من أين جاء الكون ؟ وكيف سينتهي ؟
بين الأساطير القديمة ونظريات الفيزياء الحديثة، ظهرت تصورات مذهلة تحاول الإجابة عن هذين السؤالين: كون خرج من بيضة كونية، وزمن يتباطأ حتى يتوقف، وعوالم تولد داخل الثقوب السوداء، وواقع قد لا يكون سوى محاكاة أو صورة هولوغرافية.
بعض هذه الأفكار يستند إلى نماذج علمية جادة، وبعضها فلسفي أو أسطوري، وبعضها الآخر لا يعدو كونه اعتقاداً يناقض الأدلة، لكنها جميعاً تكشف مدى غرابة الكون الذي نعيش فيه، ومدى ضآلة ما نعرفه عنه ، فيما يلي عشرون من أغرب النظريات التي حاولت تفسير أصل الكون وطبيعته ومصيره.
1- نظرية الحالة الثابتة Ready-state
ظهرت نظرية الحالة الثابتة في منتصف القرن العشرين بوصفها بديلاً عن نظرية الانفجار العظيم في محاولة لتفسير وجود المادة وتمدد الكون.
وفقاً لهذه النظرية، لم يبدأ الكون بانفجار هائل، بل كان يتمدد دائماً وسيواصل التمدد إلى الأبد وللمحافظة على كثافته ثابتة رغم اتساعه المستمر، افترض أصحاب النظرية أن مادة جديدة تتشكل تلقائياً في الفضاء طوال الوقت.
لكن اكتشاف إشعاع الخلفية الكونية الميكروي سنة 1965 وهو الإشعاع المتبقي من المراحل المبكرة للانفجار العظيم، وجّه ضربة قاضية إلى نموذج الحالة الثابتة، وجعل معظم علماء الكونيات يتخلون عنه.
2- البيضة الكونية Cosmic Egg
تصف نصوص سنسكريتية قديمة كوناً دورياً متعدد العوالم ينبثق من بيضة كونية تُعرف باسم «براهماندا»، ثم يتمدد انطلاقاً من نقطة لامتناهية تُسمى «بيندو» ويستمر هذا الكون في التوسع مليارات السنين، قبل أن ينهار على نفسه ويولد من جديد، في دورة كونية متكررة لا بداية واضحة لها ولا نهاية نهائية ، بصورة لافتة تبدو هذه التصورات القديمة وكأنها تستبق بعض النماذج الكونية الحديثة التي تتحدث عن الأكوان الدورية أو المتعددة.
وتتناول قصة الخلق الهندوسية أسئلة شديدة العمق، مثل وجود كون بلا حدود، وانبثاق المادة من الفراغ، ومشكلة السبب الأول، وتقول إحدى تراتيل الخلق القديمة، بمعنى قريب:
" في البدء لم يكن هناك عدم ولا وجود، فما الذي كان يغطي الكون كله ؟ وفي أي وعاء كان محتوى ؟ لم يكن هناك سوى الواحد الموجود، يتنفس بهدوء مكتفياً بذاته".
3- نهاية الزمن The end of time
يبقى الزمن واحداً من أكثر المفاهيم مراوغة في الفيزياء ، هل الزمن عنصر أساسي في الطبيعة ؟ أم أنه مجرد نتيجة لطريقة إدراكنا للأحداث ؟ وهل ينشأ من قوانين الديناميكا الحرارية أم أنه شيء آخر تماماً ؟
تقترح إحدى الفرضيات الغريبة أن الزمن ليس حقيقياً فحسب، بل إنه يتباطأ تدريجياً، وقد يصل في المستقبل البعيد إلى التوقف الكامل ، وبحسب هذا التصور فإن ما نراه على أنه تسارع في تمدد الكون قد لا يكون ناتجاً عن طاقة مظلمة تدفع المجرات بعيداً عن بعضها، بل مجرد وهم سببه تباطؤ الساعة الكونية نفسها ، أي إن الكون قد لا يكون هو الذي يتسارع بل الزمن هو الذي يوشك على النفاد.
4- الموت الحراري للكون Heat Death
يُعد سيناريو التجمد العظيم أو «الموت الحراري» أحد أكثر المصائر المحتملة للكون، إذا استمر تمدده إلى ما لا نهاية.
