لطالما ارتبط الموت في المخيلة الإنسانية بفكرة الفراق النهائي. ومع ذلك، تظهر في ثقافات كثيرة حول العالم حكايات غريبة تقول إن بعض الموتى يعودون للحظة قصيرة بعد وفاتهم أو في لحظاتهم الأخيرة، ليس لإخافة الأحياء، بل لزيارتهم أو توديعهم ، المثير في هذه القصص أنها تتكرر بنمط متشابه بشكل لافت: شخص يرى أو يسمع أحد معارفه فجأة، يتحدث معه أو يراه يمر أمامه، ثم يكتشف لاحقاً أن ذلك الشخص قد مات في اللحظة نفسها تقريباً.

هذه الظاهرة معروفة في أدبيات الباراسيكولوجي باسم “تجليات لحظة الأزمة” Crisis Apparitions، وهي ليست بالضرورة أشباحاً بالمعنى التقليدي، بل تجليات أو إدراكات تحدث في لحظة حرجة من حياة شخص يحتضر أو يموت ، لكن هل هي رسائل وداع حقيقية ؟ أم مجرد خدع معقدة يصنعها العقل البشري تحت ضغط الصدمة ؟

ما هي ظاهرة تجليات لحظة الأزمة ؟

يشير المصطلح إلى تجربة يرى فيها شخص ما صورة إنسان يعرفه، أو يسمع صوته، أو يشعر بوجوده بشكل واضح، بينما يكون ذلك الشخص في الوقت نفسه على وشك الموت أو قد مات لتوه ، غالباً ما يحدث اللقاء في ظروف مفاجئة وغير متوقعة. فقد يظهر الشخص في غرفة المعيشة، أو يطرق الباب، أو يصبح مرئياً في الشارع، أو حتى يظهر في حلم شديد الواقعية .

اللافت أن كثيراً من هذه الحالات تتضمن عنصراً مشتركاً: يحدث الظهور قبل أن يعرف الشاهد بخبر الوفاة وقد وثق الباحثون في نهاية القرن التاسع عشر آلاف الحالات المشابهة عندما تأسست جمعية البحوث النفسية  (Society for Psychical Research) SPR  في بريطانيا، وهي من أول المؤسسات التي حاولت دراسة الظواهر الخارقة بأسلوب علمي نسبي.

أشهر الحكايات المسجلة عن زيارات الموتى

على مر العقود، ظهرت العديد من القصص التي رواها أشخاص عاديون أو مشاهير عن لقاءات غريبة مع أشخاص تبين لاحقاً أنهم ماتوا في اللحظة نفسها تقريباً.

حادثة الأدميرال البريطاني

في إحدى الروايات المنشورة في سجلات جمعية البحوث النفسية، ذكر ضابط بحري أنه رأى صديقه المقرب يقف في غرفة مكتبه للحظات قصيرة دون أن يتكلم. ظن الضابط أن صديقه جاء لزيارته ثم خرج بسرعة ، بعد ساعات وصلته برقية تخبره أن ذلك الصديق توفي في حادث في الوقت نفسه تقريباً الذي رآه فيه ، لم يستطع الضابط تفسير كيفية ظهور الرجل أمامه وهو في مكان يبعد مئات الكيلومترات.

تجربة الكاتب مارك توين

روى الكاتب الأمريكي الشهير مارك توين حادثة غريبة تتعلق بأخيه الأصغر. فقد ذكر أنه رأى في حلم شديد الواقعية جنازة أخيه قبل حدوثها بأيام، وكان التابوت في الحلم موضوعاً في غرفة معينة وعليه باقة ورد ، بعد فترة قصيرة مات أخوه بالفعل، وعندما حضر توين الجنازة اكتشف أن التابوت والزهور وموضع الجنازة كلها كانت مطابقة تقريباً لما رآه في حلمه ، رغم أن الحادثة ليست ظهوراً مباشراً لشخص ميت،يمكن تصنيفها أحياناً ضمن الظواهر المرتبطة بلحظة الموت أو ما يسميه الباحثون الإدراك المرتبط بالأزمة.

