امرأة تحمل أغصاناً مورقة وتتمتم بالصلوات، وأخرى تنتظر أن يزول عنها أذى لا تستطيع رؤيته، في هذا المشهد المألوف لدى بعض المجتمعات اللاتينية، لا تُستخدم النباتات لعلاج الجسد وحده بل لمواجهة ما يُعتقد أنه عين أو تعويذة أو اضطراب أصاب الروح، وقد تأتي الزائرة بحثاً عن راحة من مرض وقد تحمل سؤالاً أكثر إيلاماً: هل تركني زوجي بإرادته، أم أن امرأة أخرى سحرته ؟
خلف هذه الممارسات يقف عالم الكورانديراس Curanderas، المعالجات الشعبيات اللواتي تتقاطع في عملهن الأعشاب والصلاة والموروثات الروحية، بعضهن يرفضن وصف "الساحرة" رفضاً قاطعاً؛ فهنّ، بحسب اعتقادهن، يعالجن ما يفسده السحر ولا يمارسنه لإيذاء الآخرين، لكن الحدود بين التداوي والعرافة والسحر المضاد ليست واضحة دائماً، وهو ما يجعل هذا التقليد نافذة على علاقة الإنسان بالخوف والإيمان والمجهول.
معالجات شعبيات لا طائفة دينية
الكورانديراس ليست اسم عقيدة مستقلة أو جماعة ذات تعاليم موحدة، بل جمع الكلمة الإسبانية كورانديرا Curandera، أي "المعالِجة الشعبية" بينما يسمى الرجل كورانديرو Curandero، أما التقليد الذي يمارسونه فيُعرف باسم كورانديريسمو Curanderismo ويمكن وصفه بالتداوي الشعبي ذي الأبعاد الجسدية والنفسية والروحية.
ولا تختزل هذه الممارسة في النساء أو في طقوس إزالة السحر، فقد يكون المعالج متخصصاً في الأعشاب أو التدليك أو القبالة، وقد يجمع بين وسائل علاجية موروثة والإنصات إلى مشكلات الناس وتقديم المشورة، ويشمل هذا التقليد مجتمعات متعددة في أميركا اللاتينية وله حضور معروف بين ذوي الأصول المكسيكية في الولايات المتحدة ومنها مجتمعات تكساس الحدودية.
تكوّن هذا العالم عبر تداخل موروثات السكان الأصليين مع الطب الشعبي القادم من إسبانيا وعناصر من التدين الكاثوليكي، مع اختلاف التأثيرات بين منطقة وأخرى، لذلك لا يبدو غريباً أن تجتمع النباتات والصلوات وصور القديسين في مكان واحد، أو أن تتعامل المعالجة مع الجسد والروح بوصفهما جانبين متصلين من معاناة الإنسان، هذا التنوع يجعل الحديث عن "طقس الكورانديراس" بصيغة واحدة تبسيطاً لتقاليد تتغير باختلاف المجتمع والعائلة والممارس.
حين يُفسَّر الألم بقوى خفية
في الجانب الروحي من هذا الموروث، قد تُنسب بعض المعاناة إلى أسباب تتجاوز المرض العضوي، ومن أشهر تلك المفاهيم "العين الشريرة" Mal de Ojo أي الحسد ، والفزع Susto الذي يُفسَّر شعبياً بفقدان الروح أو ابتعادها إثر خوف شديد، أما أذى العمل السحري Mal Puesto فيشير إلى أذى يُعتقد أن شخصاً تعمد إيقاعه بالسحر.
هذه ليست تشخيصات طبية مثبتة لأسباب خارقة بل تفسيرات ثقافية يمنح بها الناس معنى لما يمرون به، وتبرز أهميتها عندما يطول المرض أو تتوالى المصائب؛ إذ قد يصبح السؤال لدى المصاب ليس "ما الذي يحدث لجسدي ؟" فحسب وإنما "من الذي تسبب لي بهذا ؟".
في مثل هذا التصور تُستدعى المعالجة باعتبارها قادرة على فهم ما لا يراه الآخرون، ويُنسب إلى بعض المعالجين امتلاك "موهبة من الله" Don de Dios والتي تتطور عبر التلمذة أو بارتباطها بتجربة روحية، وقد يعتقدون أن مهمتهم ليست فرض الشفاء بقوتهم الشخصية وإنما مساعدة المريض بالإيمان والمعرفة الموروثة، هذه أوصاف لمعتقدات الممارسين، لا إثبات لامتلاكهم قدرات خارقة.
