من بخور المعابد القديمة إلى طقوس استدعاء الجن والأرواح، كيف أصبح الدخان وسيطاً مزعوماً بين عالم البشر والعالم الخفي ؟ ولماذا اعتقد السحرة أن روائح معينة تجذب بعض الكيانات، بينما تطردها روائح أخرى ؟

مرآة الحبر ودخان الاستحضار

في القاهرة خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر، جلس صبي لم يتجاوز التاسعة من عمره أمام رجل يزعم امتلاكه القدرة على استحضار كائنات من العالم غير المرئي، وُضعت أمامهما مبخرة تحتوي على جمر مشتعل، بينما أخذ الرجل يردد عبارات غامضة، استعداداً لطقس يُعرف باسم "ضرب المندل" ، لم يكن الصبي يحمل مرآة زجاجية، وإنما بقعة من الحبر صبّها الرجل في وسط مربع مرسوم على كف يده، طلب منه التحديق فيها دون أن يرفع رأسه، فيما تصاعد دخان اللبان وبذور الكزبرة المحترقة داخل الغرفة.

وبحسب الرواية، بدأ الصبي يصف رجلاً يكنس الأرض، ثم أعلاماً ملونة وجنوداً وخياماً، كأن مشاهد كاملة تُعرض أمامه داخل تلك البقعة السوداء، ومع استمرار الطقس، أضاف الرجل المزيد من المواد إلى الجمر، حتى اشتد الدخان وأصبح مؤلماً للعينين.

لم تكن هذه الحادثة مجرد قصة متناقلة عن ساحر مجهول، بل وصفها المستشرق البريطاني إدوارد وليم لين Edward William Lane في كتابه أخلاق المصريين المحدثين وعاداتهم An Account of the Manners and Customs of the Modern Egyptians، الصادر عام 1836، بعدما حضر التجربة بنفسه.

وسجل لين أن الساحر كان ينسب قدرته إلى كائنات من الجن اعتبرها أرواحاً مساعدة له. لكنه لم يقدم دليلاً مستقلاً على أن الصور التي وصفها الصبي جاءت فعلاً من عالم غير مرئي ، كانت هذه إحدى الممارسات التي لعب فيها الدخان دوراً أساسياً، ليس لمجرد تعطير المكان، وإنما بوصفه جزءاً من محاولة الاتصال بكيانات يُعتقد أنها تستجيب للنداءات والتعاويذ.

لكن لماذا احتاج الساحر إلى البخور أصلاً ؟ وما الذي كان يُفترض أن يفعله الدخان حتى تنكشف أسرار عالم لا تستطيع العين المجردة رؤيته ؟

لماذا الدخان تحديداً ؟

منذ أقدم العصور، ارتبط إحراق المواد العطرية بالممارسات الدينية والطقوس المرتبطة بالقوى الغيبية، فقد تصاعد الدخان من مذابح المعابد المصرية واليونانية والرومانية، ودخل في طقوس تكريم الأسلاف في آسيا، ثم أصبح عنصراً مألوفاً في بعض كتب السحر والعزائم، ولم يكن اختيار الدخان اعتباطياً بالضرورة، فالدخان ظاهرة استثنائية في نظر الإنسان القديم؛ ينشأ من مادة صلبة يمكن لمسها، لكنه سرعان ما يتحول إلى شيء منتشر ومتحرك، يُرى ولا يمكن الإمساك به، ثم يتلاشى دون أن يعرف المراقب أين اختفى.

وربما كانت هذه الطبيعة العابرة أحد أسباب ارتباطه بالعالم غير المرئي، فكما يتحول الخشب أو الراتنج إلى دخان، تصور بعض القدماء أن القرابين المادية قد تتحول بدورها إلى صورة تستطيع الآلهة والأرواح استقبالها.

في الديانة اليونانية والرومانية، لم يكن الدخان المتصاعد من القرابين مجرد ناتج للاحتراق، بل حمل دلالة على انتقال التقدمة من عالم البشر إلى عالم الآلهة، وأحياناً اعتُبرت الرائحة نفسها غذاءً رمزياً للقوى الإلهية.

وتشير الباحثة الفرنسية فيرونيك ميل Véronique Mehl في دراستها عن البخور والحضور الإلهي في اليونان القديمة، إلى أن الدخان يجمع بين المادي وغير المادي، ولذلك أصبح ملائماً لتصور طبيعة الآلهة وحضورها.

