في أكتوبر 2022 شهد الكون واحداً من أعنف الانفجارات التي رصدها البشر، انفجاراً هائلاً من أشعة غاما سُمّي GRB 221009A، وكان شديد السطوع إلى درجة أن العلماء أطلقوا عليه لقب BOAT، أي "الأكثر سطوعاً على الإطلاق" ، لكن المفاجأة لم تكن في قوة الانفجار وحدها ، فمن اتجاهه وصل إلى الأرض فوتون، أي جسيم ضوئي، بطاقة هائلة بلغت نحو 300 تيرا إلكترون فولت، والمشكلة أن الفيزياء المعتادة تقول إن فوتوناً بهذه الطاقة، قادماً من مسافة تتجاوز ملياري سنة ضوئية، كان يفترض أن يتم امتصاصه في طريقه وألا يصل إلينا أصلاً.
الآن تحاول دراسة جديدة منشورة في 8 سبتمبر 2026 في مجلة Physical Review Letters تفسير هذه الرحلة شبه المستحيلة.
لماذا كان يجب أن يختفي ؟
الفوتون هو أبسط وحدة للضوء، ويمكن أن يحمل طاقات مختلفة، والفوتون المرصود هنا كان ذا طاقة هائلة وصلت إلى نحو 300 تريليون إلكترون فولت.
المشكلة أن الفضاء ليس فارغاً تماماً، بل يحتوي على إشعاعات منتشرة في كل مكان، من بينها إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو بقايا الضوء القديم من المراحل الأولى للكون ، وخلال رحلة تمتد مليارات السنين، يمكن لفوتون شديد الطاقة أن يصطدم بهذه الإشعاعات، فيفقد وجوده ويتحول إلى جسيمات أخرى ، لهذا كان احتمال نجاته حتى يصل إلى الأرض ضئيلاً للغاية.
كيف وصل ؟
طرح العلماء أكثر من تفسير ، أحدها يعتمد على جسيمات افتراضية تسمى الجسيمات الشبيهة بالأكسيون، والفكرة أن الفوتون قد يتحول مؤقتاً إلى جسيم من هذا النوع، فيعبر مناطق من الكون من دون أن يتعرض للامتصاص نفسه، ثم يعود لاحقاً إلى فوتون ، كأن الضوء وجد وسيلة مؤقتة للتخفي عن العوائق في الفضاء.
لكن الدراسة الجديدة ترى أن هذا الاحتمال وحده لا يفسر فوتون الـ300 تيرا إلكترون فولت بسهولة، ولذلك اتجه الباحثان Giorgio Galanti وMarco Roncadelli إلى فكرة أكثر جرأة.
هل تختلف قوانين الضوء عند الطاقات الهائلة ؟
تدخل هنا فكرة تسمى تناظر لورنتز، وهي أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين ، تقول الفكرة ببساطة أن قوانين الفيزياء يجب أن تبقى متسقة مهما اختلفت حركة الراصد.
لكن بعض النظريات التي تحاول الجمع بين الجاذبية وميكانيكا الكم أو الكوانتوم تقترح أن هذا المبدأ قد يتغير قليلاً عند طاقات هائلة جداً ، وتسمى محاولات الجمع بين قوانين العالم شديد الصغر وبين الجاذبية باسم الجاذبية الكمية، وهي من أكبر المسائل غير المحلولة في الفيزياء.
إذا ظهرت مثل هذه التأثيرات بالفعل، فقد يصبح بإمكان فوتونات الطاقة القصوى عبور الكون بطريقة مختلفة عما تتنبأ به الحسابات التقليدية.
وهناك لغز آخر: لماذا تأخر ؟
سُجل الفوتون بعد نحو 4536 ثانية من بداية الانفجار، أي بعد أكثر من ساعة ، وهذا مهم لأن بعض النماذج التي تفترض تغييرات طفيفة في سلوك الضوء عند الطاقات القصوى تتنبأ بأن الفوتونات الأعلى طاقة قد تصل متأخرة عن غيرها ،وهكذا قد تفسر الفكرة لغزين معاً: كيف نجا الفوتون من الامتصاص، ولماذا وصل متأخراً ، لكن هذا لا يعني أن العلماء وجدوا الجواب النهائي.
هل هزم فوتون واحد أينشتاين ؟
ليس بعد ، فالحدث استثنائي، لكنه حادثة واحدة فقط. كما أن ربط الفوتون بالانفجار GRB 221009A نفسه يحتاج دائماً إلى أخذ احتمال المصادفة أو مصدر آخر في الاعتبار ، ولذلك لا تقول الدراسة إن أينشتاين كان مخطئاً، ولا إنها اكتشفت قانوناً جديداً للطبيعة ، بل تقول إن هناك مشاهدة يصعب تفسيرها بالقواعد المعتادة، وإن بعض نماذج الفيزياء الجديدة قد تقدم حلاً ممكناً.
فوتون واحد وسؤال كبير
قد ينتهي الأمر مستقبلاً إلى تفسير أقل غرابة، أو إلى إعادة فهم مصدر الفوتون والظروف التي أنتجته ، لكن إذا رُصدت فوتونات أخرى بهذه الطاقات من انفجارات بعيدة وظهرت الظاهرة نفسها مرة بعد مرة، فستصبح القضية أكثر أهمية بكثير ، عندها قد يتحول فوتون واحد قطع أكثر من ملياري سنة ضوئية إلى اختبار لسؤال عميق:
هل تعمل قوانين الزمكان بالطريقة نفسها حتى عند أكثر الطاقات تطرفاً في الكون، أم أن هناك حدوداً تبدأ بعدها فيزياء أخرى لم نكتشفها بعد ؟