ماذا يرى الإنسان عندما يقترب من الموت ؟ ، في كثير من الروايات الغربية عن تجارب الاقتراب من الموت NDE تتكرر صور أصبحت مألوفة: الخروج من الجسد، المرور في نفق، ضوء ساطع، إحساس عميق بالسلام، لقاء أقارب متوفين، أو استعراض أحداث الحياة في لحظات.
لكن ماذا يحدث عندما تأتي التجربة من ثقافة مختلفة تماماً ؟
دراسة حديثة أجريت على عينة صينية كشفت عن مفارقة لافتة: بعض العناصر التي وصفها المشاركون تشبه كثيراً ما ورد في تجارب الاقتراب من الموت حول العالم، لكن في عدد محدود من الروايات ظهرت أيضاً شخصيات وأماكن تنتمي بوضوح إلى التصورات الصينية التقليدية لعالم الموتى.
فبدلاً من صور العالم الآخر المألوفة في الثقافة الغربية، ظهرت بوابة غويمن، وشخصيتا الأسود والأبيض عديمي الدوام، وللورد تشنغهوانغ إلى جانب مشاهد الحساب والكارما والتناسخ.
فهل تتغير تجربة الاقتراب من الموت بحسب الثقافة التي نشأ فيها الإنسان ؟
63 مشاركاً وتجارب على حافة الموت
نُشرت الدراسة في Frontiers in Psychology وأجراها فريق بقيادة يوفَي شيويه Yufei Xue بمشاركة باحث الوعي ستيفن لوريس Steven Laureys وهايبو دي Haibo Di وآخرين.
جمع الباحثون مشاركين عبر منصات التواصل الاجتماعي الصينية، ثم استخدموا مقياساً صينياً متخصصاً في محتوى تجارب الاقتراب من الموت، إضافة إلى روايات مفتوحة يصف فيها المشاركون تجاربهم بكلماتهم.
شملت الدراسة 63 شخصاً حيث جرى تصنيف 23 حالة على أنها تجارب اقتراب من الموت وفق الإفادات والمقياس المستخدم، و25 على أنها تجارب شبيهة بالاقتراب من الموت، بينما جاءت 15 حالة دون العتبة المحددة، وحلل الباحثون نوعياً 48 رواية صالحة بالتفصيل.
لكن من الضروري التنبيه منذ البداية إلى أن التصنيف اعتمد على إفادات المشاركين، ولم تكن لدى الباحثين سجلات طبية تؤكد أن أصحاب الحالات المصنفة NDE كانوا جميعاً في حالات تهدد حياتهم طبياً.
ومع ذلك، ظهرت أنماط مألوفة بصورة لافتة.
من بين 23 رواية عن تجارب اقتراب الموت NDE، ورد الشعور بالسلام في 12 حالة، والضوء الساطع في 10، والخروج من الجسد في 10، بينما ظهر استعراض أحداث الحياة في 7 حالات.
كما تحدث بعض المشاركين عن لقاء كيانات أو أشخاص متوفين أو وجود روحي، وهي عناصر معروفة في أدبيات NDE في ثقافات أخرى ، لكن بين هذه الروايات ظهرت مشاهد يصعب فصلها عن الثقافة الصينية.
بوابة غويمن: العبور إلى عالم الموتى
في إحدى الروايات وصف صاحب التجربة وصوله، بعد نهاية نفق، إلى عالم أبيض واسع توجد فيه بوابة حجرية متهالكة، وقال إنه عرف بطريقة ما أنها غويمن غوان Guimen Guan أي "بوابة الأشباح" أو "ممر الأشباح".
بوابة غويمن ليست مكاناً مثبتاً بطبيعة الحال، وإنما صورة متجذرة في المعتقدات الشعبية والدينية الصينية المتعلقة بالموت والعالم السفلي.
في التصورات التقليدية تمثل البوابة حداً فاصلاً بين عالم الأحياء وعالم الموتى؛ فالروح التي تغادر عالم البشر تبدأ عبورها نحو المجال الآخر، حيث تنتظرها مراحل الحساب والمصير بعد الموت.
ولهذا فإن ظهور بوابة في تجربة اقتراب الموت NDE ليس غريباً من ناحية البناء الرمزي للتجربة: فكرة "الحد" أو "الممر" أو الانتقال من مكان إلى آخر تظهر أيضاً في روايات من ثقافات مختلفة، لكن الاسم والشكل والمعنى الذي أعطي لهذا الحد هنا جاء من المخزون الثقافي الصيني.
