في مايو 1999، كانت فتاة مراهقة في هونغ كونغ تعاني كوابيس متكررة حرمتها النوم وأثارت فيها خوفاً شديداً، لم تكن أحلامها عن وحوش خيالية أو أشباح مجهولة، بل عن امرأة تعرفها، تعرضت لتعذيب مروع قبل أن تفارق الحياة ، وبحسب الروايات التي انتشرت لاحقاً، كانت المرأة الميتة تظهر لها في أحلامها وتطالبها بشيء غريب: أن تعيد إليها رأسها المفقود !
لم تعد الفتاة قادرةً على احتمال ما تراه، فقررت البوح بما تعرفه، وعندما وصلت قصتها إلى الشرطة، قادت المحققين إلى شقة في منطقة تسيم شا تسوي Tsim Sha Tsui حيث عثروا على أدلة جريمة بشعة، من بينها جمجمة امرأة مخبأة داخل دمية محشوة من شخصية الأطفال الشهيرة "هالو كيتي".
كانت الضحية شابة تدعى فان مان يي Fan Man-yee، تبلغ من العمر 23 عاماً، وقُتلت قبل أسابيع من اكتشاف رفاتها، لكن السؤال الذي سيبقى ملتصقاً بالقضية هو: هل كانت روح الضحية تطارد الفتاة حقاً لتكشف الجريمة، أم أن الكوابيس كانت وسيلةً نفسيةً للتخلص من سر رهيب ؟
من خلاف مالي إلى جريمة مروعة
عاشت فان مان يي حياة مضطربة وعملت في أحد الملاهي الليلية بهونغ كونغ، وكانت أماً لطفل صغير، وفي مطلع عام 1999، دخلت في خلاف مالي مع رجل يُدعى تشان مان لوك Chan Man-lok يرتبط بإحدى العصابات الإجرامية الصينية المعروفة باسم "الثالوث" Triads ، تختلف الروايات حول أصل الدين وقيمته، لكن عدداً من التقارير القضائية والصحفية يشير إلى مطالبتها بمبلغ يقارب 20 ألف دولار هونغ كونغي.
في 17 مارس 1999، اختُطفت الشابة ونُقلت إلى شقة في شارع غرانفيل Granville Road حيث احتُجزت لأكثر من شهر، وشارك في احتجازها وتعذيبها ثلاثة رجال: تشان مان لوك، وليونغ شينغ تشو Leung Shing-cho وليونغ واي لون Leung Wai-lun ،وتعرضت خلال تلك الفترة لاعتداءات جسدية متواصلة، بينما كان المعتدون يتعاطون المخدرات، وفق شهادات قُدمت لاحقاً أمام المحكمة، توفيت فان في منتصف أبريل 1999 لكن الظروف الطبية الدقيقة لوفاتها لم تُحسم بصورة قاطعة، لأن معظم رفاتها لم يُستعد، وبدلاً من الإبلاغ عن الوفاة، عمد المعتدون إلى تقطيع الجثمان والتخلص من أجزائه، أما الجمجمة، فقد وضعوها داخل رأس دمية محشوة على هيئة "هالو كيتي" في زي حورية البحر ، كانت هذه التفصيلة تحديداً وراء الاسم الذي اشتهرت به القضية عالمياً: جريمة هالو كيتي Hello Kitty Murder، ولم يكن أحد يتوقع أن الطريق إلى كشف هذه الجريمة سيمر عبر أحلام فتاة لم تتجاوز الثالثة عشرة.
الفتاة التي قالت إن روح الضحية تطاردها
كانت "آه فونغ" Ah Fong وهو الاسم المستخدم للإشارة إلى الفتاة أثناء المحاكمة، مرتبطةً بأحد المتهمين، وقد ترددت على الشقة التي احتُجزت فيها فان مان يي، ولم تكن مجرد شاهدة بعيدة عن الأحداث؛ فقد أقرت لاحقاً بأنها شاهدت بعض الاعتداءات، وشاركت أحياناً في ضرب الضحية.
