هل يمكن أن يرى الإنسان في منامه شخصاً يودعه، ثم يكتشف بعد استيقاظه أن ذلك الشخص فارق الحياة في الليلة نفسها ؟ وهل تنطوي بعض الأحلام على اتصال غامض بين العقول في لحظات الموت، أم أن المصادفة والذاكرة الانتقائية تصنعان هذا الترابط المدهش ؟

حلم تزامن مع الرحيل

في إحدى ليالي سبعينيات القرن التاسع عشر، كان طالب بريطاني يقيم بعيداً عن موطنه عندما رأى حلماً شديد الوضوح،  سمع صوت رجل يُدعى ويليام إدواردز William Edwards يناديه بإلحاح، فوجد نفسه في المنام إلى جواره، يصلي معه ويراقبه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، كان الطالب يعرف إدواردز منذ سنوات، حين اعتاد زيارته أثناء مرضه، لكنه تعافى لاحقاً وانقطعت أخبارهما، لذلك لم يكن لديه سبب ظاهر للاعتقاد بأن الرجل يواجه الموت مجدداً.

استيقظ الشاب متأثراً بالحلم عند الثالثة صباحاً، وبحسب شهادته، أخبر بعض زملائه بما شاهده، وفي اليوم التالي وصلته رسالة من والدته تشير فيها إلى احتمال وفاة إدواردز، وعندما استفسر، علم أن الرجل توفي بين منتصف الليل والثالثة صباحاً، أي خلال الفترة التي رأى فيها الحلم، وأنه كان يتمنى حضوره إلى جانبه في أيامه الأخيرة.

وردت هذه الشهادة ضمن كتاب "أطياف الراحلين" Phantasms of the Living الصادر عام 1886 وهو من أبرز الأعمال المبكرة لـ جمعية البحث النفسي البريطانية SPR.

لم تكن هذه الحالة فريدة؛ فقد جمع الباحثون شهادات أخرى لأشخاص رأوا في منامهم أقارب أو معارف يودعونهم أو يبلغونهم برسائل غريبة، ثم علموا لاحقاً بوفاتهم في أوقات قريبة من حدوث الأحلام.

أحلام التزامن مع الوفاة: ظاهرة تحت البحث

يُستخدم تعبير أحلام التزامن مع الوفاة Death-Coincidence Dreams لوصف الأحلام التي يظهر فيها شخص أو يُشار إلى موته، ليتبين لاحقاً أنه توفي في وقت قريب من الحلم، دون علم الحالم بالحادثة مسبقاً وهو وصف متداول لهذه التجارب، وليس تصنيفاً علمياً موحداً ، وترتبط الظاهرة بمفهوم أوسع في أدبيات الباراسيكولوجي يُعرف باسم تجلّيات الأزمات Crisis Apparitions ويشمل رؤية شخص أو سماع صوته أو الإحساس بحضوره أثناء النوم أو اليقظة، بالتزامن مع تعرضه لخطر شديد أو وفاته.

بدأ الاهتمام المنهجي بهذه الظواهر مع تأسيس جمعية البحث النفسي البريطانية (SPR) عام 1882،  وفي كتاب Phantasms of the Living جمع الباحثون إدموند غيرني وفريدريك مايرز وفرانك بودمور شهادات حاولوا التحقق منها بمقارنة توقيت الأحلام بالأحداث، والاستعانة بشهود سمعوا الروايات قبل وصول الأخبار.

وفي عام 1894، نُشرت نتائج مشروع تعداد الهلوسات Census of Hallucinations الذي شمل نحو 17 ألف مشارك ، وركز على تجارب الإحساس بحضور أشخاص أثناء اليقظة، خصوصاً عندما تزامنت مع وفاتهم خلال فترة لا تتجاوز اثنتي عشرة ساعة قبل الوفاة أو بعدها.

اعتبر الباحثون أن بعض حالات التزامن تجاوزت ما توقعته حساباتهم للمصادفة، واقترحوا احتمال وجود اتصال غير حسي بين العقول، لكن النتائج واجهت انتقادات تتعلق بدقة الذاكرة، وانتقاء الحالات اللافتة، وصعوبة تقدير عدد التجارب التي لم تتوافق مع أي حدث. كما أن المشروع لم يكن إحصاءً مباشراً للأحلام.

شهادات تاريخية محيرة

 الجدتان المتوفيتان تعلنان قدوم الأب – 1943

نشر لورنس ناثان Lawrence Nathan في مجلة جمعية البحث النفسي البريطانية عام 1943 تقريراً عن حلم رأى فيه جدتيه المتوفيتين منذ نحو عشرين عاماً تتحدثان معاً ، وقالت إحداهما إن "جو" قادم إليهما، وهو اسم والد ناثان.