ومن هنا يمكن فهم ثلاثة أدوار أساسية أُسندت إلى البخور: تقديم قربان إلى الكيان الغيبي، وتهيئة مكان يُعتقد أنه مناسب لحضوره، وإيجاد وسيط محسوس للتواصل مع وجود غير محسوس.

غير أن هذه الأدوار لم تكن متطابقة بين الحضارات، كما أن استخدام البخور في العبادة لا يعني بالضرورة استخدامه في السحر أو استحضار الأرواح.

كيفي: بخور الليل في معابد مصر القديمة

من أبرز الأمثلة التاريخية على الرمزية الطقسية للروائح بخور كيفي Kyphi، المعروف في المصرية القديمة باسم قريب من "كابت" Kapet ، لم يكن كيفي مجرد راتنج عطري واحد، بل خليطاً معقداً من مكونات مختلفة، ارتبط باستخدامات دينية في المعابد المصرية.

يذكر الفيلسوف اليوناني بلوتارخ في كتابه إيزيس وأوزوريس أن المصريين كانوا يقدمون ثلاثة أصناف من البخور للشمس في أوقات مختلفة: الراتنج عند الشروق، والمر عند الظهيرة، وكيفي عند الغروب، ويشرح بلوتارخ أن اختيار كيفي للمساء يرتبط بطبيعته المركبة، في مقابل المواد الأبسط التي اعتقد أنها تلائم النهار، كما ينسب إلى رائحته تأثيراً مهدئاً يساعد على النوم ويهيئ الذهن للأحلام.

وتكشف هذه الشهادة عن أمر مهم: لم تكن المادة العطرية تُختار دائماً بسبب رائحتها وحدها، وإنما أيضاً بسبب ارتباطها الرمزي بوقت محدد وطبيعة القوة التي تُقدم إليها، لكن لا يصح اعتبار كيفي بخوراً لاستحضار الشياطين أو الأرواح لمجرد أنه استُخدم في طقوس دينية،  فالشواهد التي يقدمها بلوتارخ تتعلق أساساً بالتقديس والقرابين والأحلام، ولا تثبت وجود علاقة مباشرة بين هذا البخور واستدعاء الكيانات الشريرة ، ومع ذلك، تمثل حالة كيفي مرحلة مهمة في تاريخ الاعتقاد بأن لكل توقيت أو طقس رائحة مناسبة.

لكل كيان بخوره: أسرار الروائح السبعة

تظهر الفكرة بصورة أكثر وضوحاً في مجموعة النصوص المعروفة باسم البرديات السحرية المصرية اليونانية Greek Magical Papyri، وهي نصوص محفوظة من العصرين الهلنستي والروماني، تشتمل على تعاويذ وطقوس استدعاء وتنبؤ وممارسات سحرية متنوعة ، في إحدى هذه البرديات، المسماة PGM XIII تظهر قائمة لافتة تخصص بخوراً معيناً لكل واحد من سبعة آلهة مرتبطة بالأجرام السماوية السبعة المعروفة في علم الفلك القديم.

فالإله كرونوس، المرتبط بزحل، خُصص له بخور الإصطرك Styrax بينما ارتبط زيوس، المقابل للمشتري، بورق المالاباثروم Malabathron أما آريس، إله الحرب المرتبط بالمريخ، فقد خُصص له القسط Costus.

واختير اللبان Frankincense لـ هيليوس إله الشمس،والسنبل الهندي Indian Nard لـ أفروديت، المرتبطة بالزهرة،والكاسيا Cassia لـ هرمس المرتبط بعطارد، والمر Myrrh لـ سيليني إلهة القمر.

ولم يكتف النص بذكر هذه الارتباطات، بل وصفها بأنها أنواع من البخور ذات خصوصية سرية، وقدم تعليلاً لاختيار الإصطرك لكرونوس يتعلق بثقل رائحته وطبيعتها العطرية، هذا المثال يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا يُفترض أن يستجيب كيان معين لرائحة الإصطرك، بينما تكون رائحة اللبان أنسب لكيان آخر ؟

لفهم ذلك، ينبغي الانتقال إلى إحدى النظريات التي هيمنت على التفكير السحري القديم، وهي نظرية المراسلات أو التناظرات السحرية Magical Correspondences.

