في عام 1907، داخل كنيسة صغيرة بإرسالية القديس ميخائيل في جنوب أفريقيا، وقف الأسقف هنري ديلال أمام فتاة مراهقة أثارت حالتها الذعر بين الراهبات والكهنة، كان قد سمع أنها تتحدث بلغات لم تتعلمها، وتكشف أسرار الآخرين، وترتفع عن الأرض بصورة تخالف الطبيعة، لكنه لم يكن مقتنعاً بأن شيطاناً قد استولى على جسدها، فقرر إجراء اختبار غير مألوف.
أمر الأسقف بإفراغ جرن الماء المقدس وملأه بماء عادي، واحتفظ بقارورة صغيرة من الماء المقدس في جيبه دون أن يخبر الفتاة وعندما رشها بماء الجرن، ارتجفت قليلاً قبل أن تسخر منه قائلة إنه ليس ماءً مقدساً، لكن حين رشها من القارورة التي أخفاها، بدأت بالصراخ والتوسل إليه أن يتوقف.
كانت الفتاة تُدعى كلارا جيرمانا سيلي Clara Germana Cele ولم تكن تلك سوى واحدة من سلسلة وقائع غريبة سُجلت في إرسالية كاثوليكية بمستعمرة ناتال البريطانية، بين عامي 1906 و190، وهي وقائع اعتبرها رجال الدين دليلاً على الاستحواذ الشيطاني، بينما بقيت طبيعتها الحقيقية موضع تساؤل، رغم الشهادات التي وصلت إلينا بعد أكثر من قرن.
بداية الحكاية: عهد مع الشيطان
كانت كلارا فتاة من السكان الأفارقة، تبلغ نحو السادسة عشرة من عمرها، وتعيش في إرسالية القديس ميخائيل St. Michael’s Mission بالقرب من أومزينتو Umzinto في المنطقة التي تُعرف اليوم بمقاطعة كوازولو ناتال في جنوب أفريقيا، وقد نشأت في بيئة دينية خاضعة لإشراف المبشرين الكاثوليك، حيث تلقت تعليمها وعاشت بين الراهبات والفتيات الملتحقات بالمدرسة.
تصفها الروايات الكهنوتية بأنها فتاة ذكية، تتمتع بصوت جميل في الغناء، لكنها بدأت خلال صيف عام 1906 تظهر تغيرات مقلقة في سلوكها، أصبحت أكثر اضطراباً وتنتابها نوبات غضب وخوف، وتتحدث أحياناً بأصوات غريبة لا تشبه صوتها المعتاد.
وفي يوليو من العام نفسه، سلّمت إلى الأب إيراسموس هورنر Erasmus Hörner أحد الكهنة المشرفين على الإرسالية، ورقة قيل إنها تتضمن تعهداً منها ببيع نفسها للشيطان، لم تصلنا تلك الورقة بوصفها وثيقة أصلية قابلة للفحص، لكن الاعتراف المزعوم أصبح نقطة التحول في تفسير حالتها.
فبعد ذلك، وفقاً لرواية هورنر، بدأت تصرخ أثناء الصلوات، وتبدي نفوراً من الرموز المقدسة، وتطلق أصواتاً وصفها المحيطون بها بأنها أقرب إلى زئير الحيوانات منها إلى الأصوات البشرية، كما قيل إنها كانت تعرف أماكن وجود بعض الكهنة أثناء غيابهم، وتكشف أموراً شخصية لا يُفترض أن تكون على علم بها، وسرعان ما انتشرت أخبارها بين سكان الإرسالية، خصوصاً بعد ظهور ما اعتبره الشهود مظاهر جسدية غير طبيعية.
فقد تحدثت الراهبات عن قوة عضلية غير معتادة مكّنتها من مقاومة عدة أشخاص، وعن حالات كانت ترتفع فيها عن الأرض رغم محاولة الإمساك بها، وتضمنت الروايات أيضاً واقعة اشتعال ثوبها بصورة مفاجئة، وأخرى عن احتراق فراشها دون وجود مصدر واضح للنار.
أما أغرب ما نُسب إليها فكان قدرتها على فهم كلمات بلغات أجنبية لم يسبق لها تعلمها، ومنها الألمانية والبولندية واللاتينية، وتوسعت الروايات اللاحقة لتضيف الفرنسية والنرويجية، بل وتزعم أنها كانت تتحدث جميع تلك اللغات بطلاقة.