في هذا السيناريو، تحترق النجوم واحدة تلو الأخرى وتنطفئ المجرات ثم تتبخر الثقوب السوداء ببطء شديد، ومع استمرار التمدد تصبح المسافات بين الجسيمات والذرات شاسعة بصورة لا يمكن تصورها.
في النهاية، يصل الكون إلى حالة من أقصى درجات العشوائية، أو ما يُعرف بأقصى «إنتروبيا»، ويتحول كل شيء إلى محيط بارد ومتجانس من الجسيمات المتحللة، لا تحدث فيه تفاعلات أو أحداث جديدة ذات معنى ، لن يكون هناك ضوء ولا حرارة ولا نجوم ولا حياة، بل سكون كوني أبدي ، لكن لا داعي للقلق؛ فحدوث مثل هذا المصير يتطلب زمناً يفوق بكثير عمر الكون الحالي وقد يمتد إلى نحو (10^{100}) سنة أو أكثر.
5- نموذج مركزية الأرض Geocentric model
عندما كان أسلافنا ينظرون إلى السماء ويرون النجوم تتحرك من الشرق إلى الغرب كل ليلة، بدا لهم من الطبيعي أن الأرض ثابتة في مركز الكون، وأن كل شيء يدور حولها.
ولقرون طويلة، لم تكن مركزية الأرض مجرد نموذج فلكي، بل فكرة مرتبطة بمكانة الإنسان في الوجود، ولذلك كان الاعتراض عليها، في بعض المراحل التاريخية يُعامل بوصفه تحدياً للعقائد والمؤسسات السائدة.
لكن الكواكب لم تكن تتحرك في السماء بالطريقة المنتظمة نفسها التي تتحرك بها النجوم البعيدة، ولهذا سُميت في اللغة اليونانية القديمة «الكواكب الجوالة» أو «التائهة».
ولكي يفسر علماء الفلك القدماء حركاتها المتراجعة والغريبة اضطروا إلى ابتكار أنظمة شديدة التعقيد، تتضمن دوائر تتحرك داخل دوائر أخرى.
ومع ظهور النموذج الشمسي وتقدم الرصد الفلكي، اتضح أن الأرض ليست مركز الكون، بل كوكب صغير يدور حول نجم عادي في مجرة تضم مئات المليارات من النجوم.
6- التمزق العظيم The Big Rip
تشكل الطاقة المظلمة أكثر من ثلثي محتوى الكون تقريباً ومع ذلك لا يعرف العلماء طبيعتها الحقيقية ، ما نعرفه هو أن تمدد الكون يتسارع، ويبدو أن هناك قوة غامضة تدفع المجرات بعيداً عن بعضها ، لكن ماذا لو ازدادت قوة الطاقة المظلمة باستمرار ؟
وفقاً لسيناريو يُعرف باسم التمزق العظيم، قد تصبح هذه القوة في المستقبل أقوى من الجاذبية نفسها، وعندها ستبدأ بتفكيك العناقيد المجرية، ثم المجرات، فالأنظمة النجمية والكواكب.
ومع تصاعد قوتها، قد تتمكن في النهاية من تمزيق الذرات والجسيمات بل وحتى نسيج الزمكان ذاته ، سيتحول الكون كله إلى أجزاء متناثرة، ولن يبقى أي بناء مادي متماسك.
وتشير بعض التقديرات إلى أن هذا السيناريو، إذا كان ممكناً أصلاً، لن يحدث قبل عشرات المليارات من السنين، وربما بعد نحو 80 مليار سنة على الأقل.
7- الكون محاكاة حاسوبية Computer simulation
في عام 2002، طرح الفيلسوف نيك بوستروم من جامعة أكسفورد حجة فلسفية أثارت جدلاً واسعاً حول احتمال أن نكون نعيش داخل محاكاة حاسوبية.
تقوم الفكرة على افتراض أنه إذا تمكنت حضارة متقدمة في المستقبل من تطوير حواسيب قادرة على محاكاة الوعي البشري بصورة كاملة، فمن المحتمل أن تنشئ عدداً هائلاً من العوالم الافتراضية التي تحتوي على كائنات واعية.
وإذا كان عدد الكائنات الواعية داخل المحاكاة أكبر بكثير من عدد الكائنات التي تعيش في الواقع الأصلي، فسيصبح من الناحية الاحتمالية أكثر ترجيحاً أن نكون نحن أنفسنا داخل إحدى تلك المحاكاة.