استيقظ الرجل مقتنعاً بأن والده توفي، رغم انقطاع التواصل بينهما منذ عامين،  ووفق الرواية، تبيّن أن الأب فارق الحياة في الليلة نفسها.

تتميز الحالة بطبيعتها الرمزية؛ فلم يشاهد ناثان والده يحتضر، وإنما سمع حديثاً فسره بوصفه إعلاناً عن وفاته، ومع ذلك، تبقى شهادة تاريخية لا يمكن التحقق من تفاصيلها اليوم بصورة مستقلة.

حلمت بوفاة رجل لم تره منذ 16 عاماً – 1975

في التاسع من أبريل 1975، رأت امرأة بريطانية تُدعى السيدة ليكيس Mrs. Lickiss حلماً رمزياً عن وفاة رجل انقطعت عن رؤيته منذ نحو ستة عشر عاماً.

أخبرت زوجها بالحلم صباحاً، ثم فوجئت أثناء خروجها برؤية الرجل نفسه يقود سيارة،  تحدثت إلى صديقتها عن المصادفة الغريبة، قبل أن تعلم لاحقاً أن الرجل أصيب بأزمة قلبية أثناء توقفه عند إشارة مرور وتوفي.

نشر الباحث برايان نيسبت Brian C. Nisbet الحالة عام 1977 في مجلة جمعية البحث النفسي، مشيراً إلى أهمية إخبار المرأة آخرين بالحلم قبل سماع خبر الوفاة، لكن إفادتها المكتوبة أُرسلت بعد الواقعة بخمسة أشهر، مما يحدّ من القدرة على التحقق من التفاصيل بدقة، وتنتمي هذه الحالة إلى الأحلام الاستباقية (التنبؤية) القريبة من الوفاة، أكثر من كونها تزامناً دقيقاً معها.

مارك توين وحلم وفاة شقيقه – 1858

روى الكاتب الأمريكي مارك توين Mark Twain في سيرته الذاتية أنه رأى شقيقه هنري ميتاً داخل تابوت معدني، وعلى صدره أزهار بيضاء تتوسطها زهرة حمراء، وبعد أسابيع، أصيب هنري في انفجار الباخرة النهرية Pennsylvania وتوفي متأثراً بجراحه، وعندما شاهد توين جثمان شقيقه، قال إنه وجد مشهداً يشبه حلمه، بما فيه التابوت والأزهار.

ورغم شهرة هذه الرواية، فإنها أقرب إلى الأحلام الاستباقية أو التنبؤية Precognitive Dreams لأنها سبقت الوفاة بأسابيع، كما أنها رُويت بعد مرور سنوات طويلة، دون وجود سجل معاصر للحلم يمكن الرجوع إليه.

هل يحدث اتصال بين العقول في لحظات الموت ؟

من الفرضيات الماورائية التي ناقشها الباحثون التخاطر وقت الأزمات Crisis Telepathy، ومفادها أن الإنسان قد ينقل، عند تعرضه لخطر شديد أو اقترابه من الموت، انطباعاً ذهنياً إلى شخص آخر دون استخدام الحواس المعروفة، فيتحول ذلك الانطباع إلى مشهد حلمي.

تناول الباحث والطبيب النفسي إيان ستيفنسون Ian Stevenson هذه الفكرة في كتابه "إنطباعات تخاطرية" Telepathic Impressions الصادر عام 1970، مستعرضاً خمساً وثلاثين حالة جديدة لانطباعات ارتبطت بأزمات أشخاص بعيدين.

وتذهب فرضية ماورائية أخرى إلى أن الوعي قد يستمر بعد الموت، وأن بعض الأحلام تمثل رسائل من الراحلين، خصوصاً عندما يظهر المتوفى مبتسماً أو مطمئناً، وكأنه يودع الحالم، غير أن أياً من الفرضيتين لم تثبت علمياً، وحتى لو أمكن إثبات حصول الحالم على معلومة مجهولة بطريقة غير مألوفة، فإن ذلك لا يحدد مصدرها بالضرورة، ولا يثبت أنها جاءت من روح المتوفى.

كيف يفسر علم النفس هذه الأحلام ؟

يقدم علم النفس عدة تفسيرات محتملة، أبرزها المصادفة والتذكر الانتقائي، فالإنسان يحلم طوال حياته بآلاف الأشخاص والمواقف، وبعضها يتعلق بالموت والمرض والحوادث، ومن المتوقع إحصائياً أن يتوافق عدد قليل من هذه الأحلام مع أحداث واقعية، بينما تُنسى الأحلام التي لم يتحقق شيء مما ورد فيها ، كذلك يمكن أن تتغير بعض تفاصيل الحلم عند استرجاعها بعد سماع الخبر، فيتذكر الإنسان العناصر المتوافقة مع الحادثة أكثر من غيرها.

