في منتصف سبعينيات القرن العشرين أثار كتاب رايموند مودي الشهير "الحياة بعد الحياة" اهتمام ملايين القراء حول العالم، كان الكتاب يعرض شهادات أشخاص مروا بحالات موت سريري أو اقتربوا من الموت ثم عادوا للحياة وهم يحملون ذكريات غريبة ومثيرة ، لكن بالنسبة للمحامي والإعلامي الأمريكي مارتن تانر لم تكن هذه القصص كافية لإقناعه.

قرأ تانر الكتاب بعين المتشكك، أراد أن يعرف إن كانت هذه الروايات مجرد أحلام وهلوسات تنتج عن دماغ يحتضر، أم أنها تشير إلى ظاهرة حقيقية لم يفهمها العلم بعد، ومن هذا السؤال البسيط بدأت رحلة بحث استمرت ثلاثة وثلاثين عاماً.

خلال هذه العقود الطويلة شارك تانر في تأسيس فرع ولاية يوتا من الجمعية الدولية لدراسات الاقتراب من الموت عام 1990، وأجرى مئات المقابلات مع أشخاص من مختلف الأعمار والأديان والثقافات، استمع إلى أطفال وملحدين ومتدينين وأطباء وجنود وربات منازل، بعضهم عاش التجربة لثوانٍ معدودة وبعضهم تحدث عن ساعات كاملة بدت لهم وكأنها رحلة خارج حدود العالم المعروف.

بعد كل هذه السنوات خرج الرجل بقناعة واضحة، لم تعد القضية بالنسبة له مجرد فضول فكري بل أصبحت أحد أهم الأسئلة الوجودية التي واجهها في حياته.

القاسم المشترك بين آلاف التجارب

حين يتحدث الناس عن تجارب الاقتراب من الموت فإنهم غالباً يركزون على التفاصيل المدهشة: الأنفاق المضيئة، اللقاء بالأقارب المتوفين، الخروج من الجسد، أو مشاهدة كائنات نورانية، لكن تانر يرى أن التركيز على هذه المشاهد وحدها يضيع الصورة الأكبر.

فمن خلال دراسته لمئات الحالات لاحظ أن التجارب تختلف في تفاصيلها، لكنها تتشابه في آثارها العميقة على الأشخاص الذين مروا بها، يشبه الأمر أشخاصاً سافروا إلى بلد واحد لكنهم زاروا مدناً مختلفة داخله، قد تختلف الروايات إلا أن هناك عناصر مشتركة تجعل الباحث يشعر أن الجميع يتحدث عن واقع واحد من زوايا متعددة.

بعض الأشخاص يصفون خروجاً من الجسد ومراقبة الأطباء أثناء محاولة إنقاذهم، آخرون يتحدثون عن نفق يقود إلى نور شديد السطوع، هناك من يلتقي بأقارب متوفين وهناك من يعيش مراجعة كاملة لحياته،  لكن ما يثير اهتمام تانر أكثر من هذه المشاهد هو ما يحدث بعد العودة.

فالناس يعودون أشخاصاً مختلفين.

تجربة الموت التي تقتل الخوف منه

أكثر نتيجة تكررت أمام تانر خلال ثلاثة عقود كانت اختفاء الخوف من الموت ، كثير من العائدين من هذه التجارب يقولون إنهم لم يعودوا يخشون الموت كما كانوا من قبل، ليس لأنهم أصبحوا يائسين من الحياة أو راغبين في مغادرتها بل لأنهم اكتسبوا شعوراً عميقاً بأن الوعي لا ينتهي عند توقف القلب.

يصف بعضهم التجربة بأنها أكثر واقعية من الحياة اليومية نفسها ، وعندما يسألهم تانر كيف يميزون بينها وبين الحلم تأتي الإجابات متشابهة بصورة لافتة، يقولون إن الأحلام تبدو ضبابية ومتغيرة أما تلك التجربة فكانت حادة وواضحة وممتلئة بإحساس لا يمكن نسيانه.

وقد لاحظ الباحث الأمريكي أن هذا التحول يظهر حتى لدى الأشخاص الذين لم يكونوا متدينين أصلاً، بعضهم كان ملحداً أو لا أدرياً قبل التجربة، لكنه عاد مقتنعاً بأن الوجود أوسع بكثير مما كان يتصور.

الطفلة كريستال وبداية التحول

من أوائل الحالات التي أثرت في تانر قصة طفلة تدعى كريستال ، كانت في السابعة من عمرها حين سقطت في قاع مسبح مزدحم أثناء حفلة عيد ميلاد، بقيت تحت الماء فترة طويلة قبل أن ينتبه إليها أحد، نقلت إلى العناية المركزة في حالة حرجة، لكن المفاجأة جاءت عندما استعادت وعيها.

أثناء الفحوصات الطبية المعتادة أخبرت الأطباء أنها ذهبت إلى السماء ورأت الله والسيد المسيح، لم يكن الطبيب المعالج آنذاك شخصاً متديناً، بل كان ينظر إلى الموضوع بعين الشك، ومع ذلك استمع إلى الطفلة وهي تروي تفاصيل كثيرة بثقة كاملة.

