في مكان ما من الأندلس قبل أكثر من ألف عام، جمع مؤلف مجهول الهوية لقرون خلاصة عالم كامل من الأفكار التي كانت تقف آنذاك على الحدود بين الفلسفة والفلك والتنجيم والطبيعيات والسحر، تحدث عن الكواكب والنفوس والطلسمات والخواص الخفية للأشياء، ورسم صورة للكون بوصفه شبكة هائلة من المراسلات بين السماء والأرض.
حمل الكتاب اسماً عربياً هو "غاية الحكيم وأحق النتيجتين بالتقديم" ثم عبر بعد نحو ثلاثة قرون إلى أوروبا، فتغيرت لغته واسمه وبيئته الثقافية، وصار معروفاً باللاتينية باسم بيكاتريكس Picatrix.
هناك لم يعد مجرد كتاب عربي في العلوم الخفية، بل أصبح واحداً من المؤلفات التي قرأها وناقشها رجال عصر النهضة، ووجد أثره طريقه إلى عالم مارسيلو فيتشينو وهاينريش كورنيليوس أغريبا وغيرهما ممن حاولوا بناء ما عُرف لاحقاً بـ "الفلسفة الخفية".
لكن المفارقة تبدأ قبل ذلك كله: فالرجل الذي ظل اسمه مطبوعاً على الكتاب قروناً طويلة قد لا يكون مؤلفه أصلاً.
مؤلف عاش تحت اسم رجل آخر
اشتهر "غاية الحكيم" تقليدياً بوصفه من تأليف العالم الأندلسي مسلمة المجريطي وهو فلكي ورياضي بارز عاش في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، وقد رسخت هذه النسبة في المخطوطات والمصادر المتأخرة، حتى إن اسم المجريطي ما زال يظهر على بعض الطبعات الحديثة ، إلا أن الدراسات الحديثة قلبت الصورة ، فقد توصلت الباحثة ماريبل فييرو، ثم دعمت أعمال لاحقة النتيجة نفسها، إلى أن المؤلف الأرجح هو مسلمة بن قاسم القرطبي المتوفى سنة 964 م وليس مسلمة المجريطي الذي عاش بعده، كما دعمت المقارنات النصية بين "غاية الحكيم" وكتاب آخر بعنوان "رتبة الحكيم" صلة العملين بالقرطبي وبالبيئة الفكرية للأندلس في منتصف القرن العاشر.
وبذلك يصبح تاريخ تأليف الكتاب أقدم مما كان يعتقد سابقاً ويرجح أن صورته الأساسية ظهرت في النصف الثاني من القرن العاشر، وتحديداً في حدود الفترة بين 954 و959 م.
وهكذا نجد أنفسنا منذ البداية أمام أول ألغاز "غاية الحكيم": كتاب بقي حياً أكثر من ألف سنة، بينما عاش مؤلفه الحقيقي معظم ذلك الزمن خلف اسم شخص آخر.
موسوعة للعلوم الخفية
ليس "غاية الحكيم" كتاب تعاويذ بالمعنى الشعبي البسيط، كما قد يوحي تصنيفه الحديث ضمن كتب السحر، بل عمل موسوعي يحاول أن يمنح الممارسات السحرية أساساً فلسفياً وكونياً.
جمع مؤلفه مادته من عدد هائل من الكتب والتقاليد السابقة؛ وتشير الدراسات الحديثة إلى اعتماده بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أكثر من مئتي مصدر، وتمتد جذور هذه المادة من الأندلس وشمال أفريقيا إلى اليونان ومصر والعراق وفارس والهند، مروراً بـ التراث الهرمسي والأفلاطوني المحدث والتنجيم اليوناني والعربي والمعتقدات المرتبطة بحرّان والصابئة.
ويظهر كذلك أثر واضح لأفكار إخوان الصفا ونظرتهم إلى الكون والإنسان والأعداد والطبيعة، بل إن الدراسات التي قارنت النصوص وجدت صلات وثيقة بين "غاية الحكيم" و"رسائل إخوان الصفا"، الأمر الذي يجعل الكتاب جزءاً من شبكة فكرية أوسع بكثير من مجرد مؤلفات السحر الشعبية.
ومن هنا تأتي أهميته: فهو لا يكتفي بالقول إن للطلاسم أو الكواكب قوى خفية، بل يحاول تفسير : " لماذا يفترض أن تكون لها هذه القوى أصلاً ؟ ".