الأسود والأبيض عديما الدوام
في رواية أخرى ظهرت شخصيتان أكثر غرابة بالنسبة للقارئ العربي: هي وو تشانغ Hei Bai Wuchang المعروفتان عادة باسم "الأسود والأبيض عديمي الثبات" وهما شخصيتان شهيرتان في الديانة الشعبية الصينية وصور العالم السفلي، غالباً ما يصور أحدهما مرتدياً الأسود والآخر الأبيض، وترتبط مهمتهما بالموت ومرافقة أرواح الموتى إلى العالم الآخر حيث يجري الحساب.
يمكن تشبيههما من حيث الوظيفة السردية بـ"رسل الموت"، وإن كانت خلفيتهما ومكانتهما تختلفان عن مفهوم ملك الموت في الديانات الإبراهيمية.
أحد المشاركين في الدراسة قال إنه كان يتوقع مجيء الأسود والأبيض لأخذه، وربط تجربته بفكرة استمرار الروح في عالم يقع بين الـ"يين" والـ"يانغ" وبأن أفعال الإنسان تسجل ثم تراجع بعد الموت لتؤثر في تناسخه التالي.
وهذه العبارة مهمة جداً في تفسير النتيجة، فهو لم يقل فقط إنه شاهد شخصيتين غريبتين ثم تعرف إليهما لاحقاً؛ بل تحدث عن توقعه مجيئهما، وهذا يفتح مباشرة سؤال تأثير المعرفة والمعتقدات السابقة في بناء تجربة الاقتراب من الموت أو في الطريقة التي يستعيدها بها الإنسان ويصفها لاحقاً.
اللورد تشنغهوانغ لم يسمح له بالدخول
وتظهر شخصية أخرى في إحدى الروايات هي تشنغهوانغ Chenghuang أو "إله المدينة" في المعتقد الشعبي الصيني.
تاريخياً ارتبط تشنغهوانغ بحماية المدن وسكانها، لكنه اكتسب أيضاً وظيفة في التصورات الدينية المتعلقة بالعالم الآخر، حيث ارتبط بالإدارة والحكم الأخلاقي والتحقيق في أفعال الموتى ضمن منظومة تصور العالم السفلي بطريقة تشبه إلى حد ما إدارةً ومحاكم لها مسؤولون ومراتب.
وتذكر إحدى روايات الدراسة أن شخصين منعا صاحب التجربة من الدخول وأخبراه بأن اللورد تشنغهوانغ لن يستقبله.
بالنسبة لمن نشأ وسط هذه الرموز، يمكن أن يصبح تشنغهوانغ جزءاً من اللغة التي يتصور بها العقل الانتقال إلى الموت والحساب، تماماً كما يمكن لشخص من ثقافة أخرى أن يستخدم صوراً دينية مختلفة لوصف تجربة تبدو في جوهرها متقاربة.
عالم سفلي بملامح صينية
لم تتوقف الصور عند هذه الشخصيات ، وجد الباحثون إشارات إلى المحاكمة بعد الموت، وتسجيل الأفعال السيئة، والجزاء الكارمي، والتناسخ ومحاكم العالم السفلي وهي أفكار تشكلت تاريخياً من تداخل البوذية والطاوية والديانة الشعبية الصينية ، لكن هنا تظهر إحدى أهم نتائج الدراسة: هذه المشاهد الصينية المميزة لم تكن شائعة.
ظهرت لدى 4 فقط من أصل 23 شخصاً في مجموعة NDE، ولدى شخص واحد من أصل 25 في مجموعة التجارب الشبيهة بـNDE ، أي أن الغالبية لم تصف بوابة غويمن أو الأسود والأبيض أو تشنغهوانغ.
بل إن الفروق المتعلقة بظهور الصور الصينية بين المجموعتين لم تبق ذات دلالة إحصائية بعد تطبيق التصحيح الخاص بالمقارنات المتعددة ، ولهذا لا يمكن القول إن الدراسة اكتشفت "ما يراه الصينيون بعد الموت".
ما اكتشفته أكثر دقة وإثارة للاهتمام: العناصر الثقافية يمكن أن تظهر داخل تجربة تحتوي في الوقت نفسه على عناصر تتكرر عبر ثقافات مختلفة.