ما سر التوافق بين الكيان والرائحة ؟

اعتقد بعض السحرة والمنجمين القدماء أن الكون لا يتكون من أشياء منفصلة تماماً، بل من شبكة من العلاقات الخفية، فلكل كوكب، بحسب هذا التصور، طبيعة معينة تنعكس في بعض الأحجار والمعادن والألوان والأصوات والمواد العطرية الموجودة على الأرض، وبذلك تصبح الرائحة جزءاً من منظومة واسعة، تتصل فيها المادة الأرضية بالقوة السماوية التي يُعتقد أنها تقابلها.

فالمادة المنسوبة إلى الشمس، مثلاً، لا تكتسب أهميتها من جمال رائحتها فحسب، وإنما من الاعتقاد بأنها تحمل صفات شمسية تجعلها متوافقة مع القوة المقصودة، ويظهر هذا التفكير بوضوح في كتاب غاية الحكيم، وهو من أبرز مؤلفات السحر النجمي العربية في العصور الوسطى، والذي انتقل إلى أوروبا باسم بيكاتريكس Picatrix.

يقوم جانب من هذا التراث على فكرة أن نجاح الطقس المزعوم يتطلب توافقاً بين طبيعة القوة المراد مخاطبتها والمواد المستخدمة والتوقيت الفلكي والرموز المصاحبة.

وفي القرن السادس عشر، وسّع الكاتب الألماني هاينريش كورنيليوس أغريبا Heinrich Cornelius Agrippa هذه التصورات في كتابه الفلسفة الخفية Three Books of Occult Philosophy حيث خصص فصولاً لتأثير التبخيرات والروائح وعلاقتها بالكواكب والأرواح، وبحسب أغريبا، ينبغي أن تتوافق التبخيرات المستخدمة في الأعمال المنسوبة إلى الشمس مع طبيعتها، وأن تتوافق تلك المستخدمة للقمر مع طبيعته، وينطبق الأمر نفسه على بقية الكواكب، وهكذا لم يكن البخور، في نظر أصحاب هذه المعتقدات، مجرد عطر يُقدم للكيان لإرضائه، بل مادة يُفترض أنها تضبط الطقس على "طبيعته" الخاصة.

ويمكن تشبيه هذا التصور، من حيث وظيفته الرمزية وحدها، بمحاولة اختيار إشارة محددة للوصول إلى جهة معينة، فكما أن لكل مخاطب اسماً أو عنواناً، افترض السحرة أن لبعض القوى الغيبية روائح ومواد تُميزها عن غيرها.

لكن هذه المنظومة لم تكن معرفة علمية بخصائص الكيانات، وإنما بناءً اعتقادياً نشأ من التنجيم والفلسفة الطبيعية والتقاليد السحرية المتوارثة.

هل اتفق السحرة على البخور المناسب لكل كيان ؟

المثير أن الإجابة هي: لا ، فعند مقارنة البرديات السحرية المصرية اليونانية بتراث يوناني آخر يُعرف باسم الأناشيد الأورفية Orphic Hymns، تظهر اختلافات تكشف أن العلاقة بين الكيان والبخور لم تكن ثابتة، فبينما تخصص البردية PGM XIII بخور القسط للإله آريس، يذكر النشيد الأورفي المخصص له اللبان، كذلك يرتبط زيوس في القائمة الأولى بالمالاباثروم، بينما تتضمن الأناشيد الأورفية الموجهة إلى زيوس صوراً مختلفة من التبخير، منها اللبان، والأكثر لفتاً أن بعض الأناشيد تميز بين تجليات الإله نفسه؛ إذ يرتبط هرمس في أحد سياقاته باللبان، بينما يرتبط هرمس المنسوب إلى العالم السفلي بالإصطرك، هذا الاختلاف يعني أن اختيار البخور كان يعتمد أحياناً على طبيعة الدور المنسوب إلى الإله، وليس هويته وحدها، ومن المحتمل أن اختلاف هذه التخصيصات يعكس تنوع التقاليد المحلية والمصادر التي انتقلت منها الوصفات، إلى جانب تعدد التفسيرات الرمزية، وهو ما يضعف الفكرة الشائعة لدى بعض المهتمين بالسحر بأن هناك قائمة عالمية ثابتة تحدد نوع البخور اللازم لاستدعاء كل روح أو شيطان.