الكون شبكة من المراسلات
حتى نفهم الكتاب، ينبغي أن نترك جانباً التصنيف الحديث الصارم الذي يفصل بين العلم والدين والفلسفة والسحر.
العالم الذي ظهر فيه "غاية الحكيم" لم يكن يرى الحدود بينها كما نراها اليوم، فقد كان من الممكن أن يدرس الإنسان حركة الكواكب رياضياً ثم يبحث في دلالاتها التنجيمية، ثم ينتقل إلى السؤال عن تأثيرها المفترض في الطبيعة والنفس البشرية ، وفي قلب "غاية الحكيم" نجد تصوراً يقوم على أن الكون مترابط من أعلاه إلى أسفله.
للكوكب صفات معينة، وتلك الصفات تقابل معادن ونباتات وألواناً وروائح وأشكالاً وأوقاتاً بعينها في العالم الأرضي، فإذا كانت الأشياء مرتبطة ضمن شبكة كونية واحدة، افترض أصحاب هذه النظريات أن بالإمكان استخدام الموجودات الأرضية لاستقبال أو تمثيل التأثيرات السماوية.
إنها الفكرة التي ستعرف لاحقاً في الباطنية الغربية بمبدأ "المراسلات Correspondences: العالم الأصغر يعكس العالم الأكبر، وما في الأرض له نظير في السماء.
ومن هذا المنظور يصبح الطلسم في "غاية الحكيم" أكثر من مجرد رسم غامض؛ إنه، داخل المنظومة الفكرية للكتاب، محاولة لصنع نقطة التقاء بين الصورة والمادة والزمن والتأثير النجمي المفترض.
ولا يعني ذلك أن هذه التصورات حقائق مثبتة علمياً، بل إنها تعكس نموذجاً تاريخياً لفهم الطبيعة ظل مؤثراً قروناً قبل تطور العلوم الحديثة.
بين الفلسفة والسحر النجمي
يتألف الكتاب من أربع مقالات كبرى، لكنه ينتقل بين موضوعاته بطريقة تجعل الحدود بين الفلسفة والممارسة شديدة السيولة ، فيبدأ بمناقشات في ماهية الحكمة والمعرفة وبنية الكون، ثم يدخل تدريجياً إلى عالم الأفلاك والصور والطلسمات، والعلاقات المفترضة بين البروج والكواكب والمواد الأرضية، وما أطلق عليه المؤلف "روحانيات الكواكب".
ويضم كذلك مواد عن الأسماء والرموز والأشكال والتبخيرات والخواص التي كان يُعتقد أنها كامنة في بعض النباتات والمعادن والمواد الطبيعية.
لكن الأهم من تلك التفاصيل هو الإطار الفكري الذي يجمعها: فالكتاب يحاول تقديم السحر بوصفه معرفة بالعلاقات المستترة بين الأشياء، لا مجرد أفعال خارقة منفصلة عن الطبيعة.
ويحتوي النص أيضاً على مواد ومكونات لا تصلح للتجريب الحديث، وبعضها سام أو خطر، ولذلك فإن قيمته اليوم تاريخية وفكرية بالدرجة الأولى، بوصفه نافذة على تصور قديم للكون وموقع السحر داخله، وليس دليلاً عملياً ينبغي اتباعه.
هرمس يعود من جديد
يحضر هرمس المثلث العظمة Hermes Trismegistus بقوة في العالم الفكري الذي ينتمي إليه "غاية الحكيم" ، كان هرمس في التراث المتأخر شخصية شبه أسطورية نُسبت إليها علوم الحكمة والفلك والخيمياء والأسرار، وانتقلت النصوص الهرمسية بين الثقافات اليونانية والهلنستية والعربية ثم الأوروبية.
ويعكس "غاية الحكيم" هذا المناخ بوضوح، فالحكمة عنده ليست مجرد تراكم معلومات، وإنما معرفة بالأسباب الخفية التي تربط مستويات الكون بعضها ببعض.
وهذه النقطة ستصبح لاحقاً مفتاحاً مهماً لفهم سبب انجذاب مفكري النهضة الأوروبية إلى الكتاب؛ فقد كانوا هم أيضاً يعيشون فترة شهدت إحياءً واسعاً للهرمسية والأفلاطونية المحدثة والبحث عن "الحكمة القديمة" التي اعتقدوا أنها سبقت الفلسفة اليونانية نفسها ، وعندما وصل "غاية الحكيم" إليهم، وجد تربة فكرية مستعدة لاستقباله.