ما هو عالمي وما تصنعه الثقافة ؟
هنا يصل البحث إلى السؤال الأهم ، الخروج من الجسد، الضوء، السلام، الانتقال إلى مكان آخر، لقاء كيانات واستعراض أحداث الحياة ليست صوراً خاصة بالصين، لقد ظهرت مراراً في دراسات تجارب الاقتراب من الموت NDE لدى مجتمعات أخرى.
لكن "الكيان" الذي يلتقيه الإنسان، والبوابة التي يعبرها، والمكان الذي يعتقد أنه وصل إليه، والمعنى الذي يمنحه لما حدث قد تتلون بما يعرفه مسبقاً.
الباحثون يقترحون لذلك تصوراً مركباً: ربما توجد مكونات ظاهراتية عامة تتكرر في تجارب الاقتراب من الموت، بينما تمنح الثقافة الإنسان الرموز والشخصيات واللغة التي يستخدمها لتنظيم التجربة وفهمها وروايتها.
وهذا لا يعني أن الثقافة هي بالضرورة التي "تخلق" التجربة كلها.
فالدراسة نفسها تؤكد أنها لا تستطيع معرفة ما إذا كانت المعتقدات السابقة هي التي أنتجت تلك الصور، أم أن الثقافة أثرت أساساً في الطريقة التي فسر بها المشاركون التجربة بعد حدوثها.
هل نرى ما نتوقع أن نراه ؟
يمكن قراءة النتائج بطريقتين مختلفتين ، من المنظور العصبي والنفسي، قد تكون تجربة الاقتراب من الموت ناتجة عن عمليات تحدث في الدماغ في ظروف فسيولوجية ونفسية استثنائية، ثم يستخدم العقل مخزونه من الذكريات والمعتقدات والصور الثقافية لبناء معنى لما يحدث ، وبذلك قد يرى الصيني بوابة غويمن، بينما يستخدم شخص نشأ في بيئة أخرى صوراً دينية أو روحية مختلفة.
لكن أنصار التفسيرات الروحية لـNDE قد يطرحون سؤالاً آخر: إذا كانت الثقافة مسؤولة عن التجربة، فلماذا تتكرر بعض العناصر الأساسية مثل الخروج من الجسد والضوء والإحساس بالسلام والانتقال عبر حدود أو ممرات لدى أشخاص من مجتمعات مختلفة ؟
الدراسة الجديدة لا تستطيع الفصل بين هذين الاحتمالين ،بل إن الباحثين كانوا حذرين في التأكيد على أن النتائج لا تثبت أن المعتقدات الدينية السابقة هي التي سببت الصور التي رواها المشاركون.
حدود مهمة قبل الحديث عن "العالم الآخر"
رغم جاذبية الروايات، فإن للدراسة قيوداً كبيرة ، العينة صغيرة وانتقائية، والمشاركون تطوعوا عبر الإنترنت، ما قد يجعل الأشخاص المهتمين أصلاً بالروحانيات والتجارب غير العادية أكثر استعداداً للمشاركة.
والأهم أن الباحثين لم يمتلكوا سجلات طبية تؤكد الظروف الفسيولوجية للحالات، لذلك لا نعرف، على سبيل المثال، من كان في توقف قلب موثق أو غيبوبة أو حالة حرجة محددة، ومن كان يعتقد فقط أنه على وشك الموت ، كما أن الروايات استرجاعية، وبعضها قد يكون قد تأثر بمرور الزمن والذاكرة والتفسير اللاحق.
ولهذا يطالب الباحثون بدراسات مستقبلية تشمل مرضى موثقين طبياً بعد توقف القلب أو العناية المركزة أو الغيبوبة، وإجراء المقابلات معهم في وقت قريب من الحدث.
وختاماً ، هل هناك نواة مشتركة للتجربة البشرية عند الاقتراب من الموت، ثم يكسوها العقل بالصور التي يعرفها ؟ أم أن التشابه نفسه ناتج عن الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري عندما يتعرض لظروف قصوى ؟
بين الضوء والخروج من الجسد وبوابات الموت المختلفة، ربما لا يكون السؤال فقط: ماذا يرى الإنسان عندما يقترب من الموت ؟
بل أيضاً: كم مما يراه يأتي من التجربة نفسها، وكم يحمله معه إليها من العالم الذي عاش فيه ؟