بعد وفاة فان، بدأت الفتاة تعاني كوابيس متكررة، وبحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست في 8 ديسمبر 2000، فقد وصلت إلى الشرطة في مايو 1999 وهي تشكو من أحلام مزعجة تتعلق بامرأة شابة تعرضت للتقييد والتعذيب، وكاد المحققون في البداية يعدّون روايتها مجرد أوهام مراهقة، لكن تفاصيل الحكاية اتخذت طابعاً ماورائياً أكثر وضوحاً في الروايات التي ظهرت لاحقاً.
ففي حلقة إذاعية محلية بثتها منصة Star Internet Radio في 26 يونيو 2013 ورد أن الفتاة كانت تقيم في مؤسسة لرعاية الفتيات، وأنها أخبرت أخصائيةً اجتماعيةً عن كوابيس متكررة يظهر فيها شخص يطالب باستعادة رأسه، ويذكر المصدر أن الأخصائية أبلغت الشرطة في 24 مايو 1999 بعدما كشفت الفتاة تفاصيل الجريمة.
وفي أغسطس 2022، أعادت شبكة i-CABLE في هونغ كونغ سرد الرواية نفسها، وأضافت أن الضحية كانت تظهر في أحلام الفتاة وهي تطالبها بما معناه: "أعيدي إليّ رأسي ! "
ومن المهم هنا التمييز بين مستويين من التوثيق: فالكوابيس واعتراف الفتاة وما ترتب عليهما من تحقيق أمور أوردتها الصحافة المعاصرة للمحاكمة، أما العبارة المنسوبة إلى روح الضحية وتفاصيل ظهورها فترد بوضوح في تغطيات لاحقة، ولا تتوافر أدلة مستقلة تؤكد حدوث ظهور خارق للطبيعة.
عندما تحولت الكوابيس إلى أدلة جنائية
بعد وصول معلومات الفتاة إلى الشرطة، توجه المحققون إلى الشقة التي وصفتها في شارع غرانفيل، هناك اكتشفوا آثار الجريمة ورفات الضحية، بما فيها الجمجمة المخبأة داخل الدمية، كما تم العثورعلى بعض الأعضاء البشرية في موقع مرتبط بالشقة، بينما بقيت أجزاء أخرى من الجثمان مفقودة، وجرى التعرف على الضحية، وأدى التحقيق إلى ملاحقة الرجال الثلاثة ومحاكمتهم، لقد كان البلاغ الذي أعقب كوابيس الفتاة نقطة التحول الحاسمة في القضية، لكن لا ينبغي إغفال حقيقة مهمة: فقد كانت آه فونغ تمتلك معرفةً مباشرةً بما وقع داخل الشقة، لأنها كانت موجودة أثناء بعض الاعتداءات.
وبالتالي، لم تكن المعلومات التي قدمتها للشرطة معرفةً غيبيةً يستحيل عليها الوصول إليها بوسائل طبيعية، ومع ذلك ظلت رواية الأحلام المثيرة للذعر تتردد في الصحافة والحكايات الشعبية، حتى أصبحت من أشهر القصص التي تُستشهد بها في الحديث عن أرواح الضحايا التي تعود طلباً للعدالة.
محاكمة القتلة: ماذا أثبت القضاء ؟
بدأت محاكمة الرجال الثلاثة عام 2000، واستمرت نحو ستة أسابيع، وقدمت خلالها آه فونغ شهادتها مقابل منحها حصانة من الملاحقة عن دورها في الأحداث، وفي نوفمبر 2000، أدانت هيئة المحلفين الرجال الثلاثة بتهمة القتل غير العمد Manslaughter بدلاً من القتل العمد، بعدما تعذر إثبات العناصر القانونية اللازمة للإدانة بالقتل العمد، في ظل عدم اليقين المحيط بالسبب الطبي الدقيق للوفاة، وفي 6 ديسمبر 2000، حُكم عليهم بالسجن المؤبد.
لكن القضية شهدت تطوراً قضائياً لاحقاً؛ ففي مايو 2003 أُلغيت إدانة ليونغ شينغ تشو بالقتل غير العمد بسبب أخطاء في توجيهات القاضي لهيئة المحلفين، وأُعيدت محاكمته، وفي مارس 2004 أقر بالذنب وحُكم عليه بالسجن 18 عاماً، بينما استمرت أحكام السجن المؤبد بحق الرجلين الآخرين.
