في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، دخل الباحث والمهندس العراقي معروف الجلبي إلى غرفة عمليات في إحدى العواصم الأوروبية لإجراء عملية جراحية في الأنف ، لم يكن المشهد في ظاهره  أكثر من إجراء طبي عادي: تخدير، أطباء، أدوات جراحية، جسد مستلقٍ تحت الضوء الأبيض، لكن ما حدث بحسب روايته، لم يبق داخل حدود الطب وحده، بل تحول إلى واحدة من أغرب الشهادات العربية عن تجربة الاقتراب من الموت.

بعد سنوات، خصص الجلبي كتاباً كاملاً لهذه الحادثة بعنوان: « آسف... رفضني الموت »، واضعاً لها وصفاً مباشراً: خبرة شخصية في الاقتراب من الموت NDE لم يقدمها كرواية خيالية ولا كوعظ ديني، بل كشهادة شخصية يرى أنها تحمل معنى أعمق من مجرد حادثة طبية عابرة.

لكن ما الذي رآه ؟ وهل كانت تجربته رحلة خارج الجسد، أم حالة وعي مضطربة أثناء التخدير، أم لحظة غامضة تقع في المنطقة الرمادية بين الدماغ والروح ؟

رجل علم أمام تجربة لا تشبه العلم

ما يجعل تجربة معروف الجلبي لافتة ليس مضمونها الغريب فقط، بل صاحبها أيضاً ، فالجلبي لم يكن راوياً شعبياً لحكاية عن الموت والعالم الآخر، بل يُقدم في سيرته بوصفه عالماً عراقياً وقائد أبحاث في الهندسة الميكانيكية الفضائية، درس الهندسة في جامعة كولورادو في الولايات المتحدة وتخرج عام 1969، ثم تابع بحوثاً معمقة في المعهد العسكري التقني في يوغوسلافيا في مجال منظومات المحركات الدافعة العاملة بالوقود الصلب، ونال هناك صفة قائد أبحاث عام 1987.

كما تشير سيرته المهنية إلى عمله في مواقع بحثية وهندسية متعددة داخل العراق، منها وزارة الدفاع، وزارة العلوم والتكنولوجيا، وزارة الصناعة والمعادن، وهيئة التصنيع العسكري، ومشاريع مرتبطة بمنظومات الدفع والصواريخ، إضافة إلى مشاركته ممثلاً عن المؤسسة العامة للصناعات الفنية ضمن وفد القمر الفضائي العربي عربسات ARABSAT.

هذه الخلفية لا تثبت صحة تجربته بالضرورة، لكنها تمنحها قيمة خاصة: فنحن أمام رجل جاء من عالم التصميم، المحركات، الدفع، السرعة، والفضاء، ثم وجد نفسه في لحظة طبية حرجة يصف الموت نفسه بلغة قريبة من اختصاصه: صعود، نفق، سرعة ضوء، فضاء، وكوكب مرمري. 

كأن تجربة الاقتراب من الموت لم تمر عبر مخيلته وحدها، بل عبر قاموسه العلمي أيضاً.

البداية: تخدير لم يكتمل

بحسب ما يرويه الجلبي، بدأت التجربة لا في عالم نوراني، بل في رعب جسدي شديد ، أثناء العملية الجراحية حدث خلل أو إخفاق في التخدير ، كان جسده مشلولاً بفعل المادة المخدرة، لكنه ظل يشعر بالألم ، لم يكن قادراً على الحركة ولا على الصراخ ولا على إبلاغ الأطباء بما يحدث داخله.

هذه اللحظة وحدها تكفي لصناعة رعب كامل: أن يكون الإنسان واعياً، أو شبه واعٍ، بينما جسده عاجز تماماً عن الاستجابة. أن يكون حاضراً داخل ألمه، لكنه غير قادر على الهروب منه.

في الطب الحديث تُعرف مثل هذه الحالات باسم الوعي أثناء التخدير، وهي حالة نادرة لكنها موثقة، قد يتذكر فيها المريض ما جرى حوله أثناء العملية، أو يشعر بالضغط، أو يسمع الأصوات، وفي الحالات الشديدة قد يختبر ألماً أو رعباً أو إحساساً وشيكاً بالموت.

