا سيما الأراضي التي تقع اليوم ضمن موزمبيق وإسواتيني، المعروفة سابقاً باسم سوازيلاند.
ووفق رواية نقلتها السجلات الاستعمارية، تعرض بعض معالجي الشانغان Shangana للقتل خلال غارة شنها محاربون سوازيون على منطقة غازالاند Gazaland، ولم تنته القصة، بحسب الاعتقاد، بموت هؤلاء الرجال، إذ قيل إن المعالجين استطاعوا بقواهم السحرية نقل أرواحهم، وأرواح قتلى آخرين، إلى أجساد المعتدين أنفسهم.
وبذلك أصبح المحاربون يحملون داخل أجسادهم أرواح ضحاياهم، التي راحت تعذبهم جسدياً ونفسياً انتقاماً لما حدث لها، وتوسعت الفكرة لتشمل أرواح غرباء قتلوا في المعارك أو ماتوا من دون أن تُؤدى لهم الطقوس الجنائزية المناسبة، فبدلاً من الانتقال إلى عالم الموتى بصورة طبيعية، يُعتقد أن هذه الأرواح تظل مضطربة، وتبحث عن جسد حي لتفرض عليه وجودها.
وكان من الممكن إرضاء الروح، وفق بعض هذه المعتقدات، من خلال تعويض الضرر الأصلي أو أداء طقوس وقرابين تعيد إليها السكينة.
لا تتوافر أدلة تاريخية مستقلة تثبت أن واقعة الغارة المذكورة كانت بالفعل أصل معتقد الإنديكي، لكن الرواية تكشف عن تصور شديد الدلالة: الميت الذي لم يحصل على حقه في الحياة أو الموت، يعود ليطالب الأحياء بتسوية حساباته.
وهو تصور نراه بأشكال مختلفة في ثقافات عديدة، حيث تتحول المظالم والوفيات العنيفة والطقوس الجنائزية غير المكتملة إلى أسباب مفترضة لعودة الأرواح وانتقامها.
حالات غريبة تثير قلق المبشرين
تعود إحدى أهم الشهادات المكتوبة عن انتشار الإنديكي إلى 17 نوفمبر 1894، حين أرسل المبشر النرويجي نيلس أستروب Nils Astrup العامل في شمال زولولاند، رسالة إلى المسؤولين الاستعماريين يحذرهم فيها من ظاهرة وصفها بأنها مرض جديد شديد الانتشار، وكان يُطلق عليها آنذاك اسم قريب من "مانديكي" Mandike.
ووفق المعلومات التي نقلها، كان بعض المصابين يدخلون في حالات من الغضب الشديد، ويعلنون أن روح شخص متوفى قد استحوذت عليهم، وكانوا يطالبون بأطعمة غير مألوفة، من بينها لحم الكلاب، ويهددون أشخاصاً بعينهم بالأذى إن لم تتحقق مطالبهم.
وذكرت الرسالة أيضاً حالات قيل إن أصحابها اندفعوا إلى الماء وغرقوا، وأخرى بدأ فيها المصابون يتحدثون بلغات لم يكونوا يعرفونها من قبل.
أما الأهالي، فكانوا يستعينون بالمعالجين والعرافين التقليديين، وتُقام جلسات طويلة من الغناء وقرع الطبول، قد تستمر طوال الليل، في محاولة لطرد الأرواح أو تهدئتها.
وبحسب الرسالة، لم يكن الأمر محصوراً في المصاب وحده؛ فقد كان الأطفال وكبار السن يشاركون في بعض هذه التجمعات، مما جعل الظاهرة تتجاوز حدود التجربة الشخصية إلى نشاط اجتماعي وجماعي.
وتستحق مسألة الكلام بلغات مجهولة وقفة خاصة، لأنها تذكرنا بظاهرة تعرف باسم التحدث بلغات لم يتعلمها الشخص الزينوغلوسيا Xenoglossy وهي من الادعاءات المتكررة في قصص الاستحواذ الروحي والمس.
غير أن رسالة أستروب لا تقدم تسجيلات أو اختبارات لغوية تسمح بمعرفة ما إذا كان الأشخاص قد تحدثوا فعلاً بلغة أجنبية صحيحة، أم أن أصواتهم وكلماتهم غير المفهومة فُسرت على هذا النحو.
