في شوارع كنشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تقتصر المعاناة على الفقر أو الاضطرابات الاجتماعية، بل تمتد إلى عالم أكثر قسوة وغموضاً: عالم "أطفال السحر" أو المعروف محلياً  بـ enfant sorciers. هؤلاء ليسوا كائنات خارقة، بل أطفال عاديون تم وضعهم داخل إطار اعتقاد خطير، حيث يُنظر إليهم كسبب للمرض أو الفقر أو سوء الحظ داخل أسرهم.

طقوس قاسية تتم ممارستها تحت غطاء ديني ، حيث يُجلب الأطفال المرضى إلى من يطلقون على أنفسهم "أنبياء" أو قساوسة، يتم اصطفافهم ويتعرضون لطقوس عنيفة تشمل رشهم وضربهم بـ "الماء المقدس"، بل وإجبارهم على شربه بالقوة، وإذا أبدى الطفل أي رد فعل طبيعي من خوف أو ألم يتم تفسيره فوراً على أنه دليل على وجود "شيطان" داخله، فتعلو الصرخات بطقوس طرد الأرواح باسم المسيح.

في مشهد آخر، تُحضر أم طفلها الرضيع المصاب بالحمى أو نزلة برد ليُعلن القس عبر مكبر الصوت أن المرض سببه "روح شريرة" تسكن جسده، من دون تقديم تفسير طبي أو علاج فيتحول الطفل إلى ساحة صراع رمزي مع "الشيطان" حيث يصرخون في وجهه: "اخرج من هذا الجسد". ومع تصاعد المشهد، يتم ترسيخ فكرة أن هؤلاء الأطفال أنفسهم هم مصدر البلاء للأسرة.

لكن الأخطر لا يكمن في الطقس نفسه، بل في ما يأتي بعده، فبعض القساوسة يطرحون حلولاً ذات طابع استغلالي: إما دفع المال لبناء مذبح أو تمويل طقوس مستمرة لـ "تخليص الطفل"، أو التخلص منه بطرده خارج المنزل ، وهنا تبدأ المأساة الحقيقية، إذ ينتهي الأمر بكثير من هؤلاء الأطفال في الشوارع، يعيشون في مجموعات هامشية، يتعرضون للإهانة والعنف، وأحياناً يؤذون أنفسهم أو بعضهم البعض في سبيل البقاء.

من أين جاءت هذه الظاهرة ؟

ليست هذه المعتقدات وليدة لحظة، بل هي نتاج تداخل معقد بين الفقر، والانهيار الاجتماعي، وبعض التفسيرات الدينية المتطرفة ، في تسعينيات القرن الماضي ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية في الكونغو بدأت تظهر موجة من الكنائس المستقلة التي يقودها "أنبياء" غير مؤهلين، يقدمون تفسيرات روحية لكل مشكلة حياتية ، ومع غياب الرعاية الصحية الكافية يصبح من السهل تفسير الأمراض الشائعة  كالحمى أو سوء التغذية على أنها "مس شيطاني".

كما تلعب البنية النفسية والاجتماعية دوراً حاسماً،  الأسرة التي تعاني من ضغط اقتصادي أو فقدان أو مرض، تبحث عن سبب ملموس لما يحدث وعندما يُقدم لها تفسير جاهز "الطفل هو السبب" ، يصبح ذلك التفسير وسيلة لتفريغ القلق والخوف حتى لو كان الثمن هو التضحية بالطفل نفسه.

بين الإيمان والتلاعب

لا يمكن اختزال الظاهرة في "خرافة" فقط، لأن ذلك يتجاهل السياق الإنساني المعقد الذي يسمح لها بالاستمرار، فالإيمان بوجود قوى غير مرئية حاضر في ثقافات عديدة، لكن ما يحدث هنا هو انتقال هذا الإيمان من كونه تفسيراً رمزياً إلى أداة اتهام وعقاب.

هذا التناقض المؤلم: كيف يمكن للبالغين أن يؤمنوا بهذه الأفكار إلى حد إيذاء أطفالهم ؟ 

من منظور علم النفس، الإجابة ليست في "الجهل" وحده، بل في قابلية الإنسان للتأثر بالسلطة الدينية حين المقدمة بثقة مطلقة، خاصة في بيئات تعاني من الهشاشة،  فالشخص الذي يُنظر إليه كـ"نبي" أو وسيط إلهي يكتسب سلطة قادرة على إعادة تشكيل إدراك الواقع لدى الآخرين.

الطفل كضحية لصراع أكبر

الطفل في هذه المعادلة ليس إلا الحلقة الأضعف،  الخوف الذي يظهر في عينيه أثناء الطقوس، ليس مجرد رد فعل لحظي، بل بداية مسار طويل من الصدمة النفسية ، بعض هؤلاء الأطفال ينجون ليتم دمجهم في المجتمع عبر منظمات إنسانية، لكن كثيرين يظلون عالقين في دائرة من النبذ والعنف.

وفي النهاية، يطرح هذا الواقع سؤالاً فلسفياً وإنسانياً ثقيلاً: كيف يمكن لمعتقد يهدف نظرياً إلى الخلاص أن يتحول إلى أداة لإنتاج المعاناة ؟ وهل المشكلة في الإيمان نفسه، أم في الطريقة المستخدم بها لتفسير العالم والسيطرة على الآخرين ؟

وختاماً، ما يحدث في كنشاسا ليس ظاهرة معزولة، بل مثال صارخ على كيف يمكن أن تتقاطع المعتقدات الدينية مع الأزمات الاجتماعية لتخلق واقعاً قاسياً، يكون ضحيته الأضعف دائماً، وبين من يبرر ومن يدين، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن حماية هؤلاء الأطفال تحت هيمنة الجذور الثقافية والنفسية التي تغذي هذه الظاهرة ؟