في السنوات الأخيرة امتلأت الإنترنت بشهادات أشخاص يقولون إنهم مروا بتجارب اقتراب من الموت أو تجارب الموت الوشيك، أو ما يعرف عالمياً بـ Near Death Experience أو NDE اختصاراً ، بعض هذه القصص يتحدث عن نور وطمأنينة وبعضها الآخر يروي مشاهد مرعبة تتعلق بالعذاب والخوف والانكشاف الكامل أمام الذات ، وبين مئات الروايات القادمة من الغرب تبرز أحياناً شهادات من العالم العربي تحمل طابعاً مختلفاً، ليس فقط بسبب الخلفية الدينية بل بسبب اللغة الروحية التي تصف بها التجربة.

إحدى أكثر هذه الشهادات قسوة وغرابة جاءت من رجل يدعى عبد الرحمن حسين عاش في مجتمع إسلامي، يروي فيها كيف تحول من شخص غاضب على الحياة، ساخط على الله، غارق في الإدمان والأذى، إلى إنسان يرى أن دقائق قليلة خارج الجسد كانت كافية لتغيير كل شيء داخله.

ما يجعل هذه الرواية مثيرة للاهتمام ليس فقط وصفها للعذاب أو الألم بل الطريقة التي تداخلت فيها المشاعر النفسية مع الرموز الدينية، والكيفية التي بدا فيها الموت وكأنه عملية كشف كامل للنفس البشرية، لا مجرد توقف للقلب.

رجل يعيش في خصومة مع العالم

يبدأ عبد الرحمن قصته بالحديث عن حياته قبل الحادث ، ولد في البصرة ثم انتقل إلى بغداد وعاش سنوات طويلة وهو يشعر بالغضب من واقعه،  كان يرى نفسه مظلوماً من الحياة ويشعر أن الله لم يمنحه ما يتمناه من مال أو مكانة أو استقرار.

لم يكن متديناً، بل يصف نفسه بأنه كان بعيداً تماماً عن الإيمان، لم يكن يذهب إلى المسجد إلا نادراً ولم يكن يرى أن لله دوراً في حياته وحتى حين كانت والدته تقول له إن النعم من فضل الله، كان يرد عليها بسخرية وإنكار.

هذا الشعور بالتمرد لم يبقِ داخله فقط، بل انعكس على سلوكه، يتحدث عن إيذائه للناس وعن الاعتداء على أموال الآخرين وعن الغرور والعنف والإدمان، كان يعيش حالة صدام مستمرة مع المجتمع ومع نفسه في الوقت ذاته.

لكن وسط هذا الخراب الداخلي، يشير إلى أمر غريب، يقول إنه رغم كل شيء كان يشعر بحب عميق للإمام الحسين، حب لا يستطيع تفسيره، وكأن جزءاً داخله بقي متصلاً بشيء روحي، حتى وهو غارق في الإنكار والغضب.

هذه المفارقة تظهر كثيراً في شهادات الاقتراب من الموت، أشخاص يعيشون حياة بعيدة عن الدين أو الأخلاق لكنهم يحتفظون في الداخل بخيط رفيع من الإحساس الروحي، خيط يبدو أحياناً كأنه آخر ما يتبقى من الإنسان قبل الانهيار الكامل.

الليلة التي بدأ فيها كل شيء

في عام 2019، كان عبد الرحمن داخل سيارة مع أحد أصدقائه بعد تعاطيه عدة أنواع من المخدرات، يصف اللحظات الأولى بدقة لافتة،  تسارع نبض القلب بشكل عنيف، ثم بدأ يشعر أن شيئاً غير طبيعي يحدث له، طلب من صديقه أن يأخذه إلى المستشفى لكن حالته انهارت بسرعة قبل أن يصلوا.

هنا تبدأ المرحلة التي يعتبرها بداية الخروج من الجسد.

يقول إنه شعر وكأن شيئاً يُسحب من بين أسنانه الأمامية، لم يكن الألم عادياً بل وصفه بأنه أشبه بمحاولة إخراج الإنسان بالكامل من فتحة صغيرة للغاية، كان يشعر أن روحه تُنتزع ببطء شديد وأن الزمن توقف تماماً.