فإذا كانت الروائح تمتلك توافقاً موضوعياً وحتمياً مع الكيانات، فلماذا اختلفت النصوص القديمة في تحديدها ؟

هذا السؤال لا يقدم وحده حكماً نهائياً على جميع المعتقدات الغيبية، لكنه يكشف أن كثيراً من العلاقات المنسوبة إلى البخور نتجت عن تقاليد بشرية مختلفة أكثر من كونها حقائق مستقلة ومتفقاً عليها.

الروائح الطيبة والكريهة: بين الترحيب والإكراه

من أغرب جوانب تاريخ التبخير السحري ذلك التمييز بين الروائح الطيبة والروائح الكريهة، فالروائح الطيبة، كاللبان والمر وبعض الأخشاب العطرية، ارتبطت في كثير من الثقافات بالطهارة والقداسة والاستقبال والقرابين، أما الروائح الكريهة، مثل بعض الروائح الناتجة عن الاحتراق النفاذ أو المواد العضوية المتحللة، فقد اتخذت أدواراً مختلفة تماماً.

ويظهر هذا الفصل بصورة صريحة في كتاب مفتاح سليمان The Key of Solomon، وهو أحد أشهر كتب السحر الأوروبية المنسوبة تقليدياً إلى الملك سليمان، دون أن تكون نسبته إليه ثابتة تاريخياً ، ففي الفصل العاشر من الكتاب الثاني، الذي يتناول البخور والتبخيرات والعطور المستخدمة في الفنون السحرية، يميز النص بين الروائح الطيبة المقدمة للأرواح الخيّرة والروائح الكريهة المخصصة للأرواح الشريرة، غير أن العلاقة لم تكن دائماً بهذه البساطة.

تكشف الباحثة بريتا آغر Britta K. Ager في كتابها رائحة السحر القديم The Scent of Ancient Magic الصادر عام 2022، أن بعض الممارسات السحرية اليونانية الرومانية استخدمت الروائح الكريهة بوصفها وسيلة تهديد وإكراه، لا مجرد قرابين للكيانات الشريرة، فوفق هذا الاعتقاد، إذا لم يستجب الكيان للطقس المعتاد، يمكن محاولة إجباره بواسطة تبخير شديد الكراهة.

وتصف الباحثة كيف أن بعض النصوص السحرية تعاملت مع الروائح الكريهة وكأنها سلاح يمكن توجيهه ضد القوى المستحضرة، وهنا تتغير وظيفة البخور جذرياً؛ فبدلاً من أن يكون دعوة مهذبة لاستقبال الكيان، يصبح أداة مزعومة لإجباره على الاستجابة.

لكن ينبغي عدم التسرع في اعتبار الروائح الكريهة دائماً مرتبطة بالشياطين، أو الروائح الطيبة دائماً مرتبطة بالآلهة والأرواح الخيرة، فقد تختلف دلالة المادة نفسها بين تقليد وآخر، كما يمكن لرائحة طيبة أن تُستخدم في طقس لطرد الأرواح، ولرائحة منفرة أن تُستخدم في طقس هدفه الحماية، والتمييز في النهاية يعود إلى الاعتقاد الذي يمنح الرائحة معناها، لا إلى وجود صفة أخلاقية خارقة داخل جزيئاتها.

هل اعتقد السحرة أن الدخان يمنح الأرواح شكلاً مرئياً ؟

لم تقتصر المعتقدات المرتبطة بالبخور على جذب الأرواح أو إبعادها، ففي بعض النصوص ظهرت فكرة أكثر غرابة، وهي أن الأبخرة قد تساعد الكيانات غير المرئية على الظهور في هيئة محسوسة.