جلسة الليمبيا
تعد جلسة Limpia أي "التطهير" من أكثر الصور تعبيراً عن الجانب الروحي للكورانديريسمو، والمقصود هنا ليس تنظيف الجلد بل إزالة ما يعتقد الممارس أنه عبء أو تأثير مؤذٍ يعكر حياة الشخص.
تختلف الجلسات بحسب التقليد؛ فقد تتضمن نباتات أو بيضة أو ماءً أو دخاناً، إلى جانب الصلاة والإيماءات الرمزية، وتُستخدم الأغصان في بعض الصور لتمثيل إبعاد الأذى عن الجسد، بينما تظهر الرموز الكاثوليكية في تقاليد أخرى باعتبارها وسائل لطلب الحماية، وليس ضرورياً أن يصاحب التطهير قراءة تاروت، كما أن استخدام البطاقات لدى معالجة بعينها لا يجعلها ركناً مشتركاً لدى جميع المعالجين.
وتصف المصادر هذه الممارسات بوصفها طقوساً ثقافية وروحية متنوعة، لا إجراءات ثبت أنها تستخرج سحراً من الإنسان، لكن قوة الطقس في نظر المؤمن به تكمن في تحويل المعاناة غير المرئية إلى مشهد يمكن متابعته: هناك أذى له اسم وشخص يتعامل معه وحركة توحي بأنه يغادر وما كان قلقاً مبعثراً يصبح تجربة ذات بداية ونهاية.
ابنة تراقب عالم والدتها
تكشف شهادة شخصية من وادي ريو غراندي بجنوب تكساس كيف يمكن أن يعيش الإيمان بهذه الممارسات والشك فيها تحت سقف واحد، وردت الشهادة رداً على سؤال عن إمكان تدمير علاقة الحبيب السابق بواسطة تعويذة انتقام، تقول صاحبة الرواية إنها نشأت في أسرة لاتينية شديدة التعلق بالمعتقدات الشعبية، توارثت عبر أجيال قراءة التاروت وجلسات التطهير، وكانت تعرف تلك الجلسات من المشاهدة المباشرة داخل منزلها، حيث تُتلى الصلوات وتُمرر أغصان مورقة على الجسد بحركات تتخذ هيئة الصليب، اعتقاداً بأنها تزيل السحر المؤذي.
وكانت والدتها تستقبل نساء يطلبن المشورة وتقرأ لهن بطاقات التاروت بحثاً عما يعتقدن أنه إشارات إلى تعرضهن للسحر، وتذكر الراوية أيضاً حضور التمائم ومساحيق التطهير ضمن هذا العالم.
اللافت أن معظم الزائرات، بحسب شهادتها، لم يأتين بقصة عن شبح أو كيان غريب، بل بمشكلات زوجية مألوفة، أردن معرفة كيف يعُدن بأزواجهن إلى البيت أو طلبن تعويذة تؤذي المرأة الأخرى، وهنا كانت الأم ترسم حدودها: ترفض ما تعتبره سحراً أسود وتختار الصلاة وطلب الحماية من الله.
أما الابنة فلم ترث القناعة نفسها، تقول إن قراءة التاروت كانت تبدو لها مضحكة، حتى إن والدتها كانت تطردها من الغرفة أثناء الجلسات، ومع ذلك لم تنفِ صدق إيمان أمها، بل ميزت بين إخلاصها فيما تفعل وبين اعتقاد الابنة بأن التعويذات لا تستطيع إعادة حبيب أو التحكم في إرادته.
هذه الرواية لا تحكي عن تعويذة ثبت نجاحها وإنما عن بيت يجتمع فيه الإيمان والشك، وعن أشخاص يحملون آلامهم العاطفية إلى عالم التفسير الروحي.
بين المعالِجة والساحرة
في بعض التصورات الشعبية تقف الكورانديرا في الجهة المقابلة لـ "الساحرة" أي بروجا Bruja بينما تسمى ممارسة السحر بروجيريا Brujería ، والمعالجة في هذا التقابل تحمي وتزيل الأذى، في حين تُتهم الساحرة بإحداثه.
