لم يدخل الدكتور جيفري لونغ عالم "ما وراء الطبيعة" من بوابة الإيمان، ولا من شغف بالغرائب، بل من أكثر الأماكن قسوة وواقعية: غرف علاج السرطان ، هناك حيث يمشي الأطباء يومياً على الحافة بين الحياة والموت، لم يكن الموت فكرة فلسفية بل نتيجة طبية نهائية ، جسد يتوقف، قلب يصمت، دماغ ينطفئ… وتنتهي القصة ، هذا ما تعلمه وهذا ما آمن به.
لكن كل شيء بدأ يتصدع في لحظة عابرة داخل مكتبة طبية، حين صادف مقالاً بعنوان "تجارب الاقتراب من الموت" Near Death Experiences المصطلح نفسه كان غريباً على تكوينه العلمي، كيف يمكن أن يكون هناك "اقتراب" من الموت ؟ إما أن تموت أو لا تموت، لا توجد منطقة رمادية ، قرأ المقال بدافع الفضول… وخرج منه بصدمة.
المقال لم يكن خيالاً، بل دراسة لطبيب قلب تابع مرضى توقف قلبهم بالفعل وتم إنعاشهم، هؤلاء المرضى، أثناء توقف قلوبهم، وصفوا بدقة ما حدث حولهم، لم تكن مجرد مشاعر أو أحلام، بل تفاصيل قابلة للتحقق ، في تلك اللحظة لم يعد السؤال: “ هل هذه قصص غريبة ؟ بل أصبح: " كيف يمكن لعقل متوقف إدراك الواقع؟ "
لونغ لم يقف عند الدهشة، قرر أن يتعامل مع الظاهرة كما يتعامل مع مرض السرطان: بالجمع، التحليل، والتوثيق ، وبعد سنوات أسس مؤسسة أبحاث تجارب الاقتراب من الموت، وبدأ مشروعاً طموحاً وهو جمع أكبر عدد ممكن من هذه التجارب وتحليلها علمياً.
النتيجة كانت غير مسبوقة ، أكثر من 4000 تجربة موثقة من مختلف أنحاء العالم، من أشخاص لا يعرفون بعضهم، ولا ينتمون لنفس الثقافة أو الدين ومع ذلك عندما بدأ يقارن بينها اكتشف شيئًا أربكه أكثر من التجارب نفسها:
التشابه ليس تشابهاً عاماً، بل تفاصيل دقيقة تتكرر: نفس الإحساس بالخروج من الجسد، نفس النفق، نفس النور، نفس اللقاءات، نفس الشعور بالسلام، وحتى نفس "مراجعة الحياة".
هنا، بدأ لونغ يقترب من حافة جديدة، أخطر من الموت نفسه وهو إمكانية أن يكون الوعي شيئاً لا يعتمد بالكامل على الجسد.
قاعدة بيانات الموت: حين تتحول القصص إلى أرقام
لم يعتمد لونغ على روايات فردية أو حالات استثنائية بل تعامل مع الظاهرة كعالم: جمع، صنف، قارن، وبحث عن الأنماط ، النتيجة الأولى كانت صادمة.
التجارب، رغم اختلاف أصحابها في الدين والثقافة واللغة، تتشابه بشكل مذهل ، أشخاص من دول غير غربية وآخرون لا يؤمنون بأي دين، وأطفال صغار… جميعهم وصفوا نفس المشاهد تقريباً.
هنا، لم يعد السؤال: "هل هذا مجرد هلوسة ؟ " ، بل أصبح: " كيف يمكن لآلاف العقول المختلفة أن تهلوس بنفس الطريقة ؟ "
حين يغادر الوعي الجسد… ويرى ما لا يمكن رؤيته
إذا كان هناك عنصر واحد جعل لونغ يتوقف طويلاً، فهو ما يسمى “تجربة الخروج من الجسد” ، هذه ليست مجرد فكرة روحية بل ظاهرة متكررة في مئات الحالات التي درسها.
