من السهل أن تبتسم حين يخبرك أحدهم أن المخلوقات الخفية تحتاج إلى طعام يُترك لها كل مساء، يمكنك أن تجاري الحديث، ثم تغلق الباب مطمئناً إلى أن الجدران تفصل بين عالمك والخرافة،  لكن ماذا لو جاء الخطر من بشر يستطيعون اقتحام تلك الجدران ؟ هل ستظل تسخر من الحكاية، أم ستنظر إلى الغابة متمنياً أن يكون سكانها حقيقيين ؟

من هذه المسافة بين الاستهزاء بالمجهول والاستنجاد به، يبني فيلم Unwelcome، أو "غير مرحب به" حكايته، يستعير من الفولكلور كائناته وقواعده المقلقة، ثم يضعها في مواجهة خوف معاصر جداً: أن تعجز عن حماية بيتك وأسرتك، وأن تصبح النجاة رهينة قوة لا تعرف ما ستطلبه منك.

منزل جديد لا يمحو الخوف

تبدأ الحكاية في لندن، حيث تتحول فرحة الزوجين بخبر الحمل إلى كابوس بعدما يتعرضان لاعتداء داخل منزلهما، وحين تتاح لهما فرصة الانتقال إلى بيت ورثه جيمي في الريف الأيرلندي، يبدو المكان وعداً بحياة أكثر هدوءاً.

لكن للمنزل التزاماً غريباً: ترك قطعة من الكبد عند الباب الموجود في حائط الحديقة، إرضاءً للمخلوقات التي تقيم في الغابة المجاورة، تتعامل مايا مع الأمر باعتباره معتقداً محلياً يمكن مجاراته، وفي الوقت نفسه، يستعين الزوجان بعائلة ويلان لإصلاح المنزل، فتدخل إلى حياتهما شخصيات يزداد حضورها تهديداً وعدوانية.

بهذا الترتيب، يصبح البيت محاصراً بخوفين: خطر بشري يقترب في وضح النهار، وآخر غامض ينتظر وراء الحائط، ويبدأ السؤال عن حقيقة المخلوقات بالتحول إلى سؤال أشد إلحاحاً: هل يمكن أن تساعد ؟

الفولكلور مادة يعاد تشكيلها

في مقالنا عن الرجل الأحمر وصاحب القبعة الحمراء تتقارب بعض صور الكائنات الشعبية من دون أن تتطابق جميع حكاياتها،  فالرجل الأحمر الأيرلندي Fear Dearg معروف بملابسه القرمزية ومقالبه المروعة، وقد يظهر في بعض الروايات ضيفاً يرتبط بالرخاء، أما صاحب القبعة الحمراء Redcap في أشهر روايات الحدود الإنجليزية–الاسكتلندية، فيرتبط بالقلاع الخربة والقبعة التي يصبغها بدم ضحاياه.

يأخذ Unwelcome من هذه المساحة المشتركة، ويصوغ منها مخلوقاته الخاصة، وقد أكد رايت صراحة في مقابلة أن صناع الفيلم أعادوا كتابة الموروث، وجعلوا الكائنات تجسيداً لموضوع الحكاية، ورأى أن شهرتها المحدودة، مقارنة بمصاصي الدماء والمستذئبين، منحته مساحة أوسع لإعادة ابتكارها.

لذلك تُفهم تفاصيل الطعام والنجدة وثمنها ضمن قواعد الفيلم، ولا يصح التعامل معها مجتمعة باعتبارها نقلاً أميناً لمعتقد تاريخي واحد ، فالموروث هنا يمنح السينما شخصيات وإيحاءات، ثم يعيد السيناريو ترتيبها ليصنع التوتر.

من مقلب مرعب إلى عنف يستمتع بنفسه

في الحكايات القديمة، قد يكون خوف الإنسان هو النكتة التي يتسلى بها الكائن الخارق، يستثمر الفيلم هذه الفكرة، ويمنح مخلوقاته قسوة تمتزج بالمرح الشرير.

وقد أوضح رايت أن صورة الكائن الذي يغمس قبعته في دم ضحيته أوحت له بوجود لذة وفخر في العنف، وبهذا تصبح المخلوقات أكثر إزعاجاً من حيوان مفترس يتحرك بدافع الجوع: إنها تبدو واعية بما تصنعه من فوضى، وقادرة على الاستمتاع بها، ووصف المخرج العمل بأنه حكاية على طريقة الأخوين غريم، موجهة للكبار.

وتفسر هذه النية اجتماع الرعب بالفكاهة السوداء، فغرابة المخلوقات قد تثير ابتسامة، ثم يأتي سلوكها ليجعل تلك الابتسامة غير مريحة، كأن الفيلم يستدرج المشاهد إلى التقليل من شأنها، بالطريقة نفسها التي يستهين بها أبطاله بالحكايات المحلية.

الحائط الذي يرسم حدود الأمان

يمكن قراءة حائط الحديقة بوصفه أكثر من حد يفصل البيت عن الغابة، فعلى أحد جانبيه توجد الحياة التي يحاول الزوجان تنظيمها: الإصلاحات، والطعام، والاستعداد لطفل،  وعلى الجانب الآخر عالم لا يعرفان لغته، ولا ما الذي يلزمهما به أي وعد.

ويكتسب ترك الطعام دلالته الدرامية من هذا الفصل، إنه فعل صغير ومتكرر يحفظ علاقة لم يخترها القادمون الجدد، لكنهم يجدون أنفسهم مطالبين باستمرارها، البيت الذي ورثاه يأتي بتاريخ يتجاوز ملكية الجدران.

ثم تقلب الحكاية معنى الأمان: يستطيع البشر الذين يدخلون المنزل أن يجعلوه مخيفاً، بينما تصبح الغابة التي كان ينبغي تجنبها احتمالاً للحماية. وهنا يكتسب عنوان Unwelcome اتساعه؛ فمن هو غير المرحب به حقاً ؟ القادمون الجدد، أم من يقتحمون خصوصيتهم، أم المخلوقات التي لا يريد أحد الاعتراف بجيرتها ؟

حكاية قديمة تخاطب خوفاً حديثاً

ليس فيلم Unwelcome توثيقاً لحادثة خارقة، ولا شرحاً منهجياً للمعتقدات الأيرلندية، إنه عمل خيالي يستخدم الفولكلور ليجعل أسئلة البيت والأسرة والعنف أكثر غرابة وحدة، ومن عناصره المهمة أنه لا يفصل الوحشية البشرية عن الوحشية الخارقة؛ بل يجعل كل واحدة تدفع الشخصيات نحو الأخرى.

وقد يكون امتزاج الاعتداء الواقعي بالمخلوقات الغريبة والفكاهة الدموية مصدراً للتنافر لدى بعض المشاهدين، لكن هذا الامتزاج نفسه يخدم فكرة الفيلم: تحت الحكاية التي تبدو غير معقولة يوجد خوف يسهل التعرف إليه، هو أن تحتاج إلى حماية لا تستطيع توفيرها بنفسك.

في النهاية، يمنح الفيلم الحكايات القديمة باباً إلى حياة معاصرة، يكفي أن تجد نفسك عاجزاً أمام خطر قريب، حتى يتغير معنى كل ما قيل لك عن سكان الغابة، وقد يصبح أكثر ما تتمناه، في تلك اللحظة، أن تكون الخرافة صحيحة… قبل أن تتذكر أن الحكايات نادراً ما تمنح النجاة بلا ثمن.