أما ما يهمنا من منظور الماورائيات، فهو أن المحاكمة وثقت دور شهادة الفتاة في كشف الجريمة، لكنها لم تثبت أن روح الضحية ظهرت لها بالفعل، ولم يكن إثبات وجود شبح أو نفيه من المسائل التي فصلت فيها المحكمة.
ظواهر غريبة ارتبطت بالقضية بعد كشفها
لم تتوقف الروايات الماورائية عند كوابيس الفتاة؛ فقد ظهرت قصص أخرى يُزعم أنها رافقت التحقيق والمحاكمة، وكان من أكثرها غرابةً رواية تقول إن دمية هالو كيتي، التي استُخدمت لحفظ الجمجمة، تسببت في ظاهرة غير مفهومة داخل قاعة المحكمة، إذ كانت الأضواء تنطفئ أو تومض فوق المكان الذي تُنقل إليه الدمية أثناء عرض الأدلة على هيئة المحلفين، وتحدثت رواية أخرى عن أحد المتهمين الذي زعم أنه كان يرى وجه الضحية في وجوه النساء الموجودات داخل قاعة المحكمة، وكأن صورتها أصبحت تطارده حتى وهو مستيقظ، أما القصة الأخيرة، فتزعم أن الفتاة التي أبلغت الشرطة سمعت بعد انتهاء المحاكمة طرقات على بابها في منتصف الليل، ثم صوتاً غامضاً يقول "شكراً"، قبل أن يختفي.
أوردت شبكة i-CABLE هذه الحكايات في تقريرها عام 2022، لكنها قدمت بعضها بوصفه شائعات شعبية متداولة حول القضية، ولم نعثر في المصادر القضائية والصحفية المعاصرة التي راجعناها على توثيق مستقل يثبت واقعة انطفاء أضواء المحكمة أو سماع الصوت الغامض، لذلك تبقى هذه القصص جزءاً من الفلكلور الذي نشأ حول الجريمة، لا وقائع مثبتة.
ارتباط أرواح القتلى بالانتقام في المعتقدات الصينية
لفهم الطريقة التي تحولت بها قضية جنائية إلى قصة أشباح، لا بد من النظر إلى المعتقدات الشعبية الصينية المتعلقة بالموت، توجد في الفلكلور الصيني تصورات متعددة عن الأرواح القلقة أو الهائمة التي لا تجد الراحة بعد الوفاة، ولا سيما أرواح الذين يموتون بطريقة عنيفة أو لا تُؤدى لهم الطقوس الجنائزية المناسبة، وفي بعض هذه المعتقدات، قد تعود روح الميت لتطالب الأحياء بتصحيح ظلم، أو استعادة حق، أو أداء واجب متعلق بجثمانه ودفنه.
وقد تناول الباحثون في الأديان والمعتقدات الصينية، ومنهم هيو بيكر Hugh Baker استمرار تصورات الروح بعد الموت وقدرتها المزعومة على التأثير في عالم الأحياء.
ضمن هذا الإطار الثقافي، تبدو رواية امرأة تعود في الأحلام مطالبةً باستعادة رأسها أكثر من مجرد صورة مرعبة؛ إنها تعبير رمزي عن ميتة عنيفة حُرم فيها الجثمان من سلامته وطقوس دفنه الطبيعية، وتزداد رمزية الرواية عندما نتذكر أن رفات الضحية قُطعت وأُخفيت، فلم تتمكن أسرتها من وداعها ودفن جثمانها كاملاً، لكن فهم الخلفية الثقافية يفسر انتشار الاعتقاد ولا يقدم دليلاً علمياً على صحته.
هل كان الشعور بالذنب هو الشبح الحقيقي ؟
من منظور علم النفس، تمثل كوابيس آه فونغ حالةً تستحق الاهتمام، حتى دون افتراض تدخل ماورائي، فالفتاة كانت في سن صغيرة، وشهدت عنفاً شديداً، كما أقرت بمشاركتها في بعض الاعتداءات، وربما جعلتها هذه الخبرة تعيش صراعاً نفسياً بين الخوف مما حدث، والشعور بالذنب، والخشية من انكشاف دورها، وتوضح دراسات الاضطراب التالي للصدمة النفسية PTSD أن التعرض لأحداث عنيفة أو مشاهدتها يمكن أن يؤدي إلى ذكريات اقتحامية وأحلام مزعجة متكررة، وقد تترافق مع الخوف والعار والشعور بالذنب، ولا يعني هذا بالضرورة أن الفتاة كانت تعاني اضطراباً نفسياً محدداً، إذ لا تتوافر معلومات طبية تسمح بتشخيص حالتها بأثر رجعي.