في كثير من روايات الاقتراب من الموت يصف الناس شعوراً بالخفة أو الانفصال الهادئ عن الجسد، لكن رواية عبد الرحمن تختلف جذرياً، لا نور في البداية ولا سلام بل عملية اقتلاع مؤلمة وعنيفة، كان مقتنعاً تماماً أن ما يحدث له مرتبط بأفعاله السابقة وأن هناك جهة ما تخبره ضمنياً بأنه يواجه نتيجة حياته.

الأكثر رعباً بالنسبة له لم يكن الألم فقط، بل الجملة التي سمعها أثناء ذلك: "لا عودة بعد الآن".

هذه العبارة حطمت داخله أي أمل بالنجاة، يقول إن عقله توقف عن التفكير فور سماعها وكأن الإنسان عندما يدرك أن الموت أصبح نهائياً يدخل في حالة مختلفة تماماً عن أي خوف عرفه في الدنيا.

الانفصال عن الجسد ومشاهدة الذات

بعد لحظات، وجد نفسه يرى جسده من الخارج، شاهد السيارة متوقفة قرب المستشفى ورأى الناس يهرعون نحوه ورأى جسده ملقى على الأرض بينما هو يطفو فوق المشهد ، هذا الجزء من التجربة يتكرر بشكل لافت في كثير من شهادات الخروج من الجسد، الإحساس بأن الوعي انفصل عن الجسد المادي وأصبح قادراً على مراقبة المكان من الأعلى.

لكن عبد الرحمن لم يتوقف عند حدود المشاهدة فقط، يقول إن الزمن بدأ يختلط أمامه، كان يرى مشاهد من الماضي والحاضر في وقت واحد، يرى نفسه وهو يتعاطى المخدرات ويرى سيارة الإسعاف، ويرى لحظات متداخلة بطريقة لا يستطيع تفسيرها.

ثم بدأ الصعود.

النفق الأحمر والصوت الذي يشبه احتراق الكون

يتحدث عبد الرحمن عن دخوله في ما يشبه النفق لكن ليس النفق المضيء الذي تصفه القصص الغربية غالباً، كل شيء كان أحمر اللون، ثم سمع صوتاً وصفه بأنه أكثر شيء مرعب يمكن تخيله.

شبه الصوت باحتراق الحديد أو الحطب، لكنه قال إن التشبيه لا يكفي أبداً، كان صوتاً يجعل مجرد سماعه نوعاً من العذاب، حتى قبل أن تبدأ النار نفسها.

هنا تدخل التجربة في مرحلتها الأكثر قسوة.

ظهرت أمامه ما يشبه شاشة تعرض أفعاله الماضية، كل شيء تقريباً عاد إليه: شجاراته، اعتداءاته، إدمانه، إهانته للآخرين، تبذيره للمال، وحتى نواياه الداخلية.

المثير هنا أن التجربة لم تركز فقط على الأفعال الكبيرة، كان يشعر أنه يُحاسب حتى على التفاصيل الصغيرة، على طريقة اللباس، وعلى النية أثناء التصرف، وعلى الكلمات التي قالها بازدراء أو غرور.

هذا النوع من "مراجعة الحياة" معروف في أدبيات تجارب الاقتراب من الموت، كثيرون يتحدثون عن مشاهدة حياتهم كاملة خلال لحظات لكن الفرق أن بعضهم يصف الأمر كفهم هادئ، بينما يصفه عبدالرحمن كمحاكمة مؤلمة وحريق نفسي وروحي.

حين يصبح الإنسان رماداً حياً

أحد أغرب المقاطع في روايته يتعلق بتحوله إلى رماد ، يقول إن النار كانت تحرقه حتى يتفتت بالكامل، لكنه رغم ذلك لم يفقد الوعي، كل ذرة من الرماد كانت حية وتشعر وتتحدث، كان يتمنى أن ينتهي وجوده تماماً لكنه لم يستطع، الألم مستمر والوعي مستمر معه ، هذه الصورة تقترب بشكل مذهل من بعض التصورات الدينية القديمة عن العذاب، حيث لا يؤدي الاحتراق إلى الفناء، بل يتكرر الألم بلا نهاية.

كان يصرخ متسائلاً لماذا خُلق إنساناً أصلاً، ولماذا لم يكن تراباً بلا تكليف ولا ذنب، السؤال هنا ليس فلسفياً فقط بل وجودي تماماً، الإنسان داخل التجربة لا يطلب النجاة، بل يطلب العدم نفسه.