بعبارة أخرى: قد تكون النجوم والكواكب وأجسادنا وذكرياتنا مجرد معلومات تجري معالجتها داخل نظام حاسوبي يفوق قدرتنا على الفهم.
وقد وجدت الفكرة قبولاً لدى شخصيات معروفة مثل إيلون ماسك، كما ناقشها عالم الفيزياء الفلكية نيل ديغراس تايسون، الذي رأى أن احتمال وجودنا داخل محاكاة لا يمكن استبعاده بسهولة.
لكن حتى اليوم، لا توجد تجربة علمية حاسمة تثبت أن الكون محاكاة، أو تحدد الطريقة التي يمكن بها اكتشاف «الواقع الخارجي» المفترض.
8- الارتداد العظيم The Big Bounce
تعتمد معظم النظريات المتعلقة بأصل الكون على احتمالين متعارضين: إما أن الكون ظهر فجأة من حالة أولية كما في الانفجار العظيم، أو أنه كان موجوداً بطريقة ما منذ الأزل.
لكن نموذج الارتداد العظيم يقدم احتمالاً ثالثاً ، بحسب هذا النموذج لم يكن الانفجار العظيم بداية مطلقة، بل لحظة انتقال بين كون سابق كان ينكمش وكون جديد بدأ بالتمدد ، فبعد أن يتقلص الكون السابق إلى حالة شديدة الكثافة لا يختفي تماماً وإنما «يرتد» ويبدأ مرحلة توسع جديدة.
وقد تتكرر العملية بلا نهاية: تمدد، ثم انكماش، ثم ارتداد وانفجار جديد.
يدافع الفيزيائي النظري بول شتاينهارت عن نماذج كونية من هذا النوع، منتقداً بعض صيغ نظرية التضخم الكوني ومقترحاً أن الكون ربما يمر بدورات متعاقبة بدلاً من امتلاكه بداية واحدة.
9- كون داخل بئر كوني عميق Down a deep well
لا نعرف ما الذي يحدث داخل الثقب الأسود بعد عبور أفق الحدث؛ فالمعلومات لا تستطيع العودة إلينا من هناك ولهذا فتح الغموض المحيط بداخل الثقوب السوداء الباب أمام أفكار شديدة الغرابة، من بينها أن كل ثقب أسود قد يحتوي في داخله على كون كامل.
وفقاً لهذه الفرضية، ربما يكون كوننا نفسه قد ولد داخل ثقب أسود موجود في كون آخر أكبر منه وإذا كانت الثقوب السوداء داخل كوننا تولّد بدورها أكواناً جديدة، فقد توجد سلسلة غير محدودة من الأكوان المتداخلة: كون داخل ثقب أسود، يوجد داخل كون آخر، يحتوي بدوره على ثقوب سوداء وأكوان جديدة ، إنها صورة كونية تشبه دمى متداخلة بلا نهاية، حيث لا يمكن تحديد المستوى الأول أو الأخير للوجود.
10- جسيم الإله ونهاية الفراغ God Particle
اكتُشف بوزون هيغز لأول مرة سنة 2012 في مصادم الهادرونات الكبير التابع للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية «سيرن» واشتهر إعلامياً باسم «جسيم الإله»، رغم أن كثيراً من الفيزيائيين لا يفضلون هذه التسمية.
هذا الجسيم هو المسؤول عن اكتساب الجسيمات الأساسية لكتلتها، لكن بعض الحسابات النظرية تشير إلى احتمال أن يكون الفراغ الذي يعيش فيه كوننا غير مستقر بصورة مطلقة بل في حالة تُسمى «الفراغ الزائف».
إذا انتقل حقل هيغز إلى حالة أكثر استقراراً، فقد تتشكل فقاعة من «الفراغ الحقيقي»، تبدأ بالانتشار بسرعة الضوء ، وستغير هذه الفقاعة القوانين والثوابت التي تسمح للمادة بالوجود فتقضي على الذرات والنجوم والكواكب وكل أشكال البنية المعروفة.
وتشير بعض الدراسات إلى أن الكون قد يبقى مستقراً لمدة هائلة تصل إلى نحو (10^{58}) سنة أو أكثر ومع ذلك من الناحية النظرية، لا توجد وسيلة تضمن أن فقاعة التحلل لم تبدأ بالفعل في مكان بعيد ، ولو كانت في طريقها إلينا بسرعة الضوء فلن يكون من الممكن رؤيتها أو تلقي أي تحذير قبل وصولها.