ظهور الجندي بعد مقتله

رويت في الحرب العالمية الأولى قصة جندي بريطاني ظهر لوالدته في منزلها وهو يرتدي زيه العسكري. دخل الغرفة، ابتسم لها، ثم اختفى ، بعد أيام قليلة وصلها خبر مقتله في المعركة، وتبين أن وفاته حدثت في اليوم نفسه تقريباً الذي رأت فيه الأم ابنها ، كانت هذه القصص منتشرة بين عائلات الجنود خلال الحربين العالميتين.

طرق ظهور الموتى في هذه القصص

عند دراسة روايات "تجليات لحظة الأزمة"، يلاحظ الباحثون أن اللقاءات لا تحدث بطريقة واحدة، بل تظهر بعدة أشكال متكررة ، في بعض الحالات يظهر الشخص بوضوح تام وكأنه حي، يتحدث أو يمشي أو يجلس للحظات قبل أن يختفي ، في حالات أخرى يكون الظهور صامتاً، حيث يرى الشاهد الشخص يقف أو ينظر إليه دون أن ينطق بكلمة ، كما تحدث أحياناً على شكل طرق على الباب أو مكالمة هاتفية أو سماع صوت ينادي الاسم، ثم يتبين لاحقاً أن الشخص الذي صدر عنه الصوت قد مات ، وهناك أيضاً نوع يحدث داخل الأحلام، لكنه يختلف عن الأحلام العادية بسبب وضوحه الشديد وإحساس الشاهد بأنه لقاء حقيقي.

هل الرؤى تقتصرعلى الأحباء ؟

قد يبدو أن هذه الظاهرة مرتبطة بالأشخاص المقربين فقط، لكن المثير أن بعض الروايات تتحدث عن ظهور أشخاص لم تكن العلاقة معهم قوية ، فقد يرى شخص زميلاً قديماً أو جاراً أو حتى شخصاً لم يكن يوده كثيراً ، هذا الأمر دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن العلاقة العاطفية ليست العامل الوحيد في حدوث التجربة ، ربما يكون الارتباط النفسي أو الذاكرة المشتركة كافياً لإحداث مثل هذه الإدراكات.

التفسير الباراسيكولوجي

في مجال الباراسيكولوجي توجد عدة فرضيات تحاول تفسير هذه الظاهرة ، إحدى الفرضيات تقول إن الشخص الذي يحتضر قد يرسل نوعاً من "الإشارة الذهنية" القوية في لحظة موته، فتلتقطها عقول الأشخاص المرتبطين به نفسياً ، يشبه ذلك ما يسمى التخاطر في لحظة الموت ، فرضية أخرى تفترض أن الوعي قد يظل نشطاً لفترة قصيرة بعد الموت، مما يسمح بحدوث "زيارة وداع" أخيرة ، لكن هذه الأفكار تبقى في إطار الفرضيات التي لم يثبتها العلم بشكل قاطع.

التفسير النفسي والعصبي

يقدم علم النفس تفسيراً مختلفاً وأكثر تحفظاً ، فالعقل البشري قادر على توليد صور واقعية جداً، خاصة عندما يكون الشخص في حالة تعب أو توتر أو حزن ، كما أن الدماغ يميل إلى ربط الأحداث العشوائية ببعضها. فإذا رأى شخص حلماً عن صديق قديم، ثم علم لاحقاً أن ذلك الصديق مات في اليوم نفسه، فقد يبدو الأمر وكأنه حدث خارق، رغم احتمال أن يكون مجرد مصادفة.

هناك أيضاً ما يسمى هلوسات الحزن Bereavement hallucinations، حيث يرى الأشخاص المتألمون من فقدان قريبهم صوراً أو يسمعون أصