في حكاية أيرلندية قديمة، يطرق مسافر أنهكه الطريق باب كوخ، راجياً مكاناً يبيت فيه ، لكن صاحب البيت يسأله سؤالاً غير متوقع: هل تستطيع أن تروي حكاية ؟ وحين يجيب بالنفي، يُردّ إلى الليل، لا يعرف المسافر أن الساعات المقبلة ستمنحه قصة يتمنى لو لم يعشها، وأن هناك من قرر تعليمه فن الحكاية بالخوف.
تلك إحدى نوافذ الدخول إلى عالم "الرجل الأحمر"، الكائن الذي تختلط عنده الدعابة بالقسوة، وقد يصبح رعب الإنسان وسيلته إلى التسلية، وفي تراث أيرلندا، لا تأتي الكائنات الخارقة دائماً لتمنح الأمنيات؛ بعضها يختبر ضيفه، أو يفرض حضوره على البيت، أو يضحك حين يفقد البشر قدرتهم على فهم ما يجري حولهم.
جيران لا نعرف طباعهم
تستحضر كلمة "الجنيات" اليوم صورة كائنات صغيرة مجنحة تحيط بها الأزهار والأنوار، لكن كلمة "الجنيات" Fairies في الحكايات الأيرلندية تتسع لشخصيات متباينة، ذكوراً وإناثاً، تختلف أحجامها وأشكالها وعلاقاتها بالبشر، بعض هذه الشخصيات اجتماعي يظهر في جماعات وبعضها يعيش منفرداً، وقد يجلب الحظ أو يتسبب في الأذى.
وفي مجموعة "حكايات الجنيات والحكايات الشعبية للفلاحين الأيرلنديين" الصادرة سنة 1888 يضع وليام بتلر ييتس الرجل الأحمر إلى جانب الليبريكون والكلوريكون ضمن الكائنات المنفردة، لكنه يعترف أيضاً بأن الكتّاب الأيرلنديين لا يتفقون تماماً على الحدود بين هذه الشخصيات: هل هي كائنات مختلفة، أم صور متقاربة لروح واحدة ؟
وهذا التردد جزء من طبيعة المادة الشعبية، فالحكايات تنتقل بين الرواة والمناطق، وتتبدل معها الأسماء والتفاصيل، قبل أن يحاول جامع التراث ترتيبها في فئات، لذلك لا ينبغي أن نتوقع من عالمها نظاماً ثابتاً يشبه التصنيفات في موسوعات الحيوانات.
من هو الرجل الأحمر ؟
يُكتب اسمه بالأيرلندية Fear Dearg وترد في المصادر الإنجليزية صيغ مثل Far Darrig وFir Darrig ، ومعناه "الرجل الأحمر"، نسبة إلى ثيابه، ويصفه ييتس بأنه يرتدي قبعة ومعطفاً أحمرين وينشغل بالمقالب وخصوصاً المروعة منها.
أما توماس كروفتون كروكر، في كتابه "حكايات الجنيات وتقاليد جنوب أيرلندا" فيلفت إلى صفة أخرى: مرونة صوته وقدرته على إصدار أصوات تشبَّه بالأمواج وتغريد الطيور، بل بموسيقى الملائكة، وترد في ملاحظته عبارة يخاطبه بها الناس معناها: "لا تسخر منا"، كأن ما يخشونه فيه هو قدرته على تحويلهم إلى مادة للعبث.
ولا تستقر هيئته على صورة واحدة، ففي إحدى حكايات كروكر يظهر قصير القامة، بوجه متغضن وشعر رمادي طويل ومعطف قرمزي يكاد يلامس الأرض، وفي حكاية أخرى أدرجها ييتس تحت اسمه، تظهر شخصيات بالغة الطول، إن القبعة والمعطف علامتان معروفتان، لكن الحكايات نفسها أوسع من الرسم الشائع لكائن صغير واحد.
ليلة بات دايفر : ستصبح لديك حكاية
في "الرجل الأحمر في دونيغال" التي أوردها ييتس باسم ليتيسيا ماكلينتوك، نلتقي بات دايفر، مصلح الأواني الجوال الذي اعتاد النوم في أماكن متواضعة وعلى جوانب الطرق.
بعد يوم عمل، يدركه الليل على طريق جبلي، يطرق أبواباً عدة، ولا يجد من يؤويه، وفي كوخ يقيم فيه عجوزان، يطرحون عليه سؤال إن كان يجيد رواية القصص، فيجيب بأنه ليس بارعاً فيها، فيقال له إن المبيت متاح لمن يستطيع أن يحكي، يغادر متذمراً، ثم يلمح حظيرة خلف المنزل فيتسلل إليها وينام تحت القش.
توقظه خطوات أربعة رجال شديدي الطول، يجرون جثة، يشعلون ناراً ويعلقون الجسد بحبل من القدمين، ثم يبدأ أحدهم بتدويره أمام اللهب، وحين يطلب من رفيقه أن يتولى المهمة، يرفض الآخر ويعلن أن بات دايفر مختبئ تحت القش، ويمكنه أن يقوم بها.
يُستدعى الرجل المذعور، ويُهدد بأنه سيحل محل الجثة إذا تركها تحترق، ثم يغادر الرجال، لكن النار تصل إلى الحبل، فيسقط الجسد وسط الجمر، وينطلق بات هارباً.
يختبئ في مجرى تغطيه الأعشاب، غير أن الرجال يصلون إليه حاملين الجثة، ويجبرونه على حملها إلى أطلال دير كيلتاون، وعندما ينشغلون بحفر قبر، يتسلق شجرة أملاً في الإفلات، لكن أطولهم يكشف مكانه مرة أخرى ويطالبه بالنزول والمشاركة في الحفر.
في تلك اللحظة تصيح الديكة، فيعلن الرجال أن عليهم الرحيل، ويخبرونه أنه نجا من أن يتم دفنه مع الجثة.
ولا تنتهي الحكاية عند النجاة، فبعد شهرين، يلتقي بات الرجل الطويل وسط سوق في رافو، يحاول التظاهر بأنه لا يعرفه، لكن الغريب يذكّره، بمعنى كلامه، بأنه حين يعود إلى إنيشوين ستكون لديه حكاية يرويها.
هنا تتكشف الدعابة السوداء: المسافر الذي لم يملك قصة يدفع بها ثمن ضيافته، تم إدخاله بالقوة في قصة مرعبة، والرواية لا تقدم تفسيراً مادياً لما وقع، بل تتركنا أمام كائنات تعرف مخابئ ضحيتها وتتحكم في مسار ليلتها، حتى تصبح النجاة نفسها جزءاً من سخريتها.
الضيف الذي جلب الحظ
لكن الرجل الأحمر لا يؤدي دور المعذب دائماً، ففي حكاية "الضيف المحظوظ" عند كروكر، تروي فتاة تدعى إلين كونيل قصة زائر غريب دخل منزل أسرتها في مقاطعة كورك.
تبدأ الزيارة ليلة عاصفة، حين يسمع أهل البيت صوتاً ضعيفاً يطلب الدخول، يفتح أحد الأبناء الباب، فيدخل كائن قصير، يبلغ طوله نحو قدمين ونصف، يرتدي قبعة حمراء مدببة ومعطفاً طويلاً، ويتدلى شعره الرمادي فوق كتفيه.
يتجه إلى النار من دون تحية، ويأخذ غليون الأب الذي أسقطه من شدة الفزع، ثم يجلس يدخن ويجفف ثيابه، تتراجع الأسرة، ويهرب الجيران إلى المطر، بينما يحتل الضيف مكانه أمام الموقد كأنه يعرفه منذ زمن.
تتكرر الزيارات لاحقاً، وقرب الحادية عشرة ليلاً، تظهر ذراع صغيرة مشعرة من فتحة في الباب، فتفهم الأسرة أن عليها السماح للزائر بالدخول وترك المكان له، ومع مرور الوقت، تربط بين زياراته وتحسن أحوالها، فتتحول خشيتها إلى ترقب.
وتنسب الرواية إلى تجاهل إشارته مصائب تصيب الماشية، كما تذكر أن رجلاً ضرب ذراعه مات بعد ذلك بمدة قصيرة، هذه علاقات سببية تقيمها الحكاية، وليست وقائع تثبت أن الكائن تسبب في مرض أو وفاة.
ثم ينتبه مالك الأرض إلى رخاء الأسرة، ويحاول فرض التزامات لا تستطيع قبولها، وينتهي الأمر بطردها، وفي المسكن الجديد تنتظر الأسرة الرجل الأحمر عبثاً؛ تصنع فتحة مماثلة في الباب، ثم تنقل الباب القديم وأشياء من الموقد، لكنه لا يعود.
وتنتهي شهادة الفتاة بالفقد وتفرق الأسرة، هكذا يصبح الضيف الذي أفزعها في البداية رمزاً لبيت ضاع، ولرخاء لم تستطع حمله معها، ومن التفاصيل اللافتة أن إلين تقر بأنها كانت صغيرة جداً عند الزيارة الأولى، وأن جانباً مما تحكيه وصل إليها من إخوتها والآخرين؛ وهي إشارة داخل النص نفسه إلى انتقال الذاكرة العائلية إلى حكاية.
الضيافة تحت الاختبار
تضع الحكايتان الضيافة في قلب العلاقة بالمجهول، في الأولى، يبحث إنسان عن مأوى ويجد نفسه مطالباً بتقديم قصة، وفي الثانية، يأتي الزائر الخارق إلى بيت البشر، ويصبح على أصحابه أن يفسحوا له مكاناً.
يمكن قراءة هذا التقابل بوصفه تعبيراً عن توتر يرافق استقبال الغريب: الكرم يفتح الباب، لكن فتح الباب يعني السماح لشخص لا نعرف طباعه بالدخول إلى أخص أماكننا، وفي هاتين الحكايتين، تتسع المسافة بين ما يريده صاحب البيت وما يفرضه الضيف حتى تصبح العلاقة اختباراً للخوف والطاعة والحدود.
أما الفكاهة فليست راحة من الرعب؛ إنها أحد مصادره، ما يراه الكائن تسلية قد يكون أشد ليالي الإنسان بؤساً، وتكمن قسوة الرجل الأحمر في أن قواعد لعبته لا تُشرح للضحية مسبقاً.
هل قبعته مصبوغة بالدم ؟
عند البحث عن الرجل الأحمر، يسهل الوصول إلى صور كائن آخر يسمى صاحب القبعة الحمراء Redcap، وفي أشهر تقاليده، المرتبطة بالحدود الإنجليزية-الاسكتلندية، يسكن القلاع الخربة ويعتدي على من يلجأ إليها، ثم يصبغ قبعته بدم ضحاياه، وتصفه روايات بأسنان بارزة ومخالب وحذاء حديدي وعصا ذات رأس مدبب.
ومع ذلك، فإن الربط بينه وبين الرجل الأحمر الأيرلندي لم يبدأ مع الإنترنت أو السينما ، فكروكر نفسه، في ملاحظته القديمة، ساوى بينهما، وقارن الرجل الأحمر أيضاً بكائنات منزلية ومخادعة من تقاليد أوروبية مختلفة.
لذلك فالأدق الاعتراف بتاريخ هذا التقارب، مع الحفاظ على اختلاف الحكايات: الرجل الأحمر الأيرلندي معروف بملابسه القرمزية ومقالبه وقد يظهر ضيفاً يجلب الحظ، بينما القبعة المغطاة بدم الضحايا سمة بارزة في الرواية الحدودية عن "صاحب القبعة الحمراء" Redcap، ولا يجيز تشابه الاسمين أن ننسب كل صفات أحدهما إلى الآخر، أو أن نفترض أن حمرة ثياب الرجل الأيرلندي ناتجة عن الدم.
ما الذي تقوله هذه الحكايات عن أصحابها ؟
هذه النصوص تحفظ صوراً من المعتقد الشعبي كما صاغها الرواة وجامعو التراث، وهي مصادر لدراسة ما كان الناس يروونه عن العالم الخفي، وليست أدلة مستقلة على وجود كائن خارق.
ويمكن أن نقرأ فيها مخاوف مألوفة: المسافر المنقطع عن الناس، والبيت المفتوح للغرباء، ومرض الماشية، والرزق الذي يتحسن ثم يضيع، والعجز عن حماية الأسرة من سلطة أقوى منها ، وفي "الضيف المحظوظ" خصوصاً يتداخل الخارق مع واقع اجتماعي واضح؛ فمالك الأرض البشري هو من يطرد الأسرة، بينما تعجز عن استعادة الحماية التي اعتقدت أن الزائر منحها.
ولا يلزم اختزال كل ذلك في تفسير واحد، كحلم أو هلوسة أو خدعة، فالمادة المتاحة حكايات انتقلت وصيغت أدبياً، ولا تقدم تفاصيل تسمح بتشخيص تجارب أصحابها، قيمتها الأوضح أنها تكشف كيف منح الخيال الشعبي شكلاً للخوف، وكيف جعل الحظ ضيفاً قد يدخل البيت ثم يختفي إلى الأبد.
من الموقد إلى شاشة السينما
وجدت هذه المساحة بين العبث والتهديد امتداداً حديثاً في فيلم Unwelcome الصادر سنة 2023، حيث تنتقل أسرة إلى الريف الأيرلندي وتكتشف أن علاقتها بالمخلوقات المجاورة مرتبطة بالتزامات وثمن للمساعدة. وقد تحدث مخرجه جون رايت عن اهتمامه بالجانب القاتم من الحكايات، وعن مخلوقات تستمتع بما تفعله من أذى.
يستثمر الفيلم عناصر متقاربة ويعيد تشكيلها لحكايته، أما الرجل الأحمر في المصادر القديمة فأكثر تقلباً من وحش سينمائي ثابت الصفات، قد يترك الإنسان يرتجف في مقبرة، وقد يجلس صامتاً أمام موقد أسرته ويصبح حضوره بشارة رخاء، وفي الحالتين يظل السؤال الذي يمنح الحكايات قوتها: ماذا لو كان الذي دخل بيتك لا يفهم الضيافة، أو المزاح، بالطريقة التي تفهمها أنت ؟