في المغرب، لا يعيش الجن والسحر داخل الكتب القديمة فقط، بل يظلان جزءاً حياً من المخيلة الشعبية ومن الأحاديث اليومية، ومن الذاكرة الجماعية التي تتوارثها الأجيال.
هناك، لا تبدو الحكايات عن البيوت المسكونة والكنوز المحروسة واللعنات والأماكن الـ "غير مستحب الاقتراب منها” مجرد خرافات تُروى للتسلية، بل طبقة عميقة من الثقافة المحلية، تختلط فيها المعتقدات الدينية بالموروث الشعبي والخوف الفطري من المجهول.
لهذا، يبدو من الطبيعي بل ومن الإبداع الفني أيضاً أن تجد هذه العوالم طريقها إلى السينما المغربية. فحين تلتفت السينما إلى موضوعات مثل الجن، والمس، والكنوز الملعونة، فهي لا تستورد رعباً غريباً عنها، بل تعود إلى منجم سردي محلي شديد الثراء.
ومن هنا يكتسب فيلم "فندق السلام" أهميته لأنه ينتمي إلى نوع نادر في المغرب هو الرعب النفسي الماورائي.
عودة نادرة للرعب إلى الشاشة المغربية
يأتي فيلم "فندق السلام" في لحظة تبدو فيها السينما المغربية في حاجة فعلية إلى تنويع أجناسها الفنية، والخروج من القوالب المألوفة التي طغت طويلاً على الإنتاج المحلي. فالرعب رغم حضوره الكثيف في المخيلة المغربية ، ظل نوعاً شبه غائب عن الشاشة الكبيرة، أو على الأقل نادر الظهور بصورة ناضجة تحاول الجمع بين الرهبة البصرية والعمق النفسي.
الفيلم من إخراج وكتابة جمال بلمجدوب، ومن إنتاج شركة «جاكارندا برودكشن»، وقد عُرض الفيلم سابقاً ضمن فعاليات المهرجان الوطني للفيلم في طنجة - أكتوبر 2024 وسيتم عرضه في أبريل القادم 2026 في دور السينما.
قصة فيلم فندق السلام ؟
في جوهره، لا يقدم «فندق السلام» قصة “جن” بالمعنى السطحي المباشر فقط، بل يبني حبكته على واحدة من أكثر الأفكار رسوخاً في الثقافة الشعبية المغربية والعربية عموماً: الكنز المدفون الذي لا يُترك بلا حارس.
تدور الأحداث حول مجموعة من الأشخاص يدفعهم الطمع وإغراء الثراء السريع إلى السعي وراء كنز مدفون. لكن ما يبدو في البداية مغامرة واعدة يتحول تدريجياً إلى كابوس. فهؤلاء لا يقتربون من مال مهجور، بل من شيء تحرسه قوى خفية، ويُقال في المنظور الشعبي إنه يقع تحت حماية الجن.
وما إن يُنتزع الكنز من باطن الأرض حتى تبدأ اللعنة في العمل: اضطرابات نفسية، توتر متصاعد، تشققات في الثقة، وانقلاب حاد في العلاقات بين أفراد المجموعة، إلى أن يتحول الأصدقاء إلى أعداء ينهشهم الخوف والشك والرغبة في النجاة بأي ثمن.
وهنا تكمن قوة الفكرة: فالرعب في الفيلم لا يأتي فقط من “الجن” بوصفه كياناً خارقاً، بل من الإنسان نفسه حين يكون تحت إختبار المال والخوف واللعنة.
الجن في الفيلم.. كائن غيبي أم مرآة للطمع البشري ؟
أحد الجوانب اللافتة في المشروع هو أن الجن لا يبدو - بحسب ما تسرب عن حبكة الفيلم ومضامينه - مجرد أداة لإخافة المشاهد أو افتعال مفاجآت بصرية، بل عنصرًا متجذرًا في النسيج الثقافي المغربي.
في كثير من الحكايات الشعبية في المغرب، يرتبط الجن بالأماكن المهجورة، والآبار والمنازل القديمة والكنوز المدفونة، والمواضع التي يُعتقد أنها “مسكونة” أو “محروسة”. وبدل أن يتعامل الفيلم مع هذه الفكرة على أنها مادة فلكلورية هامشية، فإنه يضعها في قلب السرد، ليبني عليها صراعاً يتجاوز الرعب الخارجي إلى رعب داخلي: ماذا يحدث حين يوقظ الإنسان شيئاً كان يجب أن يظل مدفوناً ؟ وهل اللعنة في النهاية قوة غيبية فقط، أم أنها أيضاً الطمع حين يتحول إلى سم نفسي ؟
هذا البعد يمنح الفيلم فرصة مهمة: أن يكون عملاً عن الجن، نعم، لكنه في الوقت نفسه فيلمًا عن انهيار الأخلاق والروابط الإنسانية تحت ضغط الجشع.
فندق مهجور.. مكان يبدو كأنه بطل آخر
من أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام في خلفية الفيلم أن فكرته لم تولد داخل غرفة كتابة معزولة، بل انطلقت – بحسب تصريحات المخرج – من مصادفة شخصية حين صادف فندقاً مهجوراً بمدينة المحمدية، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى موقع تصوير آخر في مراكش يمتلك بدوره أجواء غامضة وقصصاً غريبة زادت من إغراء المكان سينمائياً.
وهذا التفصيل ليس ثانوياً، لأن الرعب الجيد لا يقوم فقط على “ما يحدث”، بل على أين يحدث. والفندق المهجور هنا ليس مجرد ديكور، بل يبدو كأنه كيان حي: فضاء مغلق، منعزل، مفعم بالذاكرة، يحتفظ في جدرانه بأصداء ما وقع وما لا ينبغي أن يُستدعى.