لكن تجربة الجلبي، كما يرويها، لم تتوقف عند هذا الحد ، الألم لم يكن نهاية القصة بل بدا كأنه الباب الأول.

عند عتبة الموت السريري

مع اشتداد الألم وتفاقم الحالة، يصف الجلبي أنه وصل إلى لحظة توقف أو شبه توقف في الوظائف الحيوية، مدة تقارب ثلاث دقائق. هنا يبدأ ما يسميه تجربة الاقتراب من الموت.

وهذه المنطقة تحديداً هي التي تثير أسئلة كبرى في الطب والفلسفة: ماذا يحدث للوعي عندما ينهار الجسد ؟ هل تنطفئ التجربة الداخلية فوراً ؟ أم أن الدماغ، في لحظاته القصوى، يطلق عالماً كاملاً من الصور والمعاني ؟ وهل يمكن للوعي أن يستمر، بطريقة ما، حين تفشل أدوات الجسد ؟

لا توجد إجابة نهائية ، لكن ما يرويه الجلبي يضعنا أمام واحدة من أكثر الشهادات غرابة في هذا المجال.

شريط الحياة: حين تنفتح الذاكرة كلها

أول ما يصفه الجلبي بعد دخوله تلك الحالة هو مشهد مألوف في كثير من تجارب الاقتراب من الموت: مرور الحياة أمام العينين ، لكن في روايته لا تبدو المسألة مجرد ذكريات عابرة، بل عرضاً شاملاً ودقيقاً لحياته، كما لو أن الزمن انضغط في لحظة واحدة ، يرى مراحله الأولى، طفولته، تفاصيل حياته، وربما حتى ما يعتقد أنه يعود إلى مرحلة ما قبل الوعي العادي.

هذا العنصر، المعروف في أدبيات الاقتراب من الموت باسم "مراجعة الحياة"، يظهر في شهادات كثيرة من ثقافات مختلفة ، يصفه البعض كأنه فيلم سريع، ويصفه آخرون كوعي شامل بكل ما فعلوه وشعروا به وأثّروه في الآخرين.

في حالة الجلبي، يبدو الأمر أكثر غرابة؛ فالذاكرة لا تعود بطريقة نفسية عادية، بل كأنها سجل كامل انفتح دفعة واحدة ، وهنا يبدأ السؤال: هل كانت الذاكرة، تحت ضغط الموت، تستعيد نفسها في انفجار عصبي داخلي ؟ أم أن الوعي، في تلك اللحظة، كان يطالع حياته من مستوى آخر ؟

الخروج من الجسد

بعد شريط الحياة، تبدأ المرحلة الأكثر إثارة في الرواية: خروج الجلبي من جسده ، يصف أنه انسحب من غلافه الجسدي ثم صعد مخترقاً سقف المستشفى متجهاً إلى الأعلى بسرعة هائلة ، الجسد بقي في غرفة العمليات، أما الوعي، كما يصفه، فقد انطلق خارج حدود المكان.

هذه التجربة، المعروفة باسم تجربة الخروج من الجسد، من أشهر عناصر الاقتراب من الموت، كثيرون ممن مروا بتجارب مشابهة يروون أنهم رأوا أجسادهم من الخارج، أو شعروا أنهم يحلقون فوق المكان، أو أدركوا ما يحدث حولهم من موقع مختلف عن موقع الجسد.

لكن رواية الجلبي لا تقف عند سقف غرفة العمليات، إنها تتحول سريعاً إلى رحلة كونية كأن المستشفى لم يكن سوى منصة انطلاق.

النفق الشاقولي والأشباح البيضاء

في كثير من شهادات الاقتراب من الموت، يظهر "النفق" كعنصر مركزي: ظلام، ممر، ثم ضوء في نهايته. الجلبي يصف شيئاً قريباً من ذلك، لكنه يضيف إليه خصوصية لافتة: النفق عنده ليس أفقياً، بل شاقولي، كأنه عمود صعود.

داخل هذا النفق تظهر له أشباح بيضاء تمد أيديها باتجاهه ، ومن بين هذه الكيانات يلمح حضوراً شديد الأثر: والدته المتوفاة منذ طفولته.