11- الكون المرآة Mirrorverse
تقترح فرضية الكون المرآة وجود عالم موازٍ يحتوي على مادة مرآتية تشبه مادتنا لكنها تتفاعل معها بصورة ضعيفة للغاية ، وقد طُرحت هذه الفكرة في محاولة لتفسير عدد من الألغاز، مثل الاختلافات التي ظهرت في بعض قياسات عمر النيوترون، والنقص النسبي في عنصر الليثيوم-7، وطبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
ربما يكون الكون المرآة قريباً جداً من كوننا أو متداخلاً معه، لكنه غير مرئي لأن جسيماته لا تتفاعل مع الضوء بالطريقة نفسها ويأمل بعض الباحثين في اكتشاف دلائل على انتقال جسيمات مثل النيوترونات بين كوننا وهذا العالم المرآتي المفترض.
ولو ثبت ذلك، فقد يعني أننا لا نعيش في كون واحد بل إلى جوار نسخة خفية منه لا نستطيع رؤيتها مباشرة.
12- شمول الوعي Panpsychism
تذهب فلسفة شمول الوعي أو «البانسايكزم» إلى أن الوعي ليس خاصية حصرية للإنسان، ولا حتى للكائنات الحية، بل ترى أن شكلاً أولياً من الخبرة أو الإحساس الداخلي موجود في أساس المادة والكون كله.
وفقاً لهذا التصور، قد تمتلك كل صخرة وكل ذرة وكل جسيم نوعاً بالغ البساطة من «الوجود الداخلي»، وليس المقصود أن الحجر يفكر أو يشعر كما يفعل الإنسان بل أن للمادة جانباً ذاتياً لا تستطيع الفيزياء التقليدية وصفه.
ومن النظريات المرتبطة بهذا المجال «نظرية المعلومات المتكاملة» التي تحاول تفسير كيفية اتحاد أجزاء الدماغ والمعلومات الموجودة فيه لتكوين تجربة واعية واحدة ومتماسكة.
لا تحظى فكرة شمول الوعي بقبول واسع في الأوساط العلمية لكنها عادت إلى النقاش بسبب استمرار عجز العلم عن تقديم تفسير متفق عليه لكيفية ظهور الوعي من المادة.
13- الأرض المسطحة Flat Earth
رغم أن كروية الأرض مثبتة بالرصد والقياس منذ قرون، شهدت نظرية الأرض المسطحة عودة ملحوظة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو ، حيث يؤمن بعض أتباعها بأن البشر يعيشون فوق قرص مسطح تحيط به جدران جليدية شاهقة، وأن القطب الجنوبي ليس قارة تقع في أسفل الكرة الأرضية، بل حاجز يحيط بالعالم.
لكن ما يجمع معظم المؤمنين بهذه الفكرة ليس نموذجاً موحداً لشكل الأرض، بل انعدام الثقة بالمؤسسات العلمية والحكومات ووسائل الإعلام ووكالات الفضاء وينظرون إلى الصور الفضائية ورحلات الأقمار الاصطناعية وعمليات الهبوط على القمر بوصفها أجزاء من خدعة عالمية واسعة.
ولهذا تُعد الأرض المسطحة مثالاً على أن بعض النظريات الكونية لا تنشأ من الأدلة العلمية بل من الشك الاجتماعي والرغبة في الاعتقاد بوجود حقيقة سرية تخفيها القوى الكبرى.
14- نظرية العوالم المتعددة Many worlds
تقوم نظرية العوالم المتعددة على تفسير غريب لميكانيكا الكم: كل ما يمكن أن يحدث، يحدث بالفعل، لكن في عالم مختلف ، عندما يواجه حدث كمّي أكثر من نتيجة ممكنة، لا تختار الطبيعة نتيجة واحدة، بل ينقسم الكون إلى فروع، يتحقق في كل فرع منها احتمال مختلف.
في أحد الأكوان، تخرج قطة شرودنغر من الصندوق حية، وفي كون آخر تكون ميتة، وفي عالم تقرأ فيه هذه الكلمات، ربما يوجد عالم آخر لم تفتح فيه المقال من الأساس.
طوّر الفيزيائي هيو إيفرت هذا التفسير خلال خمسينيات القرن العشرين وما زال يُنظر إليه باعتباره واحداً من أكثر التفسيرات إثارة للجدل للدالة الموجية الكمّية.