الرحلة الكبرى: من الأندلس إلى قشتالة
في القرن الثالث عشر بدأت الحياة الثانية للكتاب ، ففي بلاط الملك ألفونسو العاشر Alfonso X of Castile الذي اشتهر برعاية مشروعات ترجمة المؤلفات العربية في الفلك والتنجيم والعلوم، تمت ترجمة "غاية الحكيم" من العربية إلى القشتالية في منتصف القرن الثالث عشر، ثم انتقلت مادته بعد ذلك إلى اللاتينية ، ومن هنا ظهر الاسم الذي سيطغى لاحقاً على الاسم العربي: بيكاتريكس Picatrix.
أما أصل هذه الكلمة نفسها فلا يزال موضع نقاش، وظهرت فرضيات مختلفة لتفسيرها، ولهذا ينبغي الحذر من تقديم اشتقاق واحد باعتباره أمراً محسوماً.
والأهم أن النص اللاتيني لم يكن نسخة حرفية كاملة من "غاية الحكيم"، فقد مر عبر الترجمة القشتالية وتعرضت مواضع فيه للحذف أو التغيير أو إعادة الصياغة.
لذلك فإن الأدق تاريخياً هو النظر إلى بيكاتريكس Picatrix بوصفه النسخة الأوروبية المتحدرة من غاية الحكيم، لا بوصفه مطابقاً تماماً لكل ما ورد في الأصل العربي.
الكتاب يبدأ حياته الثانية في أوروبا
مر وقت قبل أن يصبح بيكاتريكس واسع الحضور في الثقافة الأوروبية، لكن مع انتشار المخطوطات اللاتينية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر أصبح جزءاً من عالم فكري جديد تماماً.
كانت أوروبا النهضة تعيد اكتشاف أفلاطون والأفلاطونية المحدثة والنصوص الهرمسية، ويتزايد فيها الاهتمام بالتنجيم والخيمياء والسحر الطبيعي والكابالا المسيحية.
وهنا بدأ بيكاتريكس وكأنه قادم من زمن بعيد حاملاً منظومة متكاملة لما كان يبحث عنه هؤلاء: الكون شبكة واحدة، النجوم تؤثر في العالم، والمواد والألوان والأصوات والصور ترتبط بعضها ببعض من خلال قوى غير مرئية.
ومن هنا أصبح الكتاب واحداً من النصوص المهمة في تاريخ ما يسمى اليوم السحر النجمي Astral Magic والباطنية الغربية، وقد وصفته الدراسات الحديثة بأنه أحد الأعمال الأساسية لفهم انتقال الأفكار السحرية من العالم القديم والعصور الوسطى إلى الثقافة الباطنية الأوروبية.
مارسيلو فيتشينو: قرأ الكتاب لكنه خشيه
من أبرز المفكرين الذين ظهرت صلتهم بالكتاب الفيلسوف الإيطالي مارسيلو فيتشينو Marsilio Ficino أحد أهم وجوه النهضة الفلورنسية.
كان فيتشينو مترجماً لأفلاطون ونصوص هرمسية، وسعى إلى تفسير العلاقة بين النفس والكون والقوى السماوية ضمن إطار يمكن التوفيق بينه وبين المسيحية.
وقد كشفت دراسة هوامشه ومخطوطاته أنه كان يعرف بيكاتريكس ويعود إليه أثناء تفكيره في الصور والتأثيرات الفلكية والقوى التي كان يُعتقد أنها تعمل عبر الطبيعة ، لكن الأمر لم يكن مريحاً له ، ففي مؤلفاته المنشورة كان أكثر تحفظاً، ولم يكن راغباً في الظهور بمظهر من يتبنى كتاباً يحتوي على ممارسات قد تعتبرها الكنيسة سحراً محرماً أو استدعاءً للشياطين، وتظهر أبحاث حديثة أن ملاحظاته الخاصة كانت أكثر وضوحاً في الاستفادة من بيكاتريكس من بعض نصوصه المنشورة ، كان الكتاب، بعبارة أخرى، مفيداً بما يكفي ليُقرأ، وخطراً بما يكفي كي لا يُذكر دائماً.