ومن ثم فإن القيمة التاريخية لهذه الشهادة تكمن في توثيق وجود الاعتقاد وانتشاره، لا في إثبات وقوع ظاهرة لغوية خارقة للطبيعة.
كيف تظهر حالة الاستحواذ ؟
تصف التقارير التي جمعتها جولي بارل سلسلة من الأعراض نُسبت إلى دخول الإنديكي جسد المرأة، قد تبدأ الحالة بالبكاء الشديد وضرب الصدر بقبضتي اليدين، ثم تظهر رجفات وتقلصات عضلية وتنميل في الأطراف والأصابع، وقد يصدر عن المصابة صوت أشبه بالزمجرة المكتومة، بينما تبدو غير مدركة لما يدور حولها، وفي الحالات الأشد، تنتهي النوبة بتشنجات أو فقدان الوعي.
وبحسب بعض الشهادات المحلية التي جُمعت في مطلع القرن العشرين، كان يُعتقد أن النوبة العنيفة الأولى تقع لحظة دخول الروح إلى الجسد، بينما يمكن أن تستمر علاقة المرأة بتلك الروح بعد انتهاء النوبة، ومن التفاصيل اللافتة أن أحد المسؤولين المحليين، في تقرير بتاريخ 4 يناير 1910، ربط تسمية أوبونديكي ubuNdiki بالفعل الزولوي dikiza، الذي يشير إلى الارتجاف والتقلصات العضلية، وإن ظل ذلك تفسيراً لغوياً تاريخياً منسوباً إلى صاحب التقرير.
وبحلول عام 1910، طرأ تحول على هوية الروح المسببة للاستحواذ؛ فلم تعد بالضرورة روح مقاتل غريب يبحث عن الانتقام، بل أصبحت في كثير من الحالات تُفسر بأنها روح أب أو أخ أو قريب متوفى، وبدلاً من المطالبة بالثأر من قاتل، كانت الروح تطالب أحد رجال الأسرة الأحياء بتقديم قربان أو أداء طقس يحرر المرأة من معاناتها.
وهنا تغير معنى الاستحواذ: فبعد أن كان تهديداً يأتي من عالم الغرباء والأعداء، أصبح اضطراباً ينشأ داخل العلاقة بين الأسرة وأسلافها.
نساء الأمانديكي: الرقص والقرابين والأصوات الرجولية
مع اتساع الاعتقاد بالإنديكي، أخذت النساء اللواتي خضن هذه التجارب يتجمعن في مجموعات خاصة، وتذكر التقارير التاريخية أن بعض تلك المجموعات كانت تضم ما بين ثماني وعشرين امرأة، ينتقلن أحياناً بين المساكن التقليدية، ويمكثن أياماً في أحدها، حيث يقمن تجمعات تصاحبها الطبول والرقص والأصوات المرتفعة.
وكانت النساء يرتدين في بعض المناسبات ملابس مصنوعة من مناديل حمراء، بينما تستمر الطقوس حتى ساعات متأخرة من الليل، ولم يكن الرقص مجرد احتفال؛ إذ ارتبط بطقوس اعتُبرت وسيلة للتعامل مع الروح المستحوذة، وكان يُطلب من أقارب المرأة تقديم الهدايا أو ذبح حيوان، غالباً ماعز، لإرضاء الروح وإخراجها، كما استُخدمت مستحضرات علاجية تقليدية، من بينها أدوية كانت تُعطى أحياناً عن طريق الأذن، وأخرى مخصصة لإحداث القيء.
لكن الأمانديكي لم يكنّ مماثلات تماماً للعرافات والمعالجات التقليديات؛ فقد ادعين امتلاك معرفة خاصة بعلاج الاستحواذ بالإنديكي، من دون الادعاء بالضرورة أن لديهن القدرة على تشخيص بقية الأمراض أو التنبؤ بالغيب.
وبمرور الوقت، أصبحت بعض الجماعات تتقاضى مبالغ مالية مقابل العلاج، كما نقلت المصادر اتهامات بقيام بعضهن بتهديد من يرفض دفع المال أو تقديم القرابين بأنه قد يصبح بدوره من الأمانديكي، ومن هنا بدأ الصدام مع العائلات والزعماء المحليين والسلطات.
