في مدينة تشيريبون، غرب جاوة الأندونيسية، لم تولد القصة من تقرير طب شرعي، ولا من محضر تحقيق… بل من صوت.

بعد أسبوع واحد من العثور على جثة المراهقة فينا ديوي أرسيتا وصديقها محمد رزقي روديانا المعروف بـ”إيكي” على طريق مظلم ليلة 27 أغسطس 2016، بدأت رواية ستتفوق شهرتها على تفاصيل الملف الجنائي نفسه.

قالت العائلة إن صديقتها “ليندا” دخلت في نوبة بكاء هستيرية، ثم تغيّر صوتها فجأة ، قالوا إن المتحدثة لم تكن ليندا بل فينا.

في التسجيل المتداول، يُسمع صوت فتاة تتحدث بمرارة وغضب، تتهم مجموعة من الشبان بالاعتداء عليها وعلى إيكي، وتؤكد أن ما حدث لم يكن حادث سير، بل جريمة مكتملة الأركان أُخفيت بعناية.

من هنا ولدت الأسطورة: روح عادت قبل سبعة أيام من دفنها لتفضح قاتليها ، لكن ماذا حدث فعلاً ؟

الحادث الذي لم يكن حادثاً

في الساعات الأولى بعد العثور على الجثتين، أعلنت الشرطة أن الأمر يتعلق بحادث دهس وهروب. بدا المشهد متماسكاً ظاهرياً: دراجة نارية متضررة، إصابات، طريق ليلي خالٍ من الشهود. ملف يمكن إغلاقه سريعاً.

غير أن تقارير الطب الشرعي لم تكن مريحة ، الإصابات على جسدي الضحيتين بدت أكثر تعقيداً من مجرد صدمة مركبة. آثار عنف مباشر، وضرب متكرر، ومؤشرات واضحة على اعتداء جنسي تعرضت له فينا قبل وفاتها.

تحت ضغط العائلة والرأي العام، أعيد فتح التحقيق. وسرعان ما بدأت الصورة تتغير.

قادت التحريات إلى مجموعة شبان ينتمون إلى عصابة دراجات نارية محلية. ومع تعمّق الاستجوابات، تكشّف سيناريو مختلف تماماً: اعتداء جماعي تناوب فيه خمس أشخاص على اغتصاب فينا ، أعقبه ضرب مبرح، ثم محاولة بدائية لتمويه الجريمة عبر إلقاء الجثتين على الطريق لتبدو كحادث سير.

المحاكمات التي تلت ذلك انتهت بإدانات وأحكام سجن طويلة بحق عدد من المتهمين. وهكذا سقطت رواية “الحادث العرضي”، لتحل محلها حقيقة أكثر قسوة ، لكن الرواية الشعبية كانت قد سبقت القضاء بخطوات.

ماذا تقول الوثائق الرسمية ؟

في السجلات القضائية الإندونيسية لا يظهر أي ذكر لاعتماد “تلبّس” أو شهادة روح كدليل قانوني. الملف بُني على معطيات تقليدية: تقارير طبية، اعترافات، شهادات، وأدلة مادية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن تسجيل صديقة فينا انتشر على نطاق واسع، وأصبح جزءاً من الوعي العام بالقضية ، بل إن القصة عادت إلى الواجهة بقوة عام 2024 بعد عرض فيلم Vina: Sebelum 7 Hari الذي استعاد فكرة “السبعة أيام” ورسخها في المخيلة الجماعية ، هنا بدأ التداخل بين الوثيقة والأسطورة .

هل كانت صديقة فينا “متلبّسة” فعلاً ؟

لفهم هذه النقطة، لا بد من النظر إلى السياق الثقافي والنفسي معاً.

في الثقافة الجاوية، الاعتقاد بأن روح المقتول قد تعود للمطالبة بالعدالة ليس غريباً. فكرة “الروح الغاضبة” أو “الروح الباحثة عن إنصاف” متجذرة في الموروث الشعبي، ما يجعل تقبّل مثل هذه الرواية أمراً طبيعياً لدى قطاع واسع من المجتمع.