الوصف يبدأ دائماً تقريباً بنفس الطريقة: الشخص يفقد وعيه، نتيجة حادث أو توقف قلب أو صدمة. ثم بدل أن “ينطفئ” يشعر وكأنه ارتفع، لا كحلم بل كتحول في نقطة الإدراك ، فجأة يصبح خارج جسده وهو ينظر إليه من الأعلى ، لكن الجزء المدهش ليس هذا.
بل ما يحدث بعد ذلك ، المرضى لا يصفون فقط أنهم “رأوا أنفسهم”، بل يروون تفاصيل دقيقة عما كان يحدث حولهم ، أحدهم يصف أداة سقطت من يد طبيب ، آخر يذكر جملة قيلت في غرفة العمليات وهناك من تحدث عن أحداث وقعت في غرف أخرى، بل في أماكن بعيدة عن موقع جسده.
لونغ لم يكتفِ بسماع القصص. قرر التحقق ، فدرس 280 حالة بشكل دقيق وقارن روايات المرضى مع ما حدث فعلياً ، النتيجة كانت صادمة: دقة تصل إلى 98%.
هذا يعني أن شخصاً فاقداً للوعي، بلا نبض ، ربما تحت التخدير، استطاع أن "يرى" ما لا يمكن لجسده أن يراه ، هنا ينهار التفسير التقليدي.
إذا كان الدماغ هو مصدر الوعي، فكيف يعمل الوعي عندما يتوقف الدماغ ؟
وإذا كانت هذه مجرد هلوسة، فكيف تكون دقيقة بهذا الشكل ؟
الأمر لا يتوقف هنا ، بعض الحالات تجاوزت حدود المكان نفسه ، أشخاص وصفوا أحداثاً جرت خارج غرفة العمليات بل خارج المبنى ، وعند التحقيق تبين أنها صحيحة.
لونغ يواجه هنا معضلة علمية حقيقية: لا يوجد تفسير فيزيولوجي يشرح كيف يمكن لدماغ غير نشط أن ينتج إدراكاً دقيقاً للعالم الخارجي.
حالة فيكي… حين ترى من لم ترَ في حياتها
من بين آلاف الحالات، هناك قصة واحدة أصبحت رمزاً لهذا المجال ، امرأة وُلدت عمياء بالكامل ، لم ترَ ضوءاً في حياتها، ولا تعرف معنى “الصورة” ، كل إدراكها للعالم مبني على السمع واللمس ، هذه المرأة، خلال حادث سير، دخلت في تجربة اقتراب من الموت.
ثم حدث ما لا يمكن تفسيره بسهولة ، وصفت نفسها وهي ممددة على النقالة ، رأت الأطباء، رأت تفاصيل الغرفة، رأت حتى خاتمها الذي كانت تعرفه فقط عن طريق اللمس ، لم يكن الأمر مجرد “إحساس” بل رؤية حقيقية.
وعندما عادت، وصفت نوعاً مختلفاً تماماً من الإدراك البصري، لم يكن محدوداً كالرؤية البشرية بل كان شاملاً، ترى كل الاتجاهات في آن واحد، أمامها وخلفها، فوقها وتحتها ، عندما شرح لها لونغ كيف يرى البشر، وأن رؤيتهم محدودة باتجاه معين، لم تستوعب الفكرة.
بالنسبة لها، كان ذلك غير منطقي ، هذه الحالة وحدها تفتح باباً خطيراً: إذا كان الدماغ لم يتعلم الرؤية أساساً، فكيف أنتج تجربة بصرية متكاملة ؟
لا يمكن تفسير ذلك كذاكرة، ولا كهلوسة مبنية على خبرة سابقة ، هل الدماغ يخدعنا ؟ اختبار فرضية المواد المهلوسة
أحد أشهر التفسيرات يقول إن الدماغ عند الموت يفرز مواد كيميائية قوية تسبب هلوسات، الفكرة تبدو منطقية على السطح ، لم يرفضها لونغ بل اختبرها ، ووجد أن بعض الأشخاص الذين مروا بتجارب اقتراب من الموت كانوا قد جربوا مواد مهلوسة مثل DMT، وعندما طُلب منهم المقارنة جاءت الإجابة متكررة: التجربتان مختلفتان تماماً.