فمن ناحية، كانت النساء يقلن إنهن يعانين حالة لا إرادية تستدعي العلاج، ومن ناحية أخرى، اتهم بعض أفراد المجتمع تلك الجماعات بتعطيل العمل واستنزاف موارد الأسر وممارسة تأثير غير مشروع على الآخرين.
ولم يكن الاعتراض صادراً عن الأوروبيين وحدهم، بل أظهرت السجلات أن بعض كبار السن وزعماء الزولو أنفسهم كانوا ينظرون إلى الإنديكي بوصفها ظاهرة مستحدثة وغير مرغوبة، وليست تقليداً راسخاً يجب الحفاظ عليه.
الاستحواذ الذي يمنح المرأة صوت رجل
تكمن إحدى أكثر خصائص الإنديكي إثارة في التغيير الذي كان يُنسب إلى شخصية المرأة أثناء الاستحواذ، فقد لاحظت بعض المصادر أن نساء الأمانديكي يتحدثن أحياناً بأصوات رجولية عميقة، ويتصرفن بجرأة لا تتناسب مع الدور الاجتماعي المتوقع منهن في حياتهن اليومية ،وكانت المرأة، حين يُعتقد أن روح رجل متوفى تتكلم من خلالها، تستطيع أن تطالب أقاربها بالمال والقرابين، بل وأن تُظهر غضبها تجاه بعض الأشخاص من دون أن تُعامل تصرفاتها دائماً باعتبارها أفعالاً نابعة من إرادتها الشخصية.
فالذي يتحدث، وفق المعتقد، ليس المرأة وإنما الروح التي تسيطر عليها، وهذا يفتح الباب أمام تفسير أنثروبولوجي مهم: هل أصبحت الروح الرجولية وسيلة تستطيع من خلالها المرأة التعبير عن رغبات أو اعتراضات لم يكن المجتمع يسمح لها بالإفصاح عنها مباشرة ؟
تطرح دراسات الاستحواذ الروحي في مجتمعات مختلفة احتمال أن تعمل هذه الحالات بوصفها لغة رمزية للتعبير عن الضيق أو الاحتجاج، خاصة لدى الفئات التي تملك سلطة اجتماعية محدودة.
غير أن هذا التفسير لا يعني أن النساء كن يتظاهرن بالاستحواذ عمداً؛ فقد تعيش المرأة تجربة نفسية وجسدية حقيقية، بينما يتشكل تفسيرها وأسلوب التعبير عنها ضمن المعتقدات المتاحة في ثقافتها.
ولذلك ينبغي التمييز بين التجربة التي تعيشها المرأة، والتفسير الذي يمنحه المجتمع لهذه التجربة، والدور الاجتماعي الذي قد ينشأ عنها.
محاكمة إيشووي: هل هو سحر أم مرض ؟
بلغ الصراع حول الإنديكي ذروته في 24 نوفمبر 1910، عندما مثلت إحدى عشرة امرأة أمام قاضي إيشووي في القضية المعروفة باسم "التاج ضد نوملينزي وعشر أخريات" Rex vs Nomlenze and Ten Others ، كانت النساء متهمات بممارسة السحر بموجب القوانين السارية في زولولاند، لكنهن اعترفن فقط بانتمائهن إلى الأمانديكي، وأكدن أن ما يعانينه مرض ناتج عن قوة روحية لا يستطعن مقاومتها.
وبحسب محاضر القضية التي اطلعت عليها جولي بارل، كانت إحدى المتهمات، وتدعى نونهلانهلا Nonhlanhla، تبلغ الرابعة عشرة. وقد تضمنت شهادات المتهمات إشارات إلى حضورهن تجمعاً في أحد المساكن وشرب الجعة التقليدية، مع نفي ارتكاب أفعال أخرى.