لكن هناك تفسيراً محتملاً: لقد أعاد عقلها خلال النوم تشكيل المشاهد التي شهدتها، وربما تجسدت الضحية في أحلامها على هيئة روح تطالبها بإصلاح ما حدث، وقد تكون الأحلام أيضاً قد وفرت الدافع النفسي الذي لم تكن تملكه للاعتراف، أو وسيلةً غير مباشرة لكشف سر كانت تخشى التصريح به.
وهنا تبرز نقطة مهمة: لو كانت الفتاة لا تعرف شيئاً عن الجريمة، ثم كشفت أحلامها تفاصيل دقيقة لم يكن بوسعها معرفتها، لكانت القضية أكثر إثارةً للاهتمام من منظور الباراسيكولوجي، لكن معرفتها السابقة بالأحداث تُضعف الاستدلال على أن مصدر المعلومات كان ماورائياً ، أما الروايات عن انطفاء الأضواء والأصوات الغامضة، فهي تحتاج إلى شهود مستقلين وسجلات يمكن التحقق منها قبل اعتبارها أدلة.
من الجريمة الحقيقية إلى أفلام الرعب
تركت القضية أثراً في الثقافة الشعبية والسينما في هونغ كونغ، وألهمت في عام 2001 فيلمين على الأقل، هما Human Pork Chop وThere Is a Secret in My Soup.
لم يكن أي منهما تحقيقاً وثائقياً بالمعنى الدقيق، بل استندا إلى عناصر من الجريمة الحقيقية ضمن أسلوب سينمائي يقوم على الرعب والعنف الصادم.
وتبرز في فيلم Human Pork Chop شخصية فتاة تعاني الكوابيس بعد مشاركتها في أحداث مروعة، ثم تذهب للإبلاغ عنها بمساعدة أخصائية اجتماعية، في معالجة درامية واضحة لأحد أهم عناصر القضية الواقعية.
غير أن الأعمال السينمائية لا يمكن الاعتماد عليها بوصفها سجلات أمينة لما جرى؛ فهي تعيد ترتيب الوقائع وتضيف شخصيات ومشاهد وحوارات لخدمة الحبكة.
ولهذا فإن التمييز بين شهادات المحكمة والمواد الصحفية والخيال السينمائي ضروري لفهم القضية بعيداً عن المبالغات.
هل كانت روحها تبحث عن العدالة ؟
بعد مرور أكثر من ربع قرن على الحادثة، لا تزال جريمة هالو كيتي تُذكر بوصفها واحدة من أبشع الجرائم التي هزت هونغ كونغ، لكن الجانب الماورائي الذي التصق بها يطرح سؤالاً يتجاوز تفاصيل العنف نفسه، الثابت أن فتاةً عانت كوابيس متكررة، وأن بلاغها ساهم في كشف جريمة حقيقية، وأن شهادتها أصبحت جزءاً مهماً من محاكمة المسؤولين عنها، أما أن الضحية عادت من الموت وظهرت لها مطالبةً باستعادة رأسها، فهو تفسير يستند إلى روايات وشهادات غير قابلة للتحقق المستقل، وليس حقيقةً أثبتتها التحقيقات، ومع ذلك، فإن ارتباط الكوابيس بالاعتراف يجعل القصة مثالاً لافتاً على المنطقة التي تتداخل فيها الذاكرة والضمير والمعتقدات الشعبية وتجارب الأحلام.
فهل كانت آه فونغ تسمع نداء روح تبحث عن العدالة، أم أنها كانت تسمع صوت ضميرها وقد اتخذ صورة امرأة ميتة ؟
قد لا نعرف الإجابة اليقينية عن طبيعة ما عاشته الفتاة، لكننا نعرف أن الحقيقة الجنائية لم تعد خافية بعدما تكلمت، وربما كان أكثر ما يرعب في هذه الحكاية ليس احتمال عودة الموتى، بل قدرة ما فعله الأحياء على مطاردتهم حتى في أحلامهم.