وقد ظهرت هذه الادعاءات في بيئة كان رجال الدين فيها يعتبرون التحدث بلغات مجهولة، والقوة المفرطة، ومعرفة الأمور الخفية، والنفور من المقدسات، علامات محتملة على المس الشيطاني.
طقوس الطرد الأولى وواقعة التحليق
مع تصاعد الأحداث، طلب المسؤولون عن الإرسالية الإذن بإجراء طقوس رسمية لطرد الأرواح، وبدأت المراسم في 12 سبتمبر 1906 بإشراف الأب مانسويت بول Mansuet Poll ومساعدة الأب هورنر.
تجمع في الإرسالية عدد كبير من السكان ورجال الدين والراهبات ويذكر المؤرخ فرانسيس يونغ Francis Young أن الحاضرين ضموا نحو 150 شخصاً من سكان الإرسالية، فضلاً عن الكهنة والراهبات، وإن كان ذلك لا يعني أن جميعهم شهدوا كل الأحداث المنسوبة إلى الفتاة.
استمرت الصلوات ساعات طويلة، بينما كانت كلارا، وفق الرواية الكهنوتية، تتلوى وتصرخ وتقاوم محاولات السيطرة عليها، وعندما سُئل الكيان المزعوم عن اسمه، ورد أنه أطلق على نفسه اسم "ميليك" Melek.
وبلغت الطقوس ذروتها في صباح اليوم التالي، حين زعم شهود أن كلارا ارتفعت عن الأرض مع الكرسي الذي كانت تجلس عليه، قبل أن تسقط وتنهار، ثم تستعيد هدوءها.
وتنقل روايات أخرى عن هورنر مشاهد تحليق منفصلة، من بينها ارتفاعها لمسافة تقارب متراً ونصف المتر، لكن لا توجد صورة أو شهادة مستقلة موثقة بقياس محدد لهذا الارتفاع، كما أن التفاصيل تختلف بين المصادر، اعتبر الكهنة أن الطقوس نجحت وأن الروح الشريرة غادرت جسد الفتاة، فعادت إلى حياتها المعتادة لفترة قصيرة ، غير أن الاضطرابات ظهرت مجدداً في العام التالي، وهذه المرة لم تكن كلارا وحدها.
عودة الأعراض ومواجهة الأسقف
بحلول عام 1907، بدأت فتاة أخرى في الإرسالية، تدعى مونيكا موليتشي Monica Moletshe تظهر سلوكيات مشابهة، وأثار الأمر قلق الراهبات، اللواتي طلبن تدخل الأسقف هنري ديلال Henri Delalle المسؤول الكنسي عن ناتال.
لم يكن الأسقف مقتنعاً في البداية بالتفسير الشيطاني، وقد اعترف في شهادة نشرها لاحقاً أنه شكّ في صحة ما قيل له، وأن الكاهن الذي رافقه من ديربان كان يسخر من فكرة وجود مس حقيقي، لكن عند وصوله وجد سكان الإرسالية ينتظرونه بوصفه الشخص الذي سيطرد الشياطين، بعد أن أخبرهم الكهنة بقدومه وأقيمت صلوات استعداداً لذلك.
التقى الأسقف بالفتاتين، واستمع إلى شهادات الراهبات والكهنة، وعندما دخل على كلارا، بدأت ترتجف وتصرّ بأسنانها، ثم انفجرت غاضبة بعدما هددها الكاهن المرافق له بالعقاب، ووفقاً للأسقف، خاطبت الكاهن مشيرة إلى أنه جاء من ديربان، رغم أنها لم تكن تعرفه من قبل، ومع استمرار المقابلة، اقتنع ديلال بضرورة إجراء طقوس جديدة، كانت بدايتها اختبار الماء المقدس الذي سبقت الإشارة إليه.
خلال المراسم تحدث الأسقف باللغة اللاتينية، ولاحظ أن كلارا تستجيب لأوامره، وتجيبه في معظم الأحيان بلغة الزولو، وأحياناً باللاتينية نفسها.