وفي وسط ذلك كله، كان يشعر أن الزمن متوقف، لا توجد دقيقة أو ساعة أو إحساس بالحركة وكأن الألم منفصل عن الزمن الأرضي تماماً.

هذه الفكرة تحديداً تتكرر كثيراً عند من يمرون بحالات نفسية أو روحية شديدة، الإحساس بأن الزمن لم يعد يتحرك يجعل العذاب يبدو أبدياً حتى لو استمر في الواقع دقائق قليلة فقط.

المعرفة التي جاءت بعد الموت المؤقت

ضمن المشاهد التي رآها، يقول عبد الرحمن إنه شاهد تفاصيل عن أشخاص ظلمهم دون أن يعرف حقيقتهم أثناء حياته، يتحدث عن مال أخذه من شخص فقير دون أن يعلم أنه مال يتيم أو أن صاحبه يعيش ظروفاً صعبة.

بعد نجاته، حاول التحقق من بعض ما رآه ويقول إنه اكتشف معلومات حقيقية عن ذلك الشخص وعن قريته وحالته المادية.

هنا تبدأ المنطقة الأكثر إثارة للجدل في مثل هذه القصص، هل كان ما رآه مجرد إسقاطات من عقله الباطن ؟ هل المخدرات صنعت تجربة هلوسية معقدة ؟ أم أن الإنسان في ظروف الموت يمر بحالة وعي مختلفة فعلاً ؟

العلم حتى اليوم لا يملك إجابة نهائية، بعض الباحثين يفسرون تجارب الاقتراب من الموت باعتبارها نشاطاً دماغياً شديداً يحدث في اللحظات الحرجة بينما يرى آخرون أن بعض الحالات تتضمن تفاصيل يصعب تفسيرها مادياً فقط.

لكن بغض النظر عن التفسير، تبقى النتيجة النفسية واضحة، التجربة غيّرت الرجل بالكامل.

النسيم البارد الذي أوقف النار

بعد مراحل العذاب الطويلة، شعر عبد الرحمن بشيء مختلف تماماً، نسيم بارد خفيف وسط النار ، يصف اللحظة وكأن شعرة رقيقة مرت داخل الجحيم ثم بدأ النسيم يزداد قوة وبدأت النار تتراجع شيئاً فشيئاً ، هذا التحول من الرعب المطلق إلى الرحمة المفاجئة يحمل بنية رمزية واضحة، ففي معظم التجارب الروحية الكبرى، يأتي الخلاص بعد الوصول إلى أقصى درجات الانهيار.

يقول إنه صعد بعدها إلى مكان أخضر شديد الجمال، مليء بالنور والطمأنينة. لم يعد يشعر بالخوف، بل أحس برحمة لا يمكن وصفها، حتى الألوان بدت مختلفة عن ألوان الدنيا، أكثر عمقاً ونقاءً.

ثم سمع صوت امرأة تخبره أن هناك عزاءً باسمه.

كان يرتدي، بحسب وصفه، ملابس بيضاء لا يمكن للبشر صنع مثلها، ويقول إن صوت المرأة كان مليئاً بالرحمة لدرجة جعلت المكان كله يزداد جمالاً ونوراً.

هنا تظهر صورة الجنة أو العالم العلوي بوصفه مكاناً للسكينة المطلقة، لا مجرد مكافأة مادية، الراحة نفسها كانت شيئاً لا يمكن مقارنته بأي متعة أرضية.

والأهم أنه لم يكن يريد العودة.

العودة القسرية إلى العالم

رغم توسلاته بالبقاء، شعر فجأة بقوة تسحبه إلى الأسفل ثم فتح عينيه داخل المستشفى ، كان الأطباء والمحيطون به يحاولون فهم ما حدث بينما هو يبكي بشكل متواصل ، يقول إنه استمر في البكاء أياماً كاملة بعد الحادثة، وكأن شيئاً داخله انكسر ثم أعيد تشكيله من جديد ، تغيرت نظرته للحياة بالكامل ، لم يعد يفكر بالطريقة نفسها، ولم يعد يرى المال أو الغرور أو التمرد كما كان يراها سابقاً.

يركز كثيراً على فكرة الاحترام بعد التجربة ، احترام الناس، احترام النفس، احترام الجسد، وحتى احترام الكلمات الصغيرة التي يقولها الإنسان يومياً.

في نظره، لم يكن العذاب بسبب جريمة واحدة ضخمة، بل بسبب تراكم طويل من القسوة والغرور والأذى اليومي.