ولأن الفندق في مخيلة الرعب العالمية مكان مثالي للعزلة والضياع وفقدان السيطرة، فإن وضع هذه الفكرة داخل سياق مغربي محلي يمنحها نكهة خاصة. فبدل الفنادق الغربية الباردة أو القصور الفيكتورية المعتادة، نحن أمام فضاء مغربي قد تختلط فيه الحكاية الشعبية مع اللعنة مع الخراب النفسي.
رعب نفسي أكثر من كونه استعراضاً بصرياً
ما يوحي به الخطاب المحيط بالفيلم أن «فندق السلام» لا يريد الاكتفاء بالرعب المباشر أو القفزات المفاجئة، بل يحاول أن ينتمي إلى ما يمكن تسميته الرعب النفسي المغربي. أي ذلك النوع الذي يجعل الخوف يتسلل ببطء من داخل الشخصيات نفسها، قبل أن يظهر في الفضاء المحيط بها.
هذا مهم للغاية، لأن موضوع الجن في السينما العربية كثيرًا ما يقع في فخ السطحية: صراخ، ظلال، تشنجات، ومؤثرات جاهزة. أما هنا، فالفيلم – على الأقل على مستوى الفكرة – يبدو أكثر اهتمامًا بتفكيك ما يفعله الخوف بالإنسان، وكيف تتآكل الثقة بين الأصدقاء حين يدخل الشك، وكيف يتحول “الكنز” من وعد بالخلاص إلى مسرّع للخراب.
إنها فكرة قديمة بقدر ما هي معاصرة: ليس كل ما هو مدفون يجب أن يُستخرج، وليس كل باب مغلق يجب أن يُفتح.
جمال بلمجدوب.. محاولة واعية لكسر القوالب
لا يأتي هذا التوجه من فراغ. فالمخرج جمال بلمجدوب ليس اسماً عابراً، بل صاحب مسار يتقاطع بين الإخراج وكتابة السيناريو والاشتغال النقدي والأكاديمي في المجال السينمائي. وقد صرح في أكثر من مناسبة أن دخوله إلى فيلم رعب مغربي لم يكن مجرد نزوة فنية، بل رغبة في التحدي وكسر القوالب التقليدية التي حصرت جزءاً كبيراً من الإنتاج المغربي داخل مناطق آمنة ومألوفة.
هذه النقطة تحديداً تستحق التوقف. فالرعب ليس نوعاً سهلاً، بل من أصعب الأنواع السينمائية، لأنه يتطلب إيقاعاً دقيقاً، وبناء بصرياً محسوباً، وتحكماً شديداً في الصوت والديكور والماكياج والأداء. وهو أيضاً نوع “لا يرحم” في تلقي الجمهور: إما أن يخيفك ويشدك، أو ينهار بسرعة إلى السذاجة.
ولذلك، فإن مجرد الإقدام على صنع فيلم مغربي عن الجن واللعنة والكنوز المحروسة، مع السعي إلى تقديمه بصورة تقنية وفنية محترمة، هو في حد ذاته رهان جريء.
محمد الشوبي وسلوى زرهان
يحمل الفيلم أيضاً قيمة وجدانية خاصة لأنه من بين آخر الأعمال التي يظهر فيها محمد الشوبي، وهو اسم يملك ثقلاً تمثيلياً لا يخفى على المتابعين للدراما والسينما المغربية. وجوده في عمل من هذا النوع يضيف له قدرًا من الجدية، لأن الشوبي من الممثلين القادرين على منح الشخصيات المضطربة عمقًا إنسانيًا يتجاوز الأداء السطحي.
إلى جانبه، تأتي سلوى زرهان كواحدة من الوجوه التي أثبتت حضورها في الدراما المغربية، وهنا يبدو انخراطها في فيلم رعب نفسي خطوة مهمة تخرج بها من مساحات مألوفة إلى منطقة أكثر توترًا وتعقيدًا. كما يشارك سامي الفكاك وبنعيسى الجيراري وعزيز بوزاوي في تكوين المجموعة التي يفترض أن تحمل التوتر الجماعي للقصة، أي ذلك التحول المؤلم من رفقة الطمع إلى عداوة اللعنة.
وقد أشار سامي الفكاك نفسه إلى أن الفيلم قريب من الثقافة المغربية وقصص الجن التي كان يحكيها الأجداد، معبراً عن ثقته في قدرته على جذب الجمهور داخل القاعات.
«فندق السلام».. أكثر من فيلم عن الجن
في النهاية، لا تبدو أهمية «فندق السلام» محصورة في كونه فيلماً عن الجن أو اللعنة أو الفندق المهجور، بل في كونه اختبارًا لشيء أكبر: هل تستطيع السينما المغربية أن تدخل أخيرًا إلى أراضي الرعب من بابها الخاص، لا من باب التقليد ؟
الفيلم، كما يبدو من معطياته، لا يكتفي باستدعاء كائنات خفية، بل يضع الإنسان نفسه داخل قفص الاختبار: ماذا يبقى من الصداقة حين يدخل المال ؟ ماذا يبقى من العقل حين يبدأ الخوف في التهام الداخل ؟ وماذا يحدث حين يكتشف المرء أن الكنز الذي حلم به لم يكن هدية، بل لعنة تنتظر من يوقظها ؟
إنه سؤال مغربي بامتياز، لكنه أيضاً سؤال إنساني قديم: ليست كل الأبواب التي تقود إلى الثروة، أبواباً آمنة للعبور.