ما لفت انتباه تانر ليس الجانب الديني في القصة بل طبيعة السرد نفسه، فالطفلة تحدثت عن مشاهد رأت فيها أفراد عائلتها أثناء وجودها في المستشفى، وروت تفاصيل قالت إنها لم تكن قادرة على معرفتها بالطرق العادية ، هذه القضية كانت من أولى القضايا التي دفعته للتساؤل بجدية عما إذا كانت بعض جوانب الظاهرة تتجاوز التفسيرات النفسية البسيطة.

مراجعة الحياة: المحكمة التي لا يوجد فيها قاض

من أكثر العناصر تكراراً في شهادات البالغين ما يسمى "مراجعة الحياة" ، يصف العائدون مشهداً يرون فيه حياتهم بأكملها وكأنها فيلم بانورامي ثلاثي الأبعاد، لا يقتصر الأمر على مشاهدة الذكريات بل يتضمن الشعور بمشاعر الأشخاص الآخرين الذين تأثروا بأفعالهم.

يتذكر أحدهم كلمة طيبة قالها لشخص قبل عقود، ثم يشعر خلال المراجعة بالأثر الذي تركته تلك الكلمة في حياة ذلك الإنسان ويتذكر آخر موقفاً جارحاً تسبب فيه لأحدهم، فيختبر الألم الذي أحدثه.

هنا تبرز نتيجة مهمة لاحظها تانر مراراً، الأشخاص الذين يعيشون هذه المراجعة لا يعودون مهووسين بالمال أو الشهرة أو المكانة الاجتماعية بل يبدأون في التركيز على العلاقات الإنسانية والأعمال الصغيرة التي تنشر الخير.

إحدى النساء التي قابلها كانت تتذكر زيارة قامت بها وهي طفلة لدار للمسنين، في ذلك الوقت لم تعتبر الأمر مهماً، لكن خلال مراجعة حياتها رأت مقدار السعادة التي أدخلتها أغانيها البسيطة إلى قلوب أولئك المسنين.

مثل هذه القصص دفعت تانر إلى استنتاج أن ما يراه الناس في تلك المراجعة ليس إنجازاتهم المادية، بل تأثيرهم الإنساني.

الحب باعتباره الحقيقة الكبرى

إذا كان هناك مفهوم واحد يتكرر في شهادات العائدين أكثر من أي شيء آخر فهو الحب، بغض النظر عن الخلفية الدينية أو الثقافية، يصف كثيرون لقاءهم بكيان أو حضور روحي هائل يشع حباً وقبولاً بصورة تفوق أي تجربة عاشوها في حياتهم الأرضية.

أحد الجنود السابقين الذي عاش حياة مليئة بالغضب والعنف أخبر تانر أن الحب الذي شعر به خلال تجربته يفوق حب والديه بملايين المرات، لم يكن يتحدث عن عاطفة رومانسية أو مشاعر مؤقتة، بل عن حالة من القبول المطلق والرحمة العميقة.

ويقول تانر إن هذا الأثر ينعكس مباشرة على حياة العائدين، فهم يعودون برغبة أكبر في مساعدة الآخرين، وأكثر ميلاً إلى التسامح والتعاطف.

لماذا يصبح العائدون أكثر اهتماماً بالتعلم ؟

من الظواهر التي أدهشت تانر أن كثيراً من الأشخاص يعودون بشغف جديد نحو المعرفة ، بعضهم يعود إلى الدراسة بعد سنوات طويلة من الانقطاع، آخرون يغيرون تخصصاتهم المهنية بالكامل. كثيرون يصبحون أكثر اهتماماً بالفلسفة والروحانية والعلوم الإنسانية.

يبدو أن مواجهة احتمال الموت تدفع الإنسان إلى إعادة تقييم أولوياته. فما كان يبدو مهماً يفقد جزءاً من قيمته، بينما تكتسب المعرفة والنمو الشخصي مكانة أكبر.

هذا التحول لا يحدث بسبب الخوف، بل نتيجة شعور بأن الحياة تحمل معنى أعمق مما كان يعتقده الفرد سابقاً.

الأطفال كشهود استثنائيين

من أكثر ما أثر في قناعة تانر مقابلاته مع الأطفال، فالأطفال لا يملكون عادة الخلفية الثقافية أو الدينية المعقدة التي تسمح لهم ببناء روايات فلسفية طويلة ومع ذلك تتشابه قصصهم بشكل لافت مع قصص البالغين.

كان بعض الأطفال يتحدث عن أشخاص مضيئين أو أماكن جميلة أو لقاءات مع أفراد من العائلة المتوفين، لكنهم يستخدمون لغة بسيطة تتناسب مع أعمارهم.