وجد القاضي نفسه أمام مشكلة قانونية: إذا كانت النساء يتعمدن ممارسة السحر أو خداع الآخرين للحصول على المال، فقد يكون من الممكن إدانتهن، أما إذا كن يعانين اضطراباً يجعلهن غير قادرات على التحكم بسلوكهن، فهل يصح تحميلهن المسؤولية الجنائية نفسها ؟
انتقلت القضية بين المسؤولين حتى وصلت إلى المدعي العام في ناتال، جيه. إم. بيرد J. M. Bird الذي ناقش احتمال أن تكون النساء يعانين حالة نفسية لا إرادية، وفي هذه الحالة لا يصح اعتبار أفعالهن جرائم متعمدة لمجرد غرابتها، وانتهت تلك القضية بالإفراج عن النساء بعد توجيه تحذير شديد إليهن.
لكن هذا لم يكن نهاية الملاحقات؛ ففي عامي 1911 و1912، مثلت نساء أخريات أمام محكمة إيشووي، وصدر بحق بعضهن أحكام شملت غرامات مالية وأعمالاً شاقة وصلت إلى ثلاثة أشهر.
وفي يناير 1914، كانت الشكاوى من استمرار الظاهرة لا تزال تصل إلى المسؤولين، رغم محاولات منع التجمعات والطقوس، وتكشف هذه الأحداث عن جانب لا يقل غرابة عن المعتقد نفسه: فقد اضطر القضاء الاستعماري إلى التعامل مع سؤال فلسفي وطبي معقد يتعلق بحرية الإرادة والمسؤولية عن الأفعال التي ينسبها الإنسان إلى قوة خارجة عن سيطرته.
ولم يكن القضاء، ولا الأطباء آنذاك، يملكون إجابة موحدة.
لماذا كانت النساء والفتيات الأكثر ارتباطاً بالإنديكي ؟
من الملاحظ أن الإنديكي لم تكن في بداياتها حكراً على النساء؛ فقد أشارت بعض المصادر إلى إصابة الرجال أيضاً، لكن ارتباط الظاهرة بالنساء أصبح شبه حصري بحلول مطلع القرن العشرين.
فلماذا حدث ذلك ؟
يرى بعض الباحثين أن الإجابة قد تكمن في التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها مجتمعات جنوب أفريقيا خلال تلك الفترة، فقد ساهم الاستعمار وفرض الضرائب واتساع الاقتصاد النقدي وانتقال الرجال إلى العمل في المناجم والمراكز الحضرية في تغيير بنية الأسرة التقليدية ، وجدت نساء كثيرات أنفسهن يتحملن مسؤوليات زراعية ومنزلية متزايدة، بينما بقيت سلطتهن على القرارات والموارد محدودة، وفي الوقت نفسه، تزايدت التوترات بين الأجيال وبين الرجال والنساء بشأن العمل والزواج والطاعة والتحكم في الموارد.
وفي تفسير المؤرخ باتريك هاريس Patrick Harries، أمكن لبعض أشكال الاستحواذ الروحي أن تتحول إلى قناة رمزية للتعبير عن التوترات النفسية والاجتماعية التي لا يسهل التعبير عنها بصورة مباشرة.
أما جولي بارل فتلفت الانتباه إلى أن ظهور الأمانديكي في مجموعات نسائية، وتوليهن جانباً من مسؤولية العلاج، وطلبهن المال والقرابين، قد يكون منحهن مجالاً محدوداً للنفوذ خارج الأدوار التي رسمتها لهن سلطة الرجال الأكبر سناً.
ومع ذلك، فإن دراسة بارل لا تختزل الظاهرة في احتجاج نسائي مقصود، بل تنظر إليها بوصفها نتيجة معقدة لتداخل المعاناة النفسية والمعتقدات الدينية وتغير أنظمة العلاج والعلاقات الاجتماعية.
وتستحق الأعمار هنا اهتماماً خاصاً؛ فوجود فتاة في الرابعة عشرة بين المتهمات، إلى جانب نساء حتى سن الثلاثين، يوضح أن الظاهرة شملت المراهقات والشابات، لكنها لم تقتصر على سن المراهقة.