وعندما طلب منها الكشف عن اسم الكيان الموجود بداخلها، رفضت في البداية، قبل أن تنطق باسم هجّأته على النحو التالي: ديوار Dioar ثم نسبت ذلك الكيان إلى لوسيفر، الاسم المرتبط بالشيطان في الموروث المسيحي.
تواصلت المواجهة لساعات، وتخللتها صرخات ونوبات هياج عنيف، حتى اضطر الحاضرون إلى تقييد يديها وقدميها بعدما عجزوا، بحسب وصف الأسقف، عن السيطرة على حركتها.
ويروي ديلال أيضاً أن كلارا كشفت خلال الطقوس أمرين اعتبرهما دليلاً على معرفة خارقة؛ فقد تحدثت عن إرسال فتاة أخرى إلى إرسالية بعيدة، وعن خروج أحد الكهنة لتعميد شخص مريض، معتبراً أنها لم تكن تستطيع معرفة أي من الأمرين.
وفي النهاية سقطت على الأرض وهي تتألم، ثم أصابها تشنج أعقبه سكون تام، وذكر الأسقف أن رائحة كريهة ملأت المكان، قبل أن تستعيد الفتاة وعيها بعد نحو عشر دقائق، وتنهض لتصلي ، بالنسبة إليه، كانت تلك اللحظة نهاية الاستحواذ الشيطاني.
ماذا تكشف الوثائق التاريخية ؟
لم تبق قصة كلارا مجرد حكاية تناقلها سكان الإرسالية؛ إذ نشر الأسقف ديلال شهادته عن الطقوس الثانية في مجلة روما Rome بتاريخ 23 يناير 1909 ثم أعادت مجلة لايت LIGHT البريطانية نشرها في عددها الصادر يوم 13 فبراير من العام نفسه، تحت عنوان "حالة مس حقيقية" An Authentic Case of Possession.
وتُعد هذه الشهادة من أقدم الوثائق المنشورة المتاحة عن الحادثة، لكنها تستدعي قراءة متأنية؛ فالأسقف يميز فيها، وإن بصورة غير منهجية، بين ما شاهده بنفسه وما نقلته إليه الراهبات والكهنة.
فمثلاً، لم يذكر أنه شاهد كلارا تحلق بارتفاع متر ونصف، وإنما نقل عن الآخرين قولهم إن الفتاتين كانتا ترتفعان أحياناً عن الأرض، كذلك لم يقدم اختباراً لغوياً يثبت أن كلارا كانت تتحدث لغات أجنبية لم تتعلمها، بل تحدث عن استجابتها لأوامره اللاتينية وبعض إجاباتها بهذه اللغة.
وحتى اختبار الماء المقدس، الذي بدا للأسقف دليلاً قوياً، لا يستبعد وحده احتمالات الإيحاء أو ملاحظة إشارات غير مقصودة من الحاضرين، ولا يكفي لإثبات امتلاك الفتاة قدرة غير طبيعية.
أما الروايات المتداولة التي تصفها وهي تتحدث أربع لغات أوروبية بطلاقة، أو تقذف الكهنة عبر الغرفة، أو تحاول خنق أحدهم بوشاحه الديني، فلا تظهر جميع تفاصيلها بالصورة نفسها في شهادة الأسقف المبكرة.
كما أن تكرار القصة في الكتب والمواقع لا يعني بالضرورة تعدد الأدلة؛ فكثير من الروايات اللاحقة اعتمد على المصادر الكهنوتية ذاتها، وأضاف إليها أوصافاً أكثر إثارة.
المس الشيطاني أم اضطراب في الوعي ؟
تكتسب حالة كلارا أهمية خاصة عند وضعها في سياق جنوب أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، حيث تداخلت المعتقدات الأفريقية التقليدية بشأن الأرواح مع التصورات المسيحية الأوروبية عن الشيطان والاستحواذ.
وفي دراسة بعنوان "سحر أم جنون" ? Witchcraft or Madness تناولت المؤرخة جولي بارل Julie Parle ظاهرة "إنديكي" Indiki وهي حالات ارتبطت بمعتقدات استحواذ الأرواح في زولولاند بين تسعينيات القرن التاسع عشر وعام 1914، وأوضحت أن فهم تلك الحالات وتأويلها تأثر بالتحولات الدينية والاجتماعية والاقتصادية المصاحبة للاستعمار ، ولا يعني ذلك أن كلارا كانت تعاني بالضرورة من الظاهرة نفسها، لكنه يقدم إطاراً لفهم البيئة التي ظهرت فيها حالتها.
