في 7 أغسطس 1972 خرجت جينيت كريستين دي بالما Jeannette DePalma ، الفتاة ذات الستة عشر عاماً من سبرينغفيلد في ولاية نيوجيرسي من منزلها بعد أن أخبرت والدتها أنها ستتوجه لزيارة صديقة، لكنها لم تصل، وفي اليوم التالي أُبلغت الشرطة باختفائها، لتبدأ واحدة من أكثر القضايا غموضاً في سجل الجرائم الباردة الأمريكية، بعد ستة أسابيع في 19 سبتمبر عاد كلب أحد السكان وفي فمه جزء متحلل من ذراع بشرية، فقادت الواقعة الشرطة إلى بقايا جينيت قرب محجر هودايل Houdaille، على تل كان السكان المحليون يطلقون عليه اسماً قاتماً "أسنان الشيطان"  Devil’s Teeth .

منذ اللحظة الأولى لم تكن القصة جنائية فقط، بل تحولت سريعاً إلى مادة للرعب الشعبي، فقد قيل إن الجثة وُجدت محاطة بأغصان مرتبة، وصلبان خشبية، وحجارة موضوعة بطريقة غريبة، بل تطورت الرواية لاحقاً إلى حديث عن طقوس شيطانية وتضحية بشرية، كانت أمريكا في تلك الفترة مهيأة لتصديق مثل هذه القصص، وسط بدايات ما سيعرف لاحقاً باسم "الذعر الشيطاني" حين كانت الصحافة والناس يربطون الجرائم الغامضة بالسحر والعبادات السرية من دون أدلة كافية.

لكن الحقيقة، كما تكشفها المراجعات اللاحقة، كانت أكثر تعقيداً وأقل شيطانية، فالفحص الطبي لم يستطع تحديد سبب الوفاة بدقة بسبب حالة التحلل، مع بقاء احتمال الخنق مطروحاً في بعض الروايات ، وظهرت أيضاً إشارات إلى وجود مستويات مرتفعة من الرصاص في الجسد وهي نقطة ظلت غامضة ولم تتحول إلى تفسير حاسم ، أما الاتهام الطقسي فقد بقي قائماً أساساً على روايات متضاربة عن مسرح الجريمة، لا على دليل مادي قاطع.

لاحقاً دخلت مجلة Weird NJ على الخط وبدأ المحرران مارك موران وجيسي بولاك في تتبع القضية، ثم صدر كتابهما Death on the Devil’s Teeth: The Strange Murder That Shocked Suburban New Jersey، وهو العمل الذي أعاد القضية إلى الواجهة بوصفها لغزاً جنائياً واجتماعياً، لا مجرد حكاية رعب عن عبدة الشيطان ، وتشير بيانات النشر إلى أن الكتاب صدر أولاً عام 2015، ثم ظهرت نسخة محدثة لاحقاً.

الأهم أن مراجعة صور مسرح الجريمة، التي ظلت لسنوات موضع غموض، أضعفت بقوة رواية الطقس الشيطاني ، فقد ذكرت مصادر حديثة أن الصور لا تُظهر دليلاً واضحاً على دوائر حجرية، أو صلبان مرتبة، أو بقايا حيوانات مذبوحة كما شاع في الروايات الشعبية ، وبدلاً من "مذبح شيطاني" يبدو أن المشهد كان أكثر قرباً إلى موقع جريمة مضطرب في منطقة وعرة، ثم جاءت الصحافة والشائعات لتملأ الفراغ بما هو أكثر إثارة.

ولم تكن تسمية المكان بـ "أسنان الشيطان" وليدة مقتل جينيت دي بالما، بل كانت اسماً محلياً سابقاً لذلك الجزء الوعر من محجر هودايل،  فالصخور هناك كانت حادة وبارزة من الأرض بطريقة متكسرة، حتى بدت للناظرين كأنها أنياب أو أسنان مسننة مغروسة في التل ، ومن هنا جاء الاسم القاتم ، لا بوصفه دليلاً على طقوس شيطانية، بل انعكاساً لشكل المكان المخيف، غير أن العثور على جثة فتاة مراهقة في موضع يحمل هذا الاسم كان كافياً كي تشتعل المخيلة الشعبية، وتتحول التضاريس الصخرية إلى جزء من أسطورة الجريمة.

ومع ذلك، لم تُغلق القضية ، فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل قُتلت جينيت في طقس شيطاني ؟ بل: لماذا تعددت الروايات الرسمية وغير الرسمية بهذا الشكل ؟ ولماذا قيل إن بعض الملفات والصور مفقودة أو مدمرة بسبب فيضان إعصار فلويد  Floyd عام 1999 قبل أن تظهر نسخ أو مواد مرتبطة بالملف لاحقاً ؟ هنا ينتقل اللغز من عالم السحر إلى عالم أكثر برودة: أخطاء التحقيق، ضعف حفظ الأدلة، وربما الخوف من الاعتراف بأن الشائعة غطت على الجريمة الأصلية.

هناك أيضاً خيط آخر زاد القضية قتامة: احتمال أن تكون جينيت قد شوهدت وهي تستقل سيارة أو تمارس رياضة التسلق "الهتشهايكينغ" بدلاً من ركوب القطار وهو ما فتح الباب أمام فرضية قاتل عابر أو شخص عرف طريقها في ذلك اليوم، كما ظهرت لاحقاً تكهنات تربط القضية بجرائم أخرى في نيوجيرسي ،مثل ربطها باسم السفاح ريتشارد كوتنغهام، لكن ذلك بقي في حدود الفرضيات غير المحسومة، ولم يتحول إلى اتهام رسمي يفسر مقتلها.

لذلك تبدو مأساة جينيت دي بالما اليوم كأنها مثال كلاسيكي على الطريقة التي تولد بها الأسطورة من فشل التحقيق، فتاة مراهقة تختفي، جثة تتحلل في مكان يحمل اسماً مرعباً، شرطة لا تقدم جواباً مقنعاً، وصحافة تبحث عن عنوان مثير، هكذا صارت "أسنان الشيطان" أكبر من الجريمة نفسها، حتى كادت تبتلع الضحية وتحولها من إنسانة مقتولة في ظروف مجهولة إلى رمز في حكاية عن السحر والشيطان.

والنتيجة أن القضية، بعد أكثر من نصف قرن، ما زالت بلا قاتل معروف، لكن ما يمكن قوله بدرجة أكبر من الثقة أن الشيطان، إن حضر في هذه القصة، فربما لم يكن في طقس غامض على قمة تل، بل في الفوضى، والخوف، وسوء التحقيق، وفي قدرة الشائعة على سرقة الحقيقة من ضحيتها.