وهذا يثير سؤالاً أوسع يتكرر في تاريخ قصص المس والاستحواذ، بل وحتى بعض روايات الأشباح الضاجة أو البولترغايست Poltergeist : لماذا تحضر الفتيات والمراهقات بكثرة في أنواع معينة من الروايات الخارقة ؟
قد يكون جزء من الإجابة مرتبطاً بتغيرات هذه المرحلة العمرية والضغوط العائلية والمدرسية والاجتماعية، بالإضافة إلى التوقعات الثقافية التي تحدد طريقة التعبير عن المعاناة. لكن لا يوجد سبب واحد مثبت يفسر جميع الحالات، ولا يصح تحويل تكرار هذا النمط في بعض السجلات إلى قاعدة عامة عن الفتيات.
بين الإنديكي ونداء الأسلاف
من المهم هنا عدم الخلط بين الاستحواذ بالإنديكي وبين التجربة الروحية المعروفة عند الزولو باسم أوكثواسا Ukuthwasa المرتبطة بنداء الأسلاف لاختيار شخص ليصبح معالجاً أو عرافاً تقليدياً.
ففي معتقدات الزولو، قد يشعر الشخص المختار بأمراض وأحلام واضطرابات أو تجارب غير مألوفة، تُفسر أحياناً بأنها إشارات من الأسلاف تدعوه إلى تلقي التدريب والقيام بدور روحي داخل المجتمع.
ويُعرف المعالج أو العراف باسم إيسانغوما Isangoma، وجمعه إيزانغوما Izangoma، أما المعالج الذي يركز على المستحضرات الطبية التقليدية والأعشاب فيُعرف باسم إينيانغا Inyanga.
وتكمن الفوارق في أن نداء الأسلاف المؤدي إلى أن يصبح الشخص إيسانغوما يمكن أن ينتهي باعتراف المجتمع بمكانته الروحية ومهاراته العلاجية، بينما اعتُبرت الإنديكي في السجلات التاريخية تجربة مؤلمة ومزعجة، لا تمنح المصابة بالضرورة مكانة محترمة أو دوراً دائماً في المجتمع.
ومع ذلك، فإن الحدود بين هذه المعتقدات لم تكن دائماً واضحة وثابتة، وقد اختلف الباحثون بشأن العلاقة بينها.
فهل يمكن أن تبدأ التجربة باعتبارها مرضاً روحياً، ثم تتحول إلى مصدر للمعرفة أو السلطة ؟ أم أن المجتمع هو الذي يحدد ما إذا كان الشخص وسيطاً روحياً محترماً أو ضحية استحواذ خطير ؟
هذا التمييز يكشف عن حقيقة مهمة: ليست كل تجارب التواصل مع الأرواح في الثقافة نفسها متساوية في معناها، فقد تُفسر إحداها بوصفها نعمة، وأخرى بوصفها ابتلاء.
عودة مشهد الاستحواذ الجماعي إلى المدارس
بعد عقود طويلة من محاكمات الأمانديكي، شهدت جنوب أفريقيا حادثة أعادت إلى الأذهان بعض المظاهر التي وصفتها السجلات القديمة.
ففي أواخر مايو 1999، ظهرت حالات غير مألوفة بين طالبات كلية سانت جون St John's College في أومتاتا، المعروفة حالياً باسم مثاثا Mthatha، في مقاطعة الكيب الشرقية.
بدأت بعض الطالبات بالصراخ والارتجاف والسقوط أرضاً، بينما بدت أخريات كأنهن فقدن السيطرة على حركاتهن.
وتجاوز عدد الطالبات المشاركات في الحادثة المئة، الأمر الذي دفع إدارة المدرسة إلى الاستعانة برجل الدين الأنجليكاني إبينيزر نتلالي Ebenezer Ntlali، الذي أجرى طقوساً دينية اعتقاداً بأن أرواحاً شريرة تسببت في الحالة.
وذكرت صحيفة Mail & Guardian في تقرير نشرته بتاريخ 31 مايو 1999 أن 32 طالبة نُقلن إلى المستشفى بعد الطقوس، وأن بعضهن تلقين مهدئات أو خضعن للمراقبة الطبية.
ومن المثير أن الظاهرة أصابت الفتيات، ولم تُسجل إصابات مماثلة بين طلاب المدرسة الذكور في التقارير التي تناولتها بارل، وقد ربطت بعض التفسيرات الإعلامية والأكاديمية الواقعة بالضغوط النفسية المرتبطة بالامتحانات والتغيرات الاجتماعية، بينما نظر إليها آخرون من خلال معتقدات الاستحواذ الروحي المحلية.