يذكر أغريبا في كتابه الفلسفة الخفية مزاعم تقول إن تبخيرات معينة تجعل صور الأرواح تظهر في الهواء أو في أماكن أخرى، ويورد تصورات قديمة عن علاقة الأبخرة بالقوى الهوائية وبالقدرة على إحداث رؤى غير مألوفة، وكان هذا التصور منسجماً مع الاعتقاد بأن العالم يحتوي على كائنات ذات طبيعة لطيفة أو هوائية، لا تشبه الأجسام البشرية الكثيفة، وقد ساعدت طبيعة الدخان نفسه على تخيل هذه الفكرة؛ فهو يتشكل أمام العين، وتتحرك خيوطه في أنماط متغيرة، وقد تبدو أحياناً كأنها أشكال بشرية أو حيوانية قبل أن تتلاشى، ومن الممكن أن تكون هذه الخاصية البصرية قد عززت الاعتقاد بأن بعض الكيانات تستطيع اتخاذ هيئة مؤقتة داخل الدخان، لكنها لا تقدم دليلاً على أن هذه الظاهرة تحدث فعلاً، فما تراه العين في سحابة متحركة قد يتأثر بالإضاءة والتوقع المسبق وميل الدماغ إلى التعرف على الأنماط المألوفة حتى عندما تكون عشوائية كما في ظاهرة الباريدوليا.

البخور في طقوس الجن والزار العربية

في المجتمعات العربية، ارتبط التبخير بممارسات متعددة، بعضها يومي واجتماعي يتعلق بالتعطير والضيافة، وبعضها ديني أو شعبي يرتبط بالطهارة والحماية، وبعضها دخل في ممارسات العرافة والعزائم وادعاءات التواصل مع الجن.

ولعل تجربة "ضرب المندل" التي وصفها إدوارد لين تقدم مثالاً تاريخياً مباشراً على إدخال البخور في ممارسات يُزعم أنها تستعين بالجن لكشف معلومات غائبة، لكن هناك مثالاً آخر أكثر ارتباطاً بالوساطة الروحية، يتمثل في طقوس الزار التي عُرفت في مصر والسودان ومناطق أخرى.

بحسب المعتقدات المرتبطة بالزار، قد تنسب بعض المعاناة الجسدية أو النفسية إلى أرواح تمتلك رغبات وشخصيات خاصة، ويمكن التفاوض معها أو استرضاؤها عبر طقوس تتضمن الموسيقى والإنشاد والرقص والقرابين والتبخير.

وتقدم الباحثة الأنثروبولوجية هاجر الحديدي Hager El Hadidi في كتابها Zar: Spirit Possession, Music, and Healing Rituals in Egypt، دراسة ميدانية عن هذه الممارسات، وتتناول دور البخور في افتتاح بعض طقوس الزار، ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التبخير باعتباره إعلاناً عن بدء التواصل الطقسي مع العالم الذي يعتقد المشاركون أن الأرواح تعيش فيه.

أما المعتقدات الشعبية المتعلقة باللبان والحرمل والجاوي، فتقدم وجهاً مختلفاً للتبخير، حيث يصبح الدخان وسيلة يُرجى منها دفع العين والحسد أو إبعاد الأذى المنسوب إلى الجن، وقد وثقت دراسة أنثروبولوجية عن اللبان في سلطنة عُمان، نشرت عام 2023، استمرار التبخير باعتباره ممارسة يومية واحتفالية تحكمها تصورات اجتماعية وثقافية ودينية.

ويكشف هذا التنوع عن مفارقة مهمة: فالدخان الذي يُعتقد أنه يجذب كياناً في طقس استحضار، قد يُنظر إليه في منزل آخر باعتباره وسيلة لطرد القوى المؤذية، وليس هناك ما يثبت أن جميع هذه الممارسات تستند إلى نظرية واحدة أو أن المواد المستخدمة فيها تملك تأثيرات خارقة ثابتة.

البخور في آسيا: رسالة إلى الآلهة وأرواح الأسلاف

لم تنحصر فكرة الدخان بوصفه وسيلة اتصال بالعالم غير المرئي في مصر أو الشرق الأوسط أو أوروبا، ففي الصين، أصبح حرق أعواد البخور جزءاً بارزاً من طقوس تكريم الآلهة والأسلاف، حيث يُعتقد أن إشعاله يفتح قناة رمزية لنقل الدعاء والرغبات إلى القوى الروحية.

وفي دراسة عن البخور في الديانة الصينية التقليدية، يوضح الباحثان سكوت هابكيرك وهسون تشانغ أن البخور لا يقتصر على التواصل مع الآلهة، بل يساهم أيضاً في بناء الروابط بين جماعات المعابد والحفاظ على هويتها.