وقد تناولت أعمال درامية وخيالية عديدة هذه الفكرة، ومنها مسلسل «Devs»، الذي تخيل عالماً تستطيع فيه التكنولوجيا رؤية الفروع المختلفة للواقع.
15- عندما تتبخر الثقوب السوداء
تتنبأ نظرية علم الكون الدوري المطابق بأن الكون لا ينتهي فعلياً، بل ينتقل من حقبة كونية إلى أخرى ، مع تقدم عمر الكون تبتلع الثقوب السوداء كميات متزايدة من المادة، وبعد فترات زمنية هائلة تتبخر الثقوب السوداء نفسها من خلال إشعاع هوكينغ، فلا يبقى في الكون سوى الإشعاع والفوتونات.
عندها يصبح الكون فضاءً شاسعاً خالياً تقريباً من المادة والكتلة ، لكن فضاءً بلا ذرات أو نجوم أو ساعات فيزيائية تقيس الزمن قد يصبح من الناحية الرياضية شبيهاً بالحالة التي سبقت الانفجار العظيم.
وبذلك يمكن اعتبار نهاية أحد الأكوان بداية لحقبة كونية جديدة ، وتقترح النظرية أن إشعاع الثقوب السوداء من الحقبة السابقة قد يترك بصمات في إشعاع الخلفية الكونية للحقبة التالية.
بل طُرحت فكرة أكثر غرابة مفادها أن حضارات شديدة التقدم قد تتمكن من تعديل هذه البصمات وإرسال رسائل مشفرة إلى الكون الذي سيأتي بعدها.
16- الكون الهولوغرافي Holographic universe
نشأت فكرة الكون الهولوغرافي جزئياً من دراسة الثقوب السوداء ، اكتشف الفيزيائيون أن كمية المعلومات التي يمكن تخزينها داخل ثقب أسود لا تتناسب مع حجمه الداخلي، بل مع مساحة سطحه وهذا يشبه الصورة المجسمة أو «الهولوغرام» حيث يمكن تخزين معلومات جسم ثلاثي الأبعاد فوق سطح ثنائي الأبعاد.
وانطلاقاً من ذلك، اقترح العلماء أن الكون الذي نراه ثلاثي الأبعاد ربما يكون وصفاً مجسماً لمعلومات مخزنة على سطح أو حد كوني ذي أبعاد أقل.
لا يعني ذلك بالضرورة أن العالم وهم بصري، بل إن البنية العميقة للواقع قد تكون مختلفة جذرياً عما نراه ، وقد يساعد المبدأ الهولوغرافي على التوفيق بين نظرية النسبية العامة التي تصف الجاذبية والكون الكبير، وميكانيكا الكم التي تحكم عالم الجسيمات الدقيقة.
17- سهم الزمن ذو الرأسين Two-headed arrow
لماذا يتحرك الزمن من الماضي إلى المستقبل فقط ؟
تعمل معظم قوانين الفيزياء بالطريقة نفسها تقريباً سواء تحرك الزمن إلى الأمام أو الخلف، ومع ذلك لا نرى البيضة المكسورة تعود إلى حالتها الأصلية، ولا الدخان يعود إلى داخل النار.
تقترح إحدى النظريات أن للزمن سهمين بدلاً من سهم واحد ، ينطلق السهمان من حالة كونية منخفضة العشوائية، ربما مرتبطة بالانفجار العظيم، ثم يتحرك كل منهما في اتجاه معاكس للآخر.
وبحسب هذا النموذج، قد يوجد كون موازٍ يتدفق فيه الزمن بالاتجاه المعاكس لاتجاهه في كوننا ، لكن سكان ذلك الكون لن يشعروا بأنهم يعيشون إلى الوراء؛ فبالنسبة إليهم، نحن الذين نتحرك في الاتجاه المعاكس ، والمفارقة أن ذلك الكون سيبقى دائماً في ماضينا، تماماً كما سنبقى نحن دائماً في ماضيه.
18- الحاضر الأبدي في بلاتونيا The eternal now of Platonia
تسبب الزمن بمشكلات كثيرة لعلماء الكون، إلى درجة أن الفيزيائي جوليان باربور اقترح التخلص منه تماماً.
يرى باربور أن الزمن لا يوجد بوصفه نهراً يتدفق من الماضي إلى المستقبل، بل إن الكون يتكون من عدد هائل من اللحظات المستقلة، يسمي كل واحدة منها «الآن».