كذلك يرى المؤرخ فرانسيس يونغ أن حادثة كلارا تكشف اختلافاً عميقاً بين التصورات الأفريقية لعالم الأرواح والتفسير الكاثوليكي الذي تبناه المبشرون الأوروبيون؛ فما اعتبره الكهنة حرباً بين الخير والشر ربما حمل معاني مختلفة في التصورات المحلية.
ومن الناحية النفسية، قد تتشابه بعض مظاهر المس الموصوفة في الروايات التاريخية مع حالات التفارق النفسي، التي قد يصاحبها تغير في الإحساس بالهوية أو السيطرة على السلوك، ومع ظواهر تتأثر بالإيحاء والتوقعات الجماعية.
كما أن ظهور اضطرابات مشابهة لدى فتيات أخريات داخل الإرسالية يثير تساؤلات عن التأثير النفسي المتبادل بين أفراد الجماعة، خصوصاً في بيئة مشحونة بالخوف من الشيطان والترقب المستمر لظهور علاماته.
ومع ذلك، فإن غياب السجلات الطبية المفصلة يمنع تشخيص حالة كلارا بأثر رجعي، مثلما يمنع الجزم بأن جميع الظواهر التي نُسبت إليها كانت خارقة للطبيعة.
واللافت أن المصادر الباقية مكتوبة أساساً بأقلام رجال الدين، بينما تكاد تغيب شهادة الفتاة نفسها، فنحن نعرف ما اعتقد الكهنة أنهم رأوه، لكننا لا نعرف بصورة مستقلة كيف كانت كلارا تفهم تجربتها، أو ماذا كانت تشعر حين فقدت السيطرة على سلوكها وخضعت لتلك الطقوس.
نهاية كلارا واللغز الذي بقي
بعد انتهاء طقوس عام 1907، تذكر المصادر الدينية أن كلارا استعادت هدوءها وعاشت بقية سنواتها بعيداً عن الاضطرابات التي اشتهرت بها ، لكن شهادة الأسقف المنشورة عام 1909 تكشف جانباً مؤلماً من حياتها اللاحقة؛ إذ ذكر أنه تلقى منها رسالة ترجوه فيها أن يصلي من أجل موتها، لأنها أصبحت تخشى الحياة بعد ما مرت به، ولا نملك الرسالة الأصلية لفحصها أو معرفة الظروف النفسية التي دفعتها إلى كتابة تلك الكلمات، إن كانت منقولة بدقة.
أما وفاتها، فثمة اختلاف بين الروايات الحديثة التي تضعها عام 1912 بسبب قصور القلب، ومصادر تاريخية ترجح أنها توفيت عام 1913 إثر مرض رئوي، وتبقى التفاصيل الدقيقة بحاجة إلى سجل وفاة أصلي يحسم المسألة.
رحلت كلارا في مقتبل العمر، لكنها تركت وراءها قصة ظلت حاضرة في أدبيات المس الشيطاني وطرد الأرواح لأكثر من قرن.
لقد وثّق رجال الدين إجراء طقوس الطرد، ووصفوا سلوكيات اعتبروها غير قابلة للتفسير الطبيعي، غير أن هذه الشهادات، مهما بلغت درجة صدق أصحابها، لا تكفي وحدها لإثبات حدوث التحليق أو امتلاك معرفة خارقة أو وجود كيان شيطاني داخل جسد الفتاة.
وفي المقابل، فإن عدم قدرتنا اليوم على تفسير كل تفصيل لا يجيز اختزال تجربتها في اضطراب نفسي محدد دون أدلة طبية، وهكذا تبقى حالة كلارا جيرمانا سيلي معلقة بين رواية دينية رأت فيها مواجهة مع الشيطان، وقراءة تاريخية ونفسية تبحث عن أسباب المعاناة الإنسانية في سياقها الثقافي.
وربما كان أكثر ما يثير التأمل في قصتها أن الجميع تقريباً تحدثوا عن الشيطان الذي زعموا أنه سكن جسدها، بينما لم يصلنا إلا القليل عن الفتاة نفسها، التي تحولت معاناتها إلى واحدة من أشهر حكايات المس في العصر الحديث.