في التراث السلافي الممتد من روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا شرقاً إلى بولندا وتشيكيا وسلوفاكيا غرباً، يظهر اسم تشورت (Chort / Čort Czart/Čert) بوصفه أحد أكثر الكائنات حضوراً في المخيلة الشعبية. هو ليس “إبليس” بالمعنى اللاهوتي الصارم، ولا مجرد شخصية رمزية عابرة، بل كائن هجين نشأ في البيئة الوثنية القديمة ثم أعيد تعريفه داخل الإطار المسيحي، فصار يمثل الشر اليومي القريب من حياة الناس ، ببساطة هو “الشيطان الشعبي” في الثقافة السلافية.
الأصل التاريخي وتحول المعنى
قبل انتشار المسيحية في أوروبا الشرقية، كانت الديانة السلافية القديمة تقوم على تعددية روحية غنية: آلهة طبيعة، أرواح غابة، كائنات مائية، وأرواح أسلاف. في هذا السياق ظهر تشورت ككيان مؤذ أو روح نجسة مرتبطة بالعالم السفلي أو بالمناطق غير المأهولة.
مع دخول المسيحية بين القرنين التاسع والحادي عشر، لم تختفِ الكائنات القديمة، بل جرى استيعابها ضمن الإطار الجديد. تحول تشورت تدريجياً إلى مرادف للشيطان، أو على الأقل إلى أحد أعوانه.
هذا التحول يفسر التناقض في صورته: فهو في بعض النصوص كائن خطير مرتبط بالجحيم، وفي أخرى مجرد مخادع ريفي يمكن التحايل عليه.
ملامح الشخصية في المخيلة الشعبية
تختلف أوصاف تشورت من منطقة إلى أخرى، لكن هناك سمات مشتركة تتكرر في الروايات السلافية:
يُصور غالباً بقرون قصيرة، وذيل رفيع، وحوافر ماعز، وأحياناً بوجه حيواني أو أنف مشوه. في بعض التقاليد يوصف بالعرج أو بوجود عيب جسدي، كدلالة رمزية على نقصه وفساده. غير أن هذا الشكل “الشيطاني” ليس ثابتاً؛ ففي كثير من الحكايات يظهر بهيئة إنسان عادي، رجل غريب في الطريق، أو حتى شاب أنيق يعرض المساعدة.
وتنسب إليه القدرة على التحول إلى حيوانات، خصوصاً الكلب أو القط أو الخنزير، وهي حيوانات ارتبطت في بعض المجتمعات الريفية بالنجاسة أو سوء الطالع.
الأماكن المرتبطة بظهوره
لا يضع الفولكلور السلافي تشورت في فراغ، بل يربطه بأماكن محددة تُعد “عتبة” بين مكانين أو غير مستقرة رمزياً.
مفترق الطرق يُعد أبرز هذه الأماكن. في التقاليد الأوكرانية والروسية، يُعتقد أن اللقاءات الليلية على مفترق الطرق قد تفضي إلى عقد اتفاق مع كائن نجس. بعض المرويات الشعبية تتحدث عن تثبيت هذا الاتفاق بقطرة دم من الإصبع، وهو تفصيل يتكرر في أكثر من منطقة.
الطواحين المهجورة تشكل بيئة أخرى شائعة. في القرى الأوكرانية خاصة، ارتبطت الطاحونة المعزولة بصوتها الليلي المخيف بمسكن تشورت. كذلك تظهر المستنقعات في بيلاروسيا وروسيا كأماكن يُعتقد أن الشيطان يضلل فيها المسافرين، حيث يختفي الأشخاص في الضباب أو الوحل دون تفسير واضح.
كما تدخل الخرائب والأماكن المهجورة عموماً ضمن هذا التصور، باعتبارها مناطق خارجة عن النظام الاجتماعي والديني.
العقد مع الشيطان في التراث السلافي
تنتشر في بولندا وأوكرانيا وروسيا قصص عن صفقات مع تشورت، تشبه في بنيتها “عقد الشيطان” المعروف في الأدب الأوروبي. تدور هذه الحكايات حول شخص فقير أو يائس يلتقي بكائن غريب يعرض عليه الثروة أو المهارة أو السلطة مقابل ثمن يُدفع لاحقاً.
في بعض الروايات ينجح الإنسان في خداع تشورت بحيلة ذكية، ما يعكس رؤية شعبية ترى فيه كائناً مخادعاً لكنه ليس كلي القدرة. في روايات أخرى يعود الكائن للمطالبة بحقه، وتنتهي القصة بخسارة مأساوية أو عقاب أخلاقي.
اللافت أن هذه القصص لا يجري تقديمها دائماً على أنها أساطير بعيدة، بل كحكايات يرويها شخص عن قريب أو جار، وهو نمط معروف في الفولكلور الروسي باسم “بُواليتشكي” (قصص يدّعي الراوي أنها حدثت فعلاً).
حكاية تشورت مع الحداد
من بين الروايات التي جمعها ألكسندر أفاناسيف في القرن التاسع عشر ضمن مدونته للحكايات الشعبية الروسية، تبرز قصة تُعرف عادة بعنوان “الحداد والشيطان” (Кузнец и чёрт). هذه الرواية ليست مجرد حكاية طريفة، بل تمثل نموذجاً مكثفاً لصورة تشورت في الوعي السلافي: كائن مخادع يمكن التغلب عليه، بشرط أن يواجهه إنسان يعرف أسرار النار والحديد.