غير أن هذا الحد الأخلاقي لا يبقى بسيطاً في جميع الروايات، فبعض صور العلاج تتضمن عرافة أو محاولة لتحديد مصدر التعويذة، وقد يصل الأمر إلى ما يمكن وصفه بالسحر المضاد، ولهذا لا تكفي الأسماء وحدها لفهم الممارسة؛ فالمعالج الذي يراه أتباعه صاحب موهبة حميدة قد يراه آخرون ممارساً للشعوذة.
وتجسد والدة الراوية تمييزاً شخصياً داخل هذا العالم: كانت تؤمن بالتاروت والتطهير، لكنها ترفض الانتقام السحري، لا يجعل موقفها ممثلة لجميع الكورانديراس، لكنه يوضح أن المشاركين في هذه التقاليد قد يضعون حدوداً أخلاقية بين الحماية والإيذاء، حتى عندما يشتركون في الإيمان بقوى غير مرئية.
وقد يجد القارئ العربي تشابهاً ظاهرياً مع بعض ممارسات العلاج الشعبي المرتبطة بالعين والسحر والدعاء، لكن تشابه المخاوف لا يعني تطابق العقائد؛ فالتاروت والرموز الكاثوليكية والموروثات المحلية الواردة هنا تنتمي إلى سياق مختلف.
عندما يصبح الفقد العاطفي تعويذة
تسمح الشهادة بقراءة جانب آخر من الموضوع: لماذا كان استرجاع الزوج وإيذاء "المنافسة العاطفية" من أكثر الطلبات حضوراً ؟
أحد التفسيرات الممكنة أن إرجاع الانفصال إلى سبب السحر تمنح الخسارة سبباً خارجياً واضحاً، فبدلاً من مواجهة احتمال تغير المشاعر أو تعقد العلاقة، يصبح هناك شخص آخر يُعتقد أنه تدخل بقوة خفية، وقد يحمل هذا التفسير وعداً مريحاً: إذا كانت المشكلة تعويذة، فإن إبطالها سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه.
لكن الراحة قد تتحول إلى عبء، فالاشتباه في منافسة عاطفية يمكن أن يتصاعد إلى اتهام وعداء، والبحث عن حل قد يصبح سلسلة من الوعود المدفوعة.
ومن المهم هنا ألا يُختزل كل معالج شعبي في صورة المحتال، مثلما لا ينبغي اعتبار صدق إيمانه دليلاً على صحة تفسيره، فالإنسان قد يكون مخلصاً في اعتقاده ومخطئاً في الوقت نفسه، كما قد يشعر طالب المساعدة بالراحة من دون أن تكون تعويذة قد تم إبطالها بالفعل.
ما الذي يبقى بعد انتهاء الطقس ؟
تبحث الدراسات في الكورانديريسمو باعتباره ممارسة ذات أبعاد ثقافية واجتماعية، لا مجرد مجموعة من المزاعم الخارقة، فالمعالج قد يكون شخصاً مألوفاً للمجتمع، يفهم لغته ومخاوفه، ويمنح من يقصده وقتاً للحديث وشعوراً بأنه مفهوم.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم بعض الارتياح الذي يصفه المشاركون بوصفه استجابة محتملة للاهتمام والطمأنينة والتوقع، من دون القفز إلى استنتاج أن قوة خفية غادرت الجسد، وهذا تفسير محتمل لبعض التجارب، وليس حكماً يختزل جميع أشكال العلاج الشعبي أو يثبت فاعلية كل ما يُستخدم فيه.
كذلك لا ينبغي الخلط بين دراسة الأعشاب وتأثيراتها وبين إثبات السحر؛ فكل ادعاء يحتاج إلى دليله الخاص، وتظل المشكلة قائمة عندما يتحول الاعتقاد إلى بديل عن الفحص الطبي، أو إلى اتهام للآخرين، أو إلى اعتماد دائم على شخص يعد بإزالة خطر لا يمكن التحقق من وجوده.
في نهاية المطاف، تكشف الكورانديراس عن عالم لا تنفصل فيه أوجاع الجسد عن أزمات الحياة وأسئلة الإيمان، وبين الأغصان والصلاة وبطاقات التاروت لا نجد دليلاً على هزيمة سحر بل نساء يحاولن فهم ما أصابهن.
وربما يكون أكثر ما يستحق التأمل هو ذلك الفارق: يمكن للطقس أن يمنح شعوراً حقيقياً بالأمان، من دون أن يجعل تفسيره الخارق حقيقة مثبتة.