أما في جنوب غرب الصين، فقد وثقت دراسة ميدانية بين جماعات «باي» في منطقة شاشي استخدام خلطات عطرية تُحرق بالقرب من المعابد والقبور والمواقد المنزلية، بقصد التواصل مع الأسلاف والأرواح والآلهة وفق المعتقدات المحلية، واللافت أن الباحثين وجدوا أن رائحة الدخان نفسها كانت معياراً أساسياً في اختيار المواد المستخدمة، ومع ذلك، ينبغي التمييز بين استحضار كيان في طقس سحري، وبين تقديم البخور للأسلاف في تقليد ديني أو عائلي، فوجود الاعتقاد بالتواصل مع عالم الأرواح لا يجعل جميع هذه الممارسات شكلاً من الشعوذة.إن المشترك بينها هو إسناد وظيفة رمزية للدخان والرائحة، بينما تختلف طبيعة الكيانات المقصودة والأهداف المنشودة.

كيف تؤثر الروائح في الوعي والإدراك ؟

بعيداً عن المعتقدات الغيبية، يمتلك الدخان والروائح تأثيرات حسية ونفسية حقيقية يمكن دراستها علمياً، فحاسة الشم ترتبط بمناطق دماغية تلعب أدواراً مهمة في معالجة العاطفة والذاكرة، ومنها اللوزة الدماغية والحُصين، ولهذا قد تستثير رائحة معينة ذكريات قديمة ومشاعر قوية بصورة تبدو مفاجئة، وقد يحدث أن يرتبط عطر محدد في ذاكرة الإنسان بمكان مقدس، أو بمجلس عزاء، أو بطقس مخيف حضره في طفولته. وعندما يشم الرائحة مجدداً، تعود إليه المشاعر المرتبطة بالتجربة السابقة، حتى لو لم يدرك سببها مباشرة.

وهذا يفتح احتمالاً تفسيرياً مهماً: إذا اعتاد شخص أن رائحة معينة ترافق طقساً يُقال إنه يستحضر الأرواح، فقد تصبح الرائحة نفسها إشارة نفسية ترفع مستوى الترقب لديه، وعندما يجتمع ذلك مع الظلام والأصوات المتكررة والإنشاد والتركيز الطويل، قد تزداد قابلية تفسير المؤثرات الغامضة باعتبارها علامات على حضور كيان غير مرئي، لكن لا يجوز افتراض أن جميع تجارب الإحساس بحضور الكيانات ناجمة عن الروائح وحدها، أو أن كل رائحة قوية قادرة على إحداث الهلوسة.

فهناك اختلاف كبير بين التأثير العاطفي للروائح، والتأثيرات الناتجة عن استنشاق دخان ملوث، والتغيرات الإدراكية المرتبطة بعوامل أخرى.

كذلك لا توجد معايير حسية مطلقة تجعل الرائحة طيبة أو كريهة لجميع البشر بالدرجة نفسها. فقد أظهرت دراسات مقارنة بين ثقافات مختلفة وجود قدر من الاتفاق على الروائح المستحبة والمنفرة، مع اختلافات فردية وثقافية مهمة.

وبالتالي، فإن منح رائحة معينة صفة روحية أو شيطانية يُعد تفسيراً ثقافياً يتجاوز الخصائص الكيميائية المعروفة للمادة.

هل يمكن أن يفسر الدخان بعض الرؤى المزعومة ؟

يستحق دخان الاحتراق نفسه اهتماماً مستقلاً عن أثر الروائح، فالبخور المحترق لا يطلق مواد عطرية فقط، بل قد ينتج أيضاً جسيمات دقيقة وغازات ومواد كيميائية تختلف بحسب تركيب المادة وطريقة احتراقها والتهوية المحيطة.

وفي دراسة علمية منشورة عام 2013 عن دخان البخور المستخدم في الإمارات، وجد الباحثون أن احتراق بعض أنواعه داخل بيئة مغلقة يمكن أن يطلق ملوثات تشمل أول أكسيد الكربون والجسيمات الدقيقة ومواد مهيجة للجهاز التنفسي، وقد أظهرت التجارب كذلك استجابات التهابية في خلايا رئوية تعرضت لمكونات الدخان، لكن هذه النتائج لا تثبت أن البخور يسبب بالضرورة رؤى خارقة أو حالات هلوسة، وإنما تشير إلى ضرورة أخذ التعرض للدخان والتهوية والتأثيرات الصحية في الاعتبار عند دراسة أي تجربة تتضمن تبخيراً كثيفاً.