أغريبا والفلسفة الخفية
وهنا نصل إلى الشخصية التي يعرفها كثير من قراء تاريخ السحر الغربي: هاينريش كورنيليوس أغريبا Heinrich Cornelius Agrippa.
في مؤلفه الشهير "في الفلسفة الخفية" De Occulta Philosophia حاول أغريبا أن يبني منظومة واسعة تجمع الطبيعة والنجوم والأعداد والأسماء والملائكة والنصوص الهرمسية والكابالا والموروث الفلسفي القديم.
وكان بيكاتريكس ضمن التراث الذي عرفه أغريبا واستفاد منه إلى جانب مؤلفات أخرى عربية ولاتينية ، وتشير موسوعة ستانفورد للفلسفة إلى أن أغريبا استخدم، إلى جانب المصادر الأكثر احتراماً في عصره، تراثاً سحرياً من العصور الوسطى كان من بينه بيكاتريكس إلى جانب الكندي وغيره من المفكرين الذين وصلوا إلى أوروبا باللاتينية ، لكن من المبالغة القول إن "غاية الحكيم" وحده صنع سحر أغريبا أو سحر عصر النهضة.
الصورة أدق وأكثر إثارة: فقد كان الكتاب أحد الجسور التي انتقلت عبرها أفكار عربية ويونانية وهرمسية وشرقية إلى عالم جديد، ثم اختلطت هناك بأفلاطونية فيتشينو والكابالا المسيحية والتراث الأوروبي الوسيط.
وهكذا تحولت أفكار جمعت في الأندلس خلال القرن العاشر إلى جزء من "الفلسفة الخفية" في أوروبا بعد خمسة قرون.
المفارقة الإسلامية
لكن ماذا كان مصير الكتاب في العالم الذي ظهر فيه أصلاً ؟
هنا تصبح القصة أكثر تعقيداً ، فالقول إن "غاية الحكيم" كتاب عربي ظهر داخل الحضارة الإسلامية لا يعني أن ما يحتويه كان مقبولاً في الإسلام، ولا أن ممارساته تمثل معتقدات المسلمين عموماً.
كان السحر مرفوضاً دينياً في الاتجاه الإسلامي السائد، في حين ظلت علوم أخرى على هامش الثقافة تتداول تحت أسماء مثل علم الطلسمات، والخواص، والسيمياء، وعلم الحروف والتنجيم ، وبين هذه المجالات لم تكن الحدود ثابتة دائماً.
فقد يرفض عالم السحر صراحة، لكنه يناقش الطلسمات باعتبارها علماً قديماً؛ وقد يبحث آخر في خواص النباتات والمعادن ضمن تصور للطبيعة لا يميز بسهولة بين التأثير الفيزيائي والتأثير الغيبي.
لذلك يشهد "غاية الحكيم" على وجود تيارات باطنية داخل الثقافة الإسلامية الوسيطة، لكنه لا يمثل موقف الإسلام نفسه من السحر ، وهذا التفريق ضروري خصوصاً عند قراءة النص خارج سياقه التاريخي.
ابن خلدون وسمعة غاية الحكيم
بعد قرون من تأليفه ظل الكتاب معروفاً في المؤلفات العربية ، ويكفي أن ابن خلدون أشار إليه عندما ناقش علوم السحر والطلسمات في "المقدمة" وتعامل معه بوصفه مؤلفاً مهماً في هذا الباب، وإن كان موقفه من تلك العلوم في النهاية نقدياً ومحكوماً أيضاً برؤية دينية.
وتكشف هذه الإشارات عن مفارقة لافتة: يمكن لكتاب أن يكون موضع رفض من حيث المجال الذي ينتمي إليه، وفي الوقت نفسه يكون مُعترف به بوصفه مرجعاً رئيسياً لفهم ذلك المجال ، وهذا تقريباً ما حدث مع "غاية الحكيم" ، لم يصبح كتاباً شرعياً أو دينياً، وإنما ظل جزءاً من تراث العلوم الخفية الذي عرفه المؤلفون وتداولته بعض الدوائر والمخطوطات.
غاية الحكيم ليس شمس المعارف الكبرى
قد يميل القارئ العربي اليوم إلى وضع "غاية الحكيم" و"شمس المعارف الكبرى" في خانة واحدة، لكن بينهما اختلافاً مهماً.