في المقابل، يقدم علم النفس تفسيراً مختلفاً، الصدمة الحادة، خصوصاً حين ترتبط بفقدان عنيف، قد تدفع بعض الأشخاص إلى حالات انفصال ذهني أو تبني صوت وشخصية الضحية بشكل غير واع،  في لحظات الانهيار، يمكن للعقل أن يعيد تشكيل الواقع كآلية دفاع.

وهناك احتمال ثالث أكثر بساطة: أن بعض المعلومات عن الجناة كانت متداولة في المحيط الاجتماعي قبل إعلانها رسمياً، وأن ما قيل في حالة الانفعال لم يكن كشفاً غيبياً بقدر ما كان إعادة صياغة لما هو معروف همساً.

بين هذه الاحتمالات، لا يملك التحقيق القضائي دليلاً على تدخل خارق. لكنه أيضاً لا يستطيع محو الأثر الذي تركته القصة في الوعي الشعبي.

الحقيقة الأكثر إزعاجاً

المفارقة أن الجريمة لم تكن بحاجة إلى عنصر ماورائي كي تصبح صادمة، ما حدث كان كافياً بذاته: عنف جماعي، استغلال، محاولة تمويه، وتحقيق أولي بدا متسرعاً.

لكن المجتمعات حين تصطدم بوحشية لا تُحتمل، تبحث أحياناً عن سردية تتجاوز البشر، فكرة أن روح الضحية عادت لتنتقم تمنح نوعاً من العدالة الرمزية، عدالة لا تعتمد على محضر رسمي بل على ميزان أخلاقي كوني ، ربما لم تتحدث فينا من عالم آخر ، لكن قصتها، بصيغتها الشعبية، أدت وظيفة مهمة: أبقت القضية حية، ومنعت نسيانها السريع.

تطورات الملف القضائي والاحكام

صدرت أحكام بالسجن المؤبد بحق بعض المتهمين الذين اعتُبروا الأكثر تورطاً في الاعتداء والقتل ، بينما نال آخرون أحكاماً بالسجن لمدد طويلة (عقود من السجن) وفق دور كل منهم ، بعض المتهمين كانوا قُصّراً وقت الجريمة، وبالتالي خضعوا لقانون قضاء الأحداث، ما يعني أحكاماً أخف من البالغين ، لم تُطبق عقوبة الإعدام في هذه القضية.

القضية لم تهدأ تماماً بعد صدور الأحكام ، بقيت تساؤلات حول عدد الجناة الحقيقي ، وما إذا كان هناك متهمون لم يُقبض عليهم

في عام 2024، وبعد عرض فيلم Vina: Sebelum 7 Hari عاد الملف إلى الواجهة بقوة، وبدأت مراجعات قانونية جديدة.

في 2024 تم القبض على مشتبه به إضافي كان يُعتبر فارّاً منذ سنوات، وأُعيدت بعض جوانب القضية للمراجعة. كما ظهرت مطالبات بإعادة تقييم أحكام بعض المدانين بحجة وجود تناقضات في التحقيقات الأولى.

أي أن القضية دخلت مرحلة مراجعات قانونية لاحقة، وهو ما جعلها تعود إلى النقاش الوطني في إندونيسيا.

بين الأسطورة والملف القضائي

اليوم، تقف قضية فينا في منطقة رمادية بين حكم المحكمة وحكم الذاكرة الجماعية. الجريمة مثبتة، والإدانات قائمة، لكن النقاش لم ينتهِ تماماً داخل إندونيسيا حول ما إذا كان كل المسؤولين قد حوسبوا فعلاً، أو ما إذا كانت العدالة جاءت متأخرة.

أما قصة “الروح التي تكلمت”، فتبقى خارج نطاق الإثبات القانوني، لكنها داخل نطاق الإيمان الشعبي.

وهنا يكمن السؤال الأعمق: حين يعجز البشر عن تقبل حجم القسوة، هل نخلق نحن العدالة في صورة روح عائدة ؟ أم أن العدالة، في بعض الأحيان، تحتاج إلى أسطورة كي تُسمع ؟