تبدأ الرواية بحداد ريفي اشتهر بمهارته، لكنه كان أيضاً معروفاً بجرأته ولسانه السليط. في إحدى الليالي، بينما كان يعمل في ورشته المتوهجة، ظهر له تشورت — إما في هيئته الشيطانية بقرون وحوافر، أو متخفياً في هيئة رجل غريب، بحسب اختلاف النسخ.
جاء تشورت بعرض مغرٍ: إما أن يمنحه ثروة، أو أن يساعده في إنجاز عمل مستحيل، مقابل أن يحصل لاحقاً على “حقه” من روح الحداد أو من خدمته ، لم يرفض الحداد العرض مباشرة مع أنه لم يثق بالضيف.
في النسخة الأشهر من القصة، يوافق الحداد على التعاون، لكنه يشترط أولاً أن “يُريه قوة مطرقته”. يدعو تشورت إلى الاقتراب من السندان بحجة اختبار صلابة الحديد. وبينما ينحني الكائن فوق المعدن المتوهج، يهوي الحداد بالمطرقة على رأسه أو ظهره ، يضربه مرة بعد أخرى، حتى يصرخ تشورت ويتوسل، ويعده بأنه لن يقترب منه أو من بيته مرة أخرى ، في بعض الروايات، يُمسك الحداد بالشيطان بواسطة كماشة حديدية ويضعه على السندان كقطعة معدن، ثم “يطرقه” كما يطرق الحديد.
الحكاية لا تختار مهنتها اعتباطاً. في الثقافة الأوروبية القديمة، كان الحداد شخصية مريبة ومهيبة في آن واحد. هو الرجل الذي يسيطر على النار — العنصر المرتبط في المخيلة الدينية بالجحيم والعقاب — لكنه يستخدمها لصالح البشر.
النار والحديد في الفولكلور السلافي يرتبطان بالحماية من الأرواح النجسة. كثير من التقاليد الشعبية كانت تضع مسماراً حديدياً أو أداة معدنية عند الباب لطرد الشياطين. لذلك، فإن هزيمة تشورت داخل ورشة حداد ليست مجرد صدفة سردية، بل استكمال لمنطق رمزي: الحديد المطروق بالنار أقوى من الكائن الذي يُفترض أنه سيد النار.
ما يميز هذه القصة عن نمط “العقد الشيطاني” الأوروبي هو أنها لا تنتهي بمأساة. لا يخسر الحداد روحه، ولا يُخدع في النهاية. بالعكس، هو الذي يخدع تشورت.
هذا يعكس رؤية شعبية ترى في الشر كياناً يمكن ردعه بالحيلة والقوة، لا كقوة مطلقة لا تُقاوم. في كثير من الحكايات السلافية، تشورت ليس عبقرياً خارقاً، بل كائن متعجرف يسقط في الفخاخ.
شهادات وتجارب في القرنين التاسع عشر والعشرين
مع بدايات جمع الفولكلور في روسيا وأوكرانيا وبولندا خلال القرن التاسع عشر، سُجلت روايات عن لقاءات مزعومة مع تشورت. هذه الروايات لم تُعامل كوقائع مثبتة، بل كجزء من المعتقد الشعبي ، ومن بين الأنماط المتكررة في تلك الشهادات:
- أشخاص ضلوا طريقهم في الغابة وقالوا إن “الشيطان أدارهم في حلقة”.
- رجل غريب عُرضت عليه مساعدة مشروطة ثم اختفى فجأة.
- أصوات ضحك أو خطوات قرب طاحونة مهجورة ليلاً.
- حوادث غرق في مستنقعات فُسرت على أنها نتيجة تدخل كائن نجس.
من منظور علم النفس الثقافي، يمكن فهم هذه الروايات باعتبارها محاولات لتفسير الحوادث الغامضة في بيئة تفتقر إلى التفسير العلمي. الغابة الكثيفة، الضباب، الظلام، والخوف، كلها عوامل قادرة على توليد تجارب إدراكية مضللة تُقرأ لاحقاً ضمن إطار المعتقد السائد.
تشورت في اللغة والحياة اليومية
استمر حضور تشورت في اللغة حتى العصر الحديث. في الروسية، تُستخدم الكلمة في سياق الشتائم أو التعبير عن الغضب، كما في عبارات تعني “إلى الجحيم” أو “ليأخذه الشيطان”. هذا الاستخدام اليومي يدل على أن الشخصية لم تبقَ مجرد عنصر فولكلوري، بل أصبحت جزءاً من الوعي اللغوي والاجتماعي.
قراءة تحليلية: كائن أم مرآة ثقافية ؟
عند تفكيك صورة تشورت، تتضح ثلاث طبقات متداخلة:
- طبقة وثنية قديمة تعود إلى أرواح أو كائنات ما قبل المسيحية.
- طبقة مسيحية أعادت تفسيره كشيطان أو ديمون.
- طبقة اجتماعية شعبية جعلته تفسيرًا جاهزاً للضياع، الإغواء، والخطأ الأخلاقي.
تشورت، في النهاية، ليس مجرد شخصية أسطورية، بل نموذج لكيفية تحول الكائنات الميثولوجية عبر القرون، وكيف تتكيف مع تغير العقائد دون أن تختفي.