لكن من الضروري التأكيد أن حادثة سانت جون لم توثق بوصفها عودة مثبتة للإنديكي نفسها؛ إذ ارتبط تفسيرها الثقافي في بعض الدراسات بمعتقد آخر يُعرف باسم "أمافوفونيانا" Amafufunyana وهو أحد أنماط الاستحواذ المعروفة في جنوب أفريقيا، والتشابه بين الحادثتين يكمن في المظاهر المنسوبة إلى الاستحواذ وانتشارها بين الفتيات، وليس في إثبات أن الروح أو المعتقد المسبب لهما واحد.
ماذا يقول الطب النفسي الحديث ؟
إذا وضعنا التفسير الروحي جانباً، فإن كثيراً من الأعراض المنسوبة إلى الإنديكي، مثل تغير الإحساس بالهوية، وفقدان السيطرة على الحركة أو الكلام، والدخول في حالات غشية، يمكن مناقشتها ضمن اضطرابات نفسية وعصبية مختلفة.
ومن المفاهيم ذات الصلة ما يعرف باسم اضطراب غشية الاستحواذ Possession Trance Disorder، المدرج تحت الرمز 6B63 في التصنيف الدولي للأمراض ICD-11 الصادر عن منظمة الصحة العالمية.
وفي هذا الاضطراب، يمر الشخص بحالات يتغير فيها وعيه وإحساسه المعتاد بهويته، ويشعر بأن كياناً خارجياً حل محله وأصبح يتحكم في سلوكه أو حركاته.
ولا يعني ذلك أن الطب يقر بوجود ذلك الكيان، بل إنه يصف طبيعة التجربة التي يشعر بها المصاب، ولا يُشخَّص الاضطراب لمجرد المشاركة في طقس ديني أو ثقافي يتضمن الغشية؛ إذ يتطلب أن تكون الحالة غير إرادية وغير مرغوبة، وألا تكون ممارسة جماعية مقبولة في سياقها الثقافي، وأن تسبب معاناة أو خللاً واضحاً في حياة الشخص، مع استبعاد التفسيرات الطبية والنفسية الأخرى.
أما انتشار أعراض متشابهة بين مجموعة من الأشخاص، فيمكن دراسته أحياناً ضمن ما يسمى المرض النفسي الجماعي Mass Psychogenic Illness، حيث تظهر أعراض حقيقية لدى أفراد تجمعهم بيئة مشتركة، وقد تساهم الضغوط والخوف والملاحظة المتبادلة والشائعات في انتشارها.
ولا يعني وصف الظاهرة بأنها نفسية أن المصابين يتعمدون التمثيل أو الخداع؛ فالأعراض قد تكون مزعجة وحقيقية، حتى في غياب سبب عضوي واضح.
وقد خلصت مراجعة منهجية حديثة شملت 19 دراسة عن تفشيات المرض النفسي الجماعي في المدارس إلى وجود عوامل متكررة، بينها الضغوط النفسية والشائعات والقلق الجماعي والتصورات السلبية عن السلطات والتقارب بين الأشخاص والشعور بوجود تهديد.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من إسقاط التشخيصات المعاصرة على نساء عشن قبل أكثر من قرن؛ فالسجلات الاستعمارية لا تقدم فحوصاً سريرية تفصيلية تسمح بتحديد اضطراب بعينه، كما أن بعض أوصافها تأثرت بالأحكام المسبقة عن النساء والأفارقة.
فكلمة «الهستيريا» التي استخدمها المسؤولون والأطباء آنذاك كانت محملة بمفاهيم طبية واجتماعية تختلف كثيراً عن التصنيفات النفسية الحديثة.
ولذلك يظل من الأدق الحديث عن احتمالات تفسيرية، لا عن تشخيص مؤكد لكل من وُصفت بأنها مستحوذ عليها بالإنديكي.