هذه النقطة تمنح التجربة بعداً عاطفياً عميقاً، فالاقتراب من الموت، في كثير من الشهادات لا يكون فقط رحلة إلى ضوء مجهول، بل لقاء مع الراحلين، وجوه قديمة، أرواح قريبة، أشخاص ماتوا منذ زمن، لكنهم يظهرون في لحظة العبور كأنهم في انتظار القادم الجديد.

هل كانت صورة الأم تعبيراً عن توق دفين وذاكرة جريحة ؟ أم لقاء حقيقياً في مستوى آخر من الوجود ؟ هنا يترك الجلبي القارئ أمام احتمالات مفتوحة.

تجاوز سرعة الضوء

من أغرب ما في تجربة معروف الجلبي أنه لا يروي انتقاله إلى العالم الآخر بلغة دينية فقط، بل بلغة فيزيائية شبه كونية، في إحدى مراحل التجربة، يسمع أمراً أو إحساساً يدفعه إلى اجتياز سرعة الضوء، أو التوجه نحو سرعة لا نهائية.

علمياً، لا يمكن التعامل مع هذه العبارة كواقعة فيزيائية حرفية؛ فسرعة الضوء حد أساسي في الفيزياء الحديثة، لكن رمزياً، تبدو العبارة شديدة القوة: تجاوز سرعة الضوء يعني تجاوز حدود العالم المعروف. تجاوز المكان، الزمن، الجسد، وربما القوانين التي نعيش داخلها.

هنا تظهر شخصية الجلبي بوضوح، فالرجل الذي جاء من خلفية هندسية واهتمام بالفضاء والأبعاد، رأى تجربة الموت بلغة تناسب عقله. آخرون قد يصفونها بعبارات دينية أو صوفية، أما هو فوصفها كما لو كانت رحلة عبر بنية الكون نفسه.

هذه من أجمل زوايا المقال: تجربة الموت لا تأتي دائماً بصورة واحدة، بل تلبس لغة صاحبها ، المؤمن أو المتدين يراها بلغة السماء، المتصوف بلغة النور، والمهندس بلغة السرعة والفضاء والأبعاد.

الكوكب المرمري: عالم لا يشبه الأرض

تبلغ التجربة ذروتها حين يتحدث الجلبي عن وصوله إلى ما يسميه "الكوكب المرمري" ، هناك يرى عالماً غريباً، وشخوصاً ضخمة، وحضوراً غير مألوف، لا يبدو المكان جحيماً ولا فردوساً بالمعنى التقليدي، بل فضاء آخر، شديد الغرابة، أقرب إلى مشهد كوني يتجاوز مخيلة الحياة اليومية.

لكن الأهم من هيئة المكان هو المعنى الذي يخرج به الجلبي من تلك الذروة: الحب.

في كثير من تجارب الاقتراب من الموت، لا يكون الضوء مجرد ظاهرة بصرية، بل شعور شامل بالسلام والقبول والمعنى، يصف بعض العائدين إحساساً غير عادي بالحب غير المشروط، كأنهم واجهوا حقيقة أعمق من اللغة. وفي تجربة الجلبي، يظهر الحب كقيمة مركزية، لا كعاطفة بشرية عابرة، بل كقانون كوني.

هنا يصبح السؤال مختلفاً: هل رأى الجلبي عالماً آخر فعلاً ؟ أم رأى أعمق ما في نفسه ؟ وهل الفرق بين الأمرين واضح كما نعتقد ؟

"لم يحن وقتك بعد"

تنتهي كثير من تجارب الاقتراب من الموت عند حد فاصل: باب، جدار، نهر، ضوء، أو صوت يخبر الشخص أنه لا يستطيع المتابعة. في رواية الجلبي تظهر الفكرة نفسها تقريباً: لم يحن الوقت بعد، وعليه أن يعود.

هذه العبارة البسيطة، المتكررة في شهادات كثيرة حول العالم، هي التي تمنح التجربة اسمها الشعبي: العودة من الموت. فصاحب التجربة لا يشعر أنه استيقظ من حلم، بل أنه أُعيد. كأنه وصل إلى مكان لا يعود منه الناس عادة، ثم تلقى استثناءً مؤقتاً.

ومن هنا جاء عنوان كتابه اللافت: آسف... رفضني الموت.