الهلوسة غير مستقرة، سريعة، ومليئة بالتشويش أما تجربة الاقتراب من الموت، فهي واضحة متماسكة وتسير بتسلسل منطقي ، بل إن بعض هذه التجارب حدثت أثناء التخدير الكامل عندما يكون الدماغ غير قادر على إنتاج وعي منظم ، هنا يصبح التفسير الكيميائي غير كاف.
الرحلة… من النفق إلى العالم الآخر
عند تجميع آلاف الشهادات يظهر نمط يكاد يكون ثابتاً.
- الخروج من الجسد هو البداية.
- ثم يأتي النفق.
- في نهايته نور لا يشبه أي ضوء أرضي.
- ثم الانتقال إلى عالم مختلف تماماً.
هذا العالم يوصف دائماً بنفس اللغة:
- جمال غير قابل للوصف، ألوان لم تُرَ من قبل، إحساس بالسلام الكامل.
هناك، يلتقي الناس بأحبائهم. ليس كذكريات، بل ككيانات حاضرة.
ثم تأتي اللحظة الأكثر تأثيراً: مراجعة الحياة.
مراجعة الحياة… حيث لا يمكنك الكذب على نفسك
في هذه المرحلة، لا يرى الشخص حياته فقط بل يعيشها مرة أخرى.
يرى أفعاله، لكنه أيضاً يشعر بتأثيرها على الآخرين، يشعر بألم من آذاهم وفرح من ساعدهم.
المثير أن هذه التجربة لا تتضمن حكماً خارجياً ، لا يوجد “قاضٍ” ، الشخص نفسه هو من يرى، ويفهم، ويقيّم.
والنتيجة ؟
أغلب من يعودون يقولون نفس الشيء: الأشياء الصغيرة التي ظنناها بلا قيمة… كانت الأكثر أهمية.
ما الذي يعودون به ؟
بعد كل هذه التجارب، لا يعود الناس كما كانوا.
أثبت لونغ ذلك من خلال دراسة كبيرة قارنت بين من مروا بتجارب اقتراب من الموت ومن لم يمروا بها رغم تعرضهم لنفس الخطر.
الفرق كان واضحاً.
الذين مروا بالتجربة أصبحوا أكثر تعاطفاً، أقل خوفاً من الموت، وأكثر اقتناعاً بأن للحياة معنى.
لم يعودوا يرون الحياة كسباق، بل كتجربة.
السؤال الذي لا ينتهي
بعد عقود من البحث، لا يقول لونغ إنه “أثبت” الحياة بعد الموت بشكل نهائي ، لكنه يقول شيئاً أكثر إزعاجاً:
البيانات لا تتصرف كما يجب أن تتصرف إذا كان الوعي مجرد نتاج للدماغ ، وهنا يقف العلم على حافة سؤال قد يغير كل شيء: ماذا لو كان الموت… ليس النهاية ؟
عند هذه النقطة من التحقيق، قد يبدو أن كل ما قيل يدور حول فئة محددة من البشر: أولئك الذين وجدوا أنفسهم فجأة على حافة الموت، في غرفة عمليات، أو على سرير مرض، أو في لحظة حادث كادت تنهي كل شيء، تجارب الاقتراب من الموت كما وثّقها الدكتور جيفري لونغ وغيره لا تأتي بطلب مسبق ولا تحدث بدافع الفضول بل تُفرض على الإنسان فرضاً في لحظة قصوى، حيث يتوقف الجسد أو يقترب من ذلك الحد الفاصل.
لكن هناك جانباً آخر من القصة، لا يقل إثارة، وربما أكثر إشكالاً.