ومن المهم أيضاً التمييز بين الأبخرة العطرية المعتادة وبين حرق مواد لها خصائص نفسية التأثير، فقد استخدمت بعض المجتمعات القديمة مواد مختلفة ضمن سياقات طقسية، لكن لا يجوز تعميم خصائص مادة على أنواع البخور الأخرى.

وإذا عدنا إلى تجربة "مرآة الحبر" التي وصفها إدوارد لين، نجد أن الطفل لم يكن معرضاً للرائحة فحسب، بل أيضاً لتوجيهات الساحر وأسئلته المتتابعة والدخان المهيج والتركيز البصري المطول، وهذه عوامل ينبغي أخذها مجتمعة في الحسبان، قبل نسبة ما وصفه الصبي إلى ظهور أرواح أو كيانات مستقلة.

هل يؤثر البخور في الكيانات أم في الإنسان ؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي تكشفه رحلة البخور عبر تاريخ السحر والشعوذة، ففي النصوص القديمة، يُفترض أن الرائحة تصل إلى الكيان غير المرئي فتجذبه أو ترضيه أو تطرده أو تجبره على الاستجابة، أما من منظور علم النفس والإدراك، فالطرف الذي يمكننا التحقق من استجابته للرائحة هو الإنسان الموجود في المكان.

إن تغيير رائحة الغرفة يغير تجربة الحضور فيها، وقد يحول المكان المألوف إلى فضاء يبدو غريباً أو مقدساً أو مثيراً للرهبة، بحسب الرائحة والسياق والتوقعات المرتبطة بها.

كما أن استعمال البخور نفسه قد يؤدي وظيفة اجتماعية؛ فهو يعلن بداية الطقس، ويفصل بين الحياة اليومية والحدث الاستثنائي، ويمنح المشاركين علامة حسية مشتركة على دخولهم مرحلة مختلفة.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم بعض الأهمية التاريخية للبخور دون افتراض وجود تأثير خارق له في الكيانات، لكن ذلك لا يلغي القيمة التاريخية لهذه المعتقدات؛ فهي تكشف كيف تصور البشر العلاقة بين الحواس والعالم الخفي، وكيف حاولوا تحويل الظواهر المحسوسة إلى أدوات للتعامل مع المجهول.

الدخان الذي حمل أسرار العالم الخفي

من المعابد المصرية التي احترق فيها بخور كيفي عند الغروب، إلى البرديات السحرية التي خصصت روائح مختلفة للآلهة والكواكب، ومن كتب السحر الأوروبية التي ميزت بين العطور الطيبة والتبخيرات الكريهة، إلى طقوس الزار والعزائم التي عُرفت في بعض المجتمعات العربية، ظل الدخان حاضراً بوصفه وسيطاً رمزياً بين الإنسان وما يعتقد أنه عالم غير مرئي.

وفي بعض هذه الممارسات، لم يكن البخور مجرد قربان، بل تحوّل إلى وسيلة مزعومة للاستدعاء أو الإكراه أو الطرد، بل وحتى المساعدة على ظهور الكيانات في هيئة يمكن رؤيتها.

غير أن المقارنة التاريخية تكشف أن تخصيص بخور معين لكيان معين لم يكن قاعدة ثابتة؛ فقد اختلفت المواد والروائح باختلاف التقاليد والكتّاب والأزمنة، حتى عندما كان المقصود الإله نفسه.

ولا تقدم الأدلة المتاحة إثباتاً علمياً بأن رائحة محددة قادرة على استحضار الجن أو الأرواح أو الشياطين، في المقابل، نعرف أن الروائح تؤثر في الذاكرة والعاطفة، وأن الدخان قد يغير البيئة الحسية المحيطة، وأن التوقعات المسبقة يمكن أن تؤثر في تفسير الإنسان لما يشعر به أو يراه.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة هي أن السحرة اعتقدوا أنهم يستعملون الرائحة للتأثير في الكيانات الغيبية، بينما قد تكون الرائحة في كثير من الحالات تؤثر أولاً في أذهانهم هم.

وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً من زاوية تاريخ المعتقدات: هل اختار البشر البخور لأنهم اعتقدوا أنه يفتح أبواب العالم الخفي، أم أنهم تصوروا وجود تلك الأبواب لأن الدخان كان يمنحهم إحساساً بعبورها ؟