العنوان لا يقول فقط إن الرجل نجا. بل يوحي بأن الموت نفسه كان له حضور، قرار، باب، وربما نظام لا يسمح بالدخول قبل الأوان.

بين التفسير الطبي والتفسير الروحي

من السهل أن ننقسم أمام هذه القصة إلى فريقين: فريق يراها دليلاً على بقاء الوعي بعد الموت، وفريق يراها نتيجة عصبية لحالة تخدير وألم ونقص أكسجين واضطراب دماغي ، لكن القراءة الأعمق لا تحتاج إلى حسم سريع.

طبياً، يمكن طرح عدة احتمالات: وعي أثناء التخدير، ألم شديد، نقص أكسجين، اضطراب في الإدراك الزمني، نشاط عصبي استثنائي في الدماغ تحت الضغط، أو استعادة كثيفة للذاكرة. هذه كلها احتمالات تستحق النظر.

لكن في المقابل، هناك عناصر يصعب اختزالها بسهولة: الإحساس بالخروج من الجسد، مراجعة الحياة، لقاء الموتى، النفق، الضوء، الشعور بالحب الكوني، والتحول اللاحق في نظرة الإنسان إلى الموت والحياة، هذه العناصر تتكرر في شهادات كثيرة، من ثقافات وأديان وبيئات مختلفة.

ولهذا تبقى تجارب الاقتراب من الموت من أكثر الموضوعات حساسية في دراسة الوعي، إنها لا تثبت الحياة بعد الموت بشكل قاطع، لكنها أيضاً لا تسمح للعلم أن يغلق الملف بسهولة.

لماذا تهمنا تجربة الجلبي عربياً ؟

أهمية هذه القصة لا تأتي فقط من غرابتها، بل من ندرتها عربياً. فمعظم الأدبيات المشهورة عن تجارب الاقتراب من الموت تأتي من الغرب، من أطباء وباحثين ومرضى في سياقات أمريكية وأوروبية، أما هنا فنحن أمام شهادة عربية، كتبها باحث عراقي، بلغة تجمع بين الإيمان، العلم، الفلسفة، والباراسيكولوجيا.

هذه الندرة تجعل تجربة الجلبي مادة مهمة في الثقافة العربية المعاصرة ، فهي تطرح سؤال الموت لا من باب الفتاوى أو الحكايات الشعبية فقط، بل من باب التجربة الفردية: ماذا يحدث عندما يقترب إنسان من النهاية، ثم يعود ليحاول وصف ما لا يوصف ؟

كما أنها تكشف عن شيء أعمق في علاقتنا بالموت. نحن لا نخاف الموت لأنه نهاية بيولوجية فقط، بل لأنه انقطاع في المعنى، تجربة الجلبي، سواء قرأناها روحياً أو نفسياً أو رمزياً، تحاول أن تقول إن النهاية قد لا تكون فراغاً، وإن الوعي في لحظاته القصوى قد يرى الحياة كلها بطريقة لا نعرفها ونحن في أمان الجسد.

تجربة أم رسالة ؟

قد لا يستطيع القارئ أن يخرج من قصة معروف الجلبي بإجابة حاسمة ، وربما لا ينبغي له ذلك ، فالقيمة الحقيقية لهذه التجربة ليست في أن نستخدمها لإثبات عقيدة معينة، أو نفيها، أو تحويلها إلى دليل علمي قاطع ، قيمتها أنها تفتح الباب لسؤال نادر: ماذا لو كان الوعي أعمق مما نظن ؟ ماذا لو كانت لحظة الموت ليست انطفاء فورياً، بل عبوراً معقداً بين الألم، الذاكرة، النور، والخوف؟ وماذا لو كانت أعظم حقيقة يلمحها الإنسان عند الحافة ليست الرعب، بل الحب ؟

في النهاية، تبقى تجربة معروف الجلبي واحدة من أكثر الشهادات العربية إثارة حول الاقتراب من الموت. بدأت من جسد عاجز تحت مشرط الجراحة، ومرت عبر نفق شاقولي وأشباح بيضاء وكوكب مرمري، ثم انتهت بأمر غامض بالعودة.

عاد الرجل ليكتب قصته، وكأن الموت — كما قال عنوان كتابه — اعتذر، ورفض استقباله قبل الموعد.