وفي دراسة نشرتها كارولين وات Caroline Watt وزملاؤها عام 2014، وجد الباحثون أن المشاركين أظهروا ميلاً إلى تذكر أوجه التطابق بين الأحلام والأحداث أكثر من الحالات غير المتطابقة، وهو ما يساعد على فهم نشوء الاعتقاد بالأحلام الاستباقية.

وقد تؤثر الظروف النفسية والبيئية أيضاً في مضمون الأحلام، ففي دراسة بعنوان "أحلام تحت نيران القصف" Dreaming under Fire نُشرت عام 2020، جُمعت 609 أحلام من أشخاص يعيشون تحت تهديد مستمر لهجمات صاروخية، وأظهرت النتائج انعكاس الخوف والضغط النفسي على تجارب النوم، وهنا نشير إلى مثال عن تجربة كان قد أرسلها الكبيسي من العراق إلى موقعنا وحملت عنوان رسالة من الراحل في الفلوجة.

وهناك احتمال آخر يتمثل في المعرفة غير الواعية، إذ قد يلتقط العقل مؤشرات خفية عن مرض شخص أو حالته النفسية، ثم يعيد تركيبها في الحلم دون أن يدرك الحالم مصدرها، لكن هذه التفسيرات لا تنطبق بالضرورة على كل شهادة، خصوصاً عندما لا يكون للحالم اتصال حديث بالشخص المتوفى، أو عندما يدّعي أنه أخبر آخرين بتفاصيل دقيقة قبل وصول الخبر.

ماذا تقول الدراسات الحديثة ؟

في أبريل 2026، نشرت مجلة "'طب  النوم" Sleep Medicine مراجعة علمية بعنوان :

أحلام المتوفين: مراجعة استكشافية ومنهجية باستخدام أساليب بحثية مختلطة

Dreams of the Deceased: A Scoping and Mixed-Methods Systematic Review

 أعدتها زولكايدا مامات Zulkayda Mamat وزملاؤها، شملت المراجعة 110 منشورات، وأظهرت أن أحلام المتوفين ظاهرة موجودة في ثقافات متعددة، وترتبط بمعالجة الحزن والفقد واستمرار الروابط العاطفية مع الراحلين،  ومن موضوعاتها المتكررة الوداع والطمأنينة وتلقي الرسائل أو النصائح، لكن هذه الأبحاث تناولت أساساً أحلام أشخاص يعرف الحالم مسبقاً أنهم توفوا، وليس الأحلام التي تسبق وصول خبر الوفاة، ولذلك لا يمكن الاستناد إليها لإثبات وجود قدرة على استشعار الموت.

أما دراسة أحلام التزامن نفسها فتواجه تحدياً أساسياً هو "التوثيق المسبق" فأقوى الشهادات تلك التي يُسجَّل فيها مضمون الحلم قبل وقوع الحدث أو وصول خبره، مع وجود شهود مستقلين وإمكانية التحقق من التوقيت، وبدون ذلك، يصعب التمييز بين التطابق الحقيقي والمصادفة وتأثير الذاكرة.

بين الرسالة الأخيرة والمصادفة

تكمن جاذبية أحلام التزامن مع الوفاة في طبيعتها الإنسانية العميقة؛ فالحلم قد يتحول من تجربة عابرة إلى ذكرى لا تُنسى عندما يعلم صاحبه بأن شخصاً ظهر له مبتسماً أو مودعاً قد فارق الحياة بالفعل.

وفي المعتقدات الروحية، تبدو مثل هذه التجارب رسائل وداع من عالم آخر، بينما يرى علم النفس أن كثيراً منها يمكن فهمه من خلال آليات الأحلام والذاكرة والمصادفة. أما فرضية التخاطر، فرغم تاريخها الطويل في أبحاث الباراسيكولوجي، فلا تزال تفتقر إلى أدلة تجريبية حاسمة وقابلة للتكرار.

وبعد أكثر من قرن من جمع الشهادات، يبقى السؤال الأهم ليس مجرد وجود أحلام تبدو متزامنة مع الموت، بل ما إذا كانت هناك حالات موثقة بدقة تُظهر معرفة لا يمكن تفسيرها بالمعلومات السابقة أو بالاحتمالات الإحصائية.

وإلى أن تتوافر أدلة من هذا النوع، ستبقى أحلام التزامن مع الوفاة موضوعاً مثيراً للبحث عند الحدود الفاصلة بين علم النفس وأسرار الوعي والفرضيات الماورائية.