لماذا تترك هذه القصص أثراً عميقاً ؟

سواء صدقنا التفسير الغيبي الكامل لهذه التجارب أو تعاملنا معها كتجارب نفسية عصبية معقدة، تبقى الحقيقة أن تأثيرها على أصحابها حقيقي جداً ، الكثير ممن مروا بتجارب مشابهة يعودون بتغيرات جذرية في الشخصية، يقل خوفهم من الموت أحياناً أو يصبحون أكثر روحانية أو يعيدون تقييم حياتهم بالكامل.

وربما يكمن سر تأثير هذه القصص في أنها تضع الإنسان أمام فكرة قديمة جداً: ماذا لو كان كل شيء نفعله يُسجل بطريقة ما؟ ماذا لو كانت نوايانا نفسها جزءاً من الحساب؟

عبدالرحمن لم يعد من تجربته وهو يحمل معلومات علمية عن العالم الآخر، بل عاد وهو يحمل شعوراً طاغياً بالندم، وشعوراً آخر أكثر غرابة: أن الرحمة موجودة حتى بعد أقسى لحظات العذاب.

وهذا ربما أكثر ما يجعل قصته عالقة في الذهن. ليس النار، ولا الرعب، ولا الصراخ الكوني الذي وصفه، بل ذلك النسيم البارد الصغير الذي ظهر فجأة وسط كل شيء، وكأنه إعلان بأن باب العودة لم يُغلق تماماً بعد.

لماذا يتجنب المسلمون الحديث عن تجارب الموت الوشيك ؟

هناك مفارقة غريبة تلفت الانتباه فعلاً ، الغرب - رغم ماديته الحديثة -  يتحدث عن تجارب الاقتراب من الموت بحرية هائلة، آلاف الكتب، المقابلات، الدراسات، والأفلام الوثائقية تتناول أشخاصاً خرجوا من أجسادهم أو رأوا عالماً آخر أو مروا بمراجعة لحياتهم،  أما في العالم الإسلامي فرغم أن فكرة الروح والبرزخ والملائكة والعذاب والرحمة جزء أصيل من العقيدة يبقى الحديث عن هذه التجارب محدوداً، خافتاً، وأحياناً مخيفاً لأصحابه أنفسهم.

كأن المسلم يعيش تناقضاً غريباً ، دينه مليء بالكلام عن الموت وما بعده، لكنه يتردد كثيراً عندما يواجه شخصاً يقول: "لقد رأيت شيئاً".

في الغرب، تُعامل هذه التجارب غالباً كظاهرة إنسانية أو نفسية تستحق النقاش، قد يؤمن بها البعض وقد يرفضها آخرون لكن المجتمع لا يعتبر مجرد روايتها خطراً عقائدياً، أما عند المسلمين فغالباً ما يبدأ القلق فوراً: هل هذا حقيقي أم شيطاني ؟ هل يجوز الحديث عنه ؟ هل يعتبر ادعاءً للغيب ؟ هل صاحبه صادق أم واهم ؟

هذه الحساسية لم تأتِ من فراغ، بل لها جذور عميقة في الثقافة الإسلامية، فالمسلم تربى على أن عالم الغيب منطقة شديدة الخطورة، وأن الكذب فيها من أعظم الذنوب، وأن أي ادعاء غير منضبط قد يفتح الباب للخرافة أو الدجل أو الانحراف العقائدي، ومع الزمن، تحول هذا الحذر الصحي أحياناً إلى خوف كامل من الاقتراب من الموضوع أصلاً.

لكن المشكلة أن هذا الخوف جعل كثيراً من المسلمين يتعاملون مع تجارب الموت كأنها "تابو" غير معلن، رغم أنها قد تكون من أكثر الأشياء القادرة على إيقاظ الإيمان داخل الإنسان الحديث.

الغربي المادي عندما يسمع قصة شخص خرج من جسده ثم عاد، فهو يصطدم لأول مرة بفكرة أن الوعي ربما لا ينتهي بالموت، أما المسلم، فمن المفترض أن تكون هذه القصص امتداداً طبيعياً لتصوراته عن البرزخ والروح والحساب. ومع ذلك، يحدث العكس أحياناً، الغربي يناقش، والمسلم يصمت.

والسبب في رأيي أن الثقافة الإسلامية المعاصرة أصبحت دفاعية أكثر مما ينبغي.