فـ"شمس المعارف" في صورته التي وصلت إلى الثقافة الشعبية يرتبط بدرجة كبيرة بالحروف والأوفاق والأسماء والعزائم والممارسات الروحانية ، أما "غاية الحكيم" فيقف على أرضية مختلفة نسبياً ، إنه أكثر ارتباطاً بـالسحر النجمي والتنجيم والفلسفة الطبيعية والمراسلات الكونية والطلسمات، ويقضي مساحة كبيرة في بناء تفسير نظري للعلاقة بين الأفلاك والعالم الأرضي.
وبلغة مبسطة: إذا كان "شمس المعارف" أصبح في المخيلة الشعبية العربية نموذجاً لـ"كتاب السحر" فإن "غاية الحكيم" أقرب إلى محاولة بناء "فلسفة للسحر".
وربما لهذا السبب تحديداً كان تأثيره في أوروبا النهضة عميقاً؛ فقد وجده مفكرو ذلك العصر مناسباً لمحاولاتهم الجمع بين الفلسفة القديمة والفلك والهرمسية والبحث في القوى الخفية للطبيعة.
كتاب عربي أصبحت شهرته غربية
ثمة مفارقة أخرى في تاريخ "غاية الحكيم" ، فبينما ظل اسمه معروفاً لدى المتخصصين وبعض المشتغلين بالتراث في العالم الإسلامي، حصل الكتاب على حياة أكثر اتساعاً في الغرب تحت اسم بيكاتريكس Picatrix.
صار موضوعاً لدراسات في تاريخ السحر والهرمسية وعصر النهضة والعلوم في العصور الوسطى، وصدرت ترجمات حديثة ودراسات نقدية حول مصادره وتأثيره.
حتى أصبح القارئ الغربي المهتم بالباطنية قد يعرف بيكاتريكس من دون أن يدرك أحياناً أن خلف هذا الاسم كتاباً عربياً أندلسياً عنوانه "غاية الحكيم".
وهذا في حد ذاته يكشف شيئاً مهماً عن حركة الأفكار بين الحضارات: النصوص لا تنتقل دائماً بهويتها الأصلية، بل قد تتغير أسماؤها ومعانيها ومكانتها حين تعبر اللغة والزمان.
هل كان كتاباً في السحر أم في المعرفة ؟
ربما يكون السؤال نفسه حديثاً أكثر مما ينبغي ، فبالنسبة إلى مؤلف "غاية الحكيم" لم تكن هناك الحدود نفسها التي نرسمها اليوم بين الفلسفة والطبيعة والتنجيم والسحر.
لقد تصور عالماً تحركه علاقات خفية، وفيه للنجوم والأعداد والصور والمواد مواقع داخل نظام كوني واحد، أما نحن اليوم فنعرف أن كثيراً من الادعاءات التنجيمية والسحرية الواردة في هذه المنظومة لا تقوم على دليل علمي تجريبي.
لكن سقوط فرضيات الكتاب العلمية لا يسقط أهميته التاريخية، فهو يخبرنا كيف حاول بعض مثقفي العصور الوسطى تفسير العالم، وكيف انتقلت هذه التصورات من حضارة إلى أخرى، وكيف يمكن لنص أن يتحول حين ينتقل من العربية إلى القشتالية ثم اللاتينية من كتاب أندلسي في "الحكمة" إلى واحد من أشهر كتب السحر في تاريخ الغرب.
حياة سرية امتدت ألف عام
ربما لهذا السبب ما زال "غاية الحكيم" يثير الفضول بعد أكثر من ألف سنة ، ليس لأن أسراره أثبتت قدرتها على التحكم بالكواكب أو القوى الخفية، وإنما لأن رحلته نفسها تكاد تكون أغرب من محتواه.
لم يكن "غاية الحكيم" مجرد كتاب في السحر ، لقد كان جسراً عبرت فوقه أفكار العالم القديم والعالم الإسلامي إلى أوروبا ثم أعادت أوروبا صياغتها بطريقتها الخاصة.
ولعل أغرب ما في قصته أن كثيراً مما أصبح لاحقاً جزءاً من صورة "الساحر الغربي" كان يحمل، في مكان ما من سلسلة انتقاله الطويلة، أثراً من صفحات كتاب كُتب بالعربية تحت سماء الأندلس.