ما يُعرف بتجارب "الخروج من الجسد" لا يقتصر على من ماتوا سريرياً أو اقتربوا من ذلك بل هناك من يسعون إليها وهم بكامل صحتهم بدافع مختلف تماماً: الرغبة في الاستكشاف، ليست النجاة من الموت، بل محاولة فهم ما وراءه دون المرور به وهنا تبدأ منطقة رمادية جديدة.
على عكس تجارب الموت الوشيك التي تأتي عفوية وغير متوقعة، فإن الخروج من الجسد في هذا السياق يُقال إنه قابل للتحفيز، هناك من يربطه بتقنيات التأمل العميق، أو تمارين اليوغا، أو ما يُسمى “الرحلة الباطنية”، حيث يحاول الإنسان فصل وعيه عن إدراكه الجسدي، والدخول في حالة مختلفة من الوعي.
البعض يصفها بأنها تجربة حقيقية تماماً، لا تقل وضوحاً عن الواقع ، آخرون يرونها مجرد حالات ذهنية عميقة أو أشكال من الحلم الواعي.
لكن الفكرة الجوهرية تبقى واحدة: هل يمكن للإنسان أن “يغادر” جسده دون أن يموت ؟
في التراث الصوفي، نجد إشارات إلى تجارب مشابهة، لكن ضمن سياق مختلف تماماً. لا تُطرح كمهارة عامة ولا كتمرين يمكن لأي شخص أن يتعلمه بل كحالة روحية مرتبطة بسلوك طويل، وتربية خاصة داخل دوائر مغلقة من المريدين، هناك لا يُفصل الأمر عن الأخلاق أو التزكية بل يُحاط بقيود شديدة وكأنه ليس مجرد تجربة، بل مسؤولية.
في المقابل، ظهرت في العصر الحديث محاولات أكثر "تقنية" إن صح التعبير، دورات، كتب، تجارب شخصية منشورة، وكلها تدعي أن الوصول إلى هذه الحالة ممكن عبر خطوات محددة. البعض ينجح في إقناع نفسه أنه عاشها. والبعض يخرج منها بتجربة مربكة لا يعرف كيف يفسرها.
وأنا شخصياً، لم أكتب هذا التحقيق من موقع المتفرج فقط.
لقد شاركت سابقاً تجربة لي في هذا المجال،. كانت محاولة لفهم ما إذا كان هذا "الخروج" ممكناً بالفعل، أم أننا أمام ظاهرة نفسية معقدة لم نفهمها بعد. التجربة لم تكن عابرة، ولا يمكن اختزالها بسهولة، لكنها فتحت أمامي نفس السؤال الذي واجهه لونغ من زاوية مختلفة:
هل الوعي مرتبط بالجسد… أم أنه قادر على تجاوزه ؟
الفرق بين المسارين واضح، لكنه ليس بسيطاً.
في تجارب الاقتراب من الموت، هناك عنصر قسري: الإنسان يُدفع إلى الحافة، ثم يعود حاملًا تجربة لم يخترها.
أما في الخروج من الجسد، فهناك عنصر إرادي: الإنسان يحاول أن يذهب بنفسه، أن يفتح الباب بيده.
لكن السؤال الأهم ليس كيف تحدث التجربة، بل ماذا تعني.
هل نحن أمام نافذة حقيقية على شيء يتجاوز العالم المادي ؟ أم أننا نواجه قدرات غير مفهومة للعقل البشري نفسه ؟
هذا ما سأحاول التعمق فيه في المقال القادم ، لن أتحدث عن تجارب الآخرين فقط بل عن الطرق ، التقنيات، الفرضيات، والحدود الفاصلة بين التجربة الحقيقية والوهم، سأدخل في تفاصيل ما يُقال إنه “الخروج من الجسد” كما يرويه من مارسوه، وسأحاول تفكيك هذه الظاهرة بعيداً عن التهويل، وبنفس الروح التي بدأ بها هذا التحقيق: الفضول… لكن دون أن نتخلى عن السؤال الصعب.
لأن ما بين الموت والحياة، قد لا يكون الفراغ كما نتصور.