لاحظ تانر أيضاً أن الأطفال نادراً ما يتحدثون عن مراجعة الحياة التي يصفها البالغون، ويفسر ذلك بأن الطفل لم يعش بعد حياة طويلة مليئة بالقرارات والمسؤوليات الأخلاقية التي تستدعي مثل هذه المراجعة.

الحالات التي يصعب تجاهلها

من أكثر ما جذب اهتمام الباحثين في هذا المجال ما يعرف بالحالات التحققية، وهي الحالات التي يدعي فيها الشخص أنه حصل على معلومات لم يكن من الممكن معرفتها عبر الحواس الطبيعية أثناء وجوده في حالة فقدان وعي أو موت سريري ، من أشهر الأمثلة التي ناقشها تانر قصة امرأة عمياء منذ الولادة تعرضت لحادث سير، أثناء تجربتها وصفت مشاهد وأشياء قالت إنها رأتها من أعلى، رغم أنها لم تبصر في حياتها قط، كما أشار إلى حالات أخرى لأشخاص وصفوا إجراءات طبية جرت أثناء توقفهم السريري بدقة أدهشت الطواقم الطبية ، هذه الروايات لا تمثل دليلاً قاطعاً على وجود حياة بعد الموت لكنها تظل من أكثر الجوانب إثارة للجدل في أبحاث الاقتراب من الموت.

تجربة بام رينولدز والجدل المستمر

من أشهر القضايا التي تناولها الباحثون حالة بام رينولدز، خضعت رينولدز لعملية جراحية معقدة في الدماغ تطلبت خفض حرارة جسدها إلى مستويات شديدة الانخفاض وإيقاف وظائف حيوية عديدة بشكل مؤقت، لاحقاً روت تفاصيل قالت إنها شاهدتها أثناء العملية، بما في ذلك أدوات جراحية وإجراءات محددة.

تحولت القضية إلى واحدة من أشهر الحالات في تاريخ أبحاث الاقتراب من الموت، وما زالت محل نقاش بين المؤيدين والمنتقدين حتى اليوم.

اختلاف الأديان وتشابه التجربة

من النتائج اللافتة التي خرج بها تانر أن تجارب الاقتراب من الموت لا تقتصر على دين أو ثقافة معينة.

فالمسيحي قد يفسر الكائن النوراني على أنه المسيح والمسلم قد يصفه بأنه أحد الملائكة أو الملاك جبريل، أما الملحد فقد يستخدم تعبيرات مثل "المصدر" أو "الوعي الكوني".

لكن خلف هذه الاختلافات اللغوية يرى تانر تشابهاً جوهرياً في التجربة نفسها ، إنها الظاهرة ذاتها تقريباً، لكن كل شخص يصفها من خلال القاموس الثقافي والديني الذي يعرفه.

ولهذا يعتقد أن دراسة هذه التجارب تكشف عن جانب إنساني عالمي يتجاوز الحدود الدينية والطائفية.

هل رأى بعضهم المستقبل ؟

تناول تانر أيضاً جانباً مثيراً للجدل يتعلق بالرؤى المستقبلية ، بعض أصحاب تجارب الاقتراب من الموت يزعمون أنهم شاهدوا أحداثاً لم تقع بعد. بعض هذه الرؤى يتعلق بكوارث أو صراعات أو تغيرات اجتماعية كبرى.

لكن تانر لا يتعامل مع هذه الروايات باعتبارها نبوءات حتمية. فقد لاحظ أن كثيراً من أصحابها يؤكدون أن المستقبل الذي رأوه كان مجرد احتمال من عدة احتمالات، وأن أفعال البشر قادرة على تغييره.

من هنا يرى أن القيمة الحقيقية لهذه الرؤى ليست التنبؤ بالأحداث، بل دفع الناس إلى التفكير في نتائج اختياراتهم الأخلاقية.

النتيجة التي توصل إليها بعد 33 عاماً

بعد آلاف الساعات من المقابلات والقراءة والتحليل، وصل مارتن تانر إلى نتيجة واضحة ، هو لا يرى تجارب الاقتراب من الموت مجرد أحلام أو هلوسات عابرة، بل يعتبرها ظاهرة إنسانية حقيقية تستحق الدراسة الجادة، وقد اقتنع بأن تأثيرها العميق والمستمر على حياة الأشخاص يصعب تفسيره باعتباره وهماً عابراً.

لكن الأهم من ذلك أن الرسالة المشتركة التي وجدها في معظم الشهادات لم تكن تتعلق بالموت بل بالحياة نفسها.

العائدون من الموت لا يعودون وهم يتحدثون عن الثروة أو النفوذ أو الشهرة، بل يتحدثون عن الحب والتعاطف وخدمة الآخرين واكتساب المعرفة، يتحدثون عن أهمية الأفعال الصغيرة التي قد تبدو تافهة لكنها تترك أثراً لا يُقاس في حياة البشر.

وربما لهذا السبب استمر تانر في دراسة هذه الظاهرة أكثر من ثلاثة عقود، فسواء اتفق المرء مع تفسيراته أم اختلف معها، تبقى الحقيقة أن هذ