خلال القرنين الأخيرين، تعرض المسلمون لهجوم فكري ضخم من الحداثة والعلمانية والمادية، فأصبح الخطاب الديني يخاف من أي مساحة قد تُتهم بالخرافة، لذلك جرى التضييق على الأحلام والرؤى والتجارب الروحية وحتى القصص الشخصية المتعلقة بالموت أو العالم الآخر، رغم أن التراث الإسلامي نفسه مليء بها.

إذا عدنا إلى كتب التراث، سنجد كماً هائلاً من الروايات عن الاحتضار، وعن أشخاص رأوا أشياء قبل الموت، وعن تغير وجوه الناس ساعة الوفاة، وعن أحلام ورؤى أثرت في مجتمعات كاملة. لم يكن المسلم القديم يرى أن كل تجربة روحية خطر يجب دفنه فوراً.

بل إن التصوف الإسلامي بُني جزئياً على فكرة أن الإنسان قادر على تذوق حقائق روحية تغير إدراكه للعالم. وحتى علماء العقيدة الذين كانوا يحذرون من المبالغات لم ينكروا أصل التجربة الإنسانية نفسها.

لكن المسلم الحديث يعيش في بيئة مختلفة ، هو خائف من السخرية العلمية، وخائف من رجال الدين، وخائف من اتهامه بالجهل، وخائف أيضاً من أن ينجرف الناس نحو الدجل. لذلك يفضل كثيرون الصمت.

هناك مساحة ثقافية أوسع للتعامل مع البعد العاطفي والميتافيزيقي للدين، بينما يميل الخطاب الاسلامي الحديث غالباً إلى الانضباط العقلي الصارم والخوف من أي شيء قد يبدو غير قابل للقياس.

لكن هل هذا الصمت مفيد فعلاً ؟

من الصعب إنكار التأثير الهائل الذي تتركه هذه التجارب على الناس ، الكثير ممن يسمعونها لا يتحولون إلى خرافيين، بل إلى أشخاص أكثر وعياً بالموت، وأكثر انتباهاً لأخلاقهم، وأكثر إدراكاً لهشاشة الحياة.

عندما تسمع شخصاً يقول إنه شعر أن كل كلمة جارحة قالها عادت إليه كألم، أو أن الغرور نفسه كان نوعاً من العذاب، فأنت لا تتعامل فقط مع قصة رعب ميتافيزيقية، بل مع إعادة تعريف للأخلاق نفسها. يصبح الدين فجأة شيئاً وجودياً حقيقياً، لا مجرد طقوس جامدة.

الإنسان الحديث يعيش أزمة ضخمة مع المعنى.

العلم أعطاه تفسيراً للمادة، لكنه لم يعطه جواباً كافياً عن الوعي، ولا عن معنى الألم، ولا عن سر الإحساس الأخلاقي العميق داخل البشر. لذلك تنتشر هذه القصص بقوة حتى في المجتمعات المادية، لأنها تلامس سؤالاً لا يزال مفتوحاً: 

هل نحن مجرد أجساد تنطفئ، أم أن هناك شيئاً أكبر ؟

من هنا تأتي أهمية الحديث المتوازن عن هذه التجارب.

ليس باعتبارها "دليلاً قاطعاً" على كل تفاصيل الآخرة، ولا باعتبار كل رواية حقيقة مطلقة، بل باعتبارها نافذة إنسانية مثيرة للتأمل. نافذة تجعل الإنسان يعيد التفكير في نفسه، وفي الموت، وفي معنى المسؤولية الأخلاقية.

وربما المشكلة ليست في التجارب نفسها، بل في طريقة تعاملنا معها.

إما تصديق أعمى يحولها إلى أساطير، أو رفض متوتر كأن مجرد سماعها خطر على العقيدة. بينما يمكن التعامل معها بهدوء أكبر: نستمع، نتأمل، نفكر، دون أن نفقد توازننا العقلي أو الديني.

في النهاية، أكثر ما يلفتني في قصص الاقتراب من الموت ليس النار ولا الأنفاق ولا الخروج من الجسد، بل شيء آخر تماماً: أن أغلب من يعودون منها يتغيرون أخلاقياً قبل أي شيء آخر ، يصبحون أقل غروراً، أقل تعلقاً بالمظاهر، وأكثر إحساساً بالناس وبالمعنى.

وهذا بحد ذاته يستحق الانتباه.