وتوجد هذه اللحظات في فضاء رياضي ثابت أطلق عليه اسم بلاتونيا.
كل «آن» يحتوي على ترتيب كامل للكون: مواقع الأجسام، وحالات البشر، والذكريات والسجلات التي توحي بوجود ماضٍ.
لكن الانتقال من لحظة إلى أخرى قد لا يحدث فعلياً، وما نسميه حركة أو مروراً للزمن قد يكون مجرد علاقة بين صور كونية ثابتة ، ويقول باربور إننا كلما حاولنا الإمساك بالزمن أفلت من بين أصابعنا وربما يكون السبب ببساطة أنه غير موجود.
19- الأكوان المتعددة Multiverse
تقترح نظرية الأكوان المتعددة أن الكون المرصود ليس سوى منطقة صغيرة داخل فضاء أكبر بكثير، وربما لا نهائي ، في ذلك الفضاء الهائل قد تقع انفجارات عظيمة أخرى، ينشأ عن كل واحد منها كون مستقل يشبه جزيرة منفصلة في محيط كوني.
وقد تحكم بعض هذه الأكوان قوانين فيزيائية قريبة من قوانيننا، بينما تختلف أكوان أخرى بصورة جذرية، فتحتوي على أبعاد إضافية أو جسيمات وقوى لا وجود لها في عالمنا.
وفي مكان بعيد بصورة لا يمكن تصورها، قد توجد نسخ مختلفة منك، اتخذت قرارات مغايرة وعاشت حيوات أخرى لكن هذه الأكوان، إذا كانت موجودة، قد تكون بعيدة عنا إلى درجة يستحيل معها الوصول إليها أو تبادل المعلومات معها.
ومع ذلك يرى بعض الباحثين أن تصادمات حدثت بين أكوان وليدة في الماضي السحيق ربما تركت آثاراً يمكن البحث عنها في إشعاع الخلفية الكونية.
20- الأكوان الجيبية Pocket universes
كان أحد آخر الأبحاث التي شارك فيها الفيزيائي ستيفن هوكينغ محاولة لتبسيط فكرة الأكوان المتعددة ، فبدلاً من تصور عدد لا نهائي من الأكوان المختلفة التي تظهر بلا حدود، اقترح هوكينغ وزملاؤه نموذجاً يتكون من عدد محدود نسبياً من الأكوان الجيبية.
تكون هذه الأكوان منفصلة عن بعضها لكنها تخضع في الأساس للقوانين الفيزيائية نفسها، بدلاً من أن يمتلك كل كون قوانينه الخاصة بصورة عشوائية تماماً.
وأوضح هوكينغ أن نتائج هذا النموذج لا تقود إلى كون واحد فريد، لكنها تقلل بصورة كبيرة عدد الأكوان المحتملة وتجعل نظرية الأكوان المتعددة أقل فوضوية وأكثر قابلية للدراسة.
ماذا لو كانت الحقيقة أغرب ؟
قد تبدو بعض هذه النظريات بعيدة عن المنطق، لكن تاريخ العلم يذكرنا بأن أفكاراً كثيرة بدت مستحيلة قبل أن تتحول إلى حقائق مقبولة، فقد كان تمدد الكون والثقوب السوداء وانحناء الزمن وحتى وجود جسيمات غير مرئية، أفكاراً أقرب إلى الخيال في زمن من الأزمنة.
ربما يعيش الكون أيامه الأولى وربما يكون في واحدة من دورات لا نهائية من الولادة والموت، وربما تكون المجرات التي نراها مجرد سطح يخفي واقعاً أعمق، أو تكون ذاكرتنا عن الماضي جزءاً من لحظة ثابتة لا يمر فيها الزمن أصلاً.
وقد يكون أكثر الاحتمالات إزعاجاً هو أننا لن نعرف الحقيقة أبداً، لأننا نحاول فهم الكون من داخله مثل شخصية في حلم تحاول اكتشاف عقل الحالم.
لكن يبقى سؤال أخير:
إذا كان كوننا قد وُلد داخل ثقب أسود، أو كان مجرد فرع بين عوالم لا حصر لها، أو محاكاة صنعتها حضارة مجهولة، فهل توجد في مكان ما كائنات تنظر إلينا الآن… وتعرف الحقيقة التي ما زلنا نبحث عنها ؟