هل كانت الإنديكي مجرد وهم جماعي ؟
يبقى السؤال الأساسي: هل حدثت ظاهرة خارقة بالفعل، أم أن ما جرى يمكن تفسيره بالكامل بالعوامل النفسية والاجتماعية ؟
من الناحية التاريخية، توجد أدلة على انتشار الاعتقاد بالإنديكي وعلى ممارسة طقوس مرتبطة به، كما توجد سجلات قضائية توثق محاكمة نساء نُسبت إليهن هذه التجارب ، لكن وجود هذه الوثائق لا يثبت أن أرواح الموتى كانت تدخل أجساد النساء، أو أن إحداهن تحدثت بلغة أجنبية لم تتعلمها فعلاً.
وفي المقابل، لا ينبغي اعتبار جميع التجارب مختلقة لمجرد أن تفسير أصحابها لها كان روحياً؛ فقد تعاني المرأة اضطراباً حقيقياً في الوعي أو الحركة أو الانفعال، وتفهم ما يحدث لها من خلال الموروث الثقافي الذي نشأت عليه.
والأرجح أن ملف الأمانديكي التاريخي لا يمكن اختزاله في سبب واحد، فهناك اختلاف بين امرأة تعرضت لنوبة غير إرادية، وأخرى انضمت إلى جماعة طقسية طلباً للعلاج أو الانتماء، وثالثة ربما استفادت من السلطة التي يمنحها لها اعتقاد الآخرين بأن روحاً تتحدث من خلالها.
كما أن بعض الطقوس التي عُدت وسائل علاج قد تتحول إلى مصدر ضغط نفسي أو عبء مالي، وهو ما يفسر جانباً من اعتراض المجتمع عليها.
وتشير هذه التعقيدات إلى أن الظاهرة كانت تقع عند تقاطع عدة عوالم: المعتقد الديني، والعلاقات الأسرية، والصراع الاجتماعي، والممارسات العلاجية، ومحاولات الدولة الاستعمارية فرض تعريفاتها الخاصة للصحة والمرض والسحر.
أرواح الموتى أم أصوات الأحياء ؟
لا تبدو قصة الإنديكي، في جوهرها، مجرد حكاية عن روح غاضبة تسكن جسد امرأة، إنها أيضاً قصة مجتمع عاش تحولات عميقة، حاول خلالها أن يفسر الألم والخوف والاضطراب النفسي باستدعاء عالم الأسلاف والموتى.
فحين كانت المرأة ترتجف أو تصرخ أو تتحدث بصوت رجولي غريب، كان بعض المحيطين بها يسمعون صوت روح تطالب بالقرابين، بينما كان آخرون يرون امرأة مريضة، أو شخصاً يمارس السحر، أو عضواً في جماعة تهدد النظام الاجتماعي.
وكل تفسير من هذه التفسيرات كان يقود إلى مصير مختلف: العلاج أو الطرد أو الاحترام أو العقاب.
وتمنحنا سجلات الأمانديكي فرصة نادرة لرؤية كيف يمكن لتجربة شخصية غامضة أن تتحول إلى حركة جماعية، ثم إلى قضية تشغل القضاء والأطباء والزعماء الدينيين.
أما اللغز الذي يستحق التأمل، فلا يقتصر على ما إذا كانت أرواح الموتى قد استحوذت فعلاً على أولئك النساء، بل يمتد إلى سؤال آخر:
لماذا اختارت المعتقدات الاجتماعية أن تمنح بعض النساء صوتاً مسموعاً فقط عندما اعتُقد أن رجلاً ميتاً هو الذي يتحدث من خلالهن ؟
ربما لم تكن الإجابة في عالم الموتى وحده، بل في عالم الأحياء أيضاً؛ في المخاوف التي لا يستطيع أصحابها البوح بها، والصراعات التي تبحث عن لغة، والألم الذي يجد في المعتقدات الروحية تفسيراً ومعنى.
وبين التفسير الخارق والتفسير النفسي والاجتماعي، تبقى الإنديكي مثالاً على قدرة الإنسان على تحويل تجاربه الأكثر غرابة إلى منظومة من القصص والطقوس والمعتقدات، تتغير عبر الأجيال، لكنها تواصل طرح السؤال القديم نفسه:
من الذي يتكلم حقاً عندما يشعر الإنسان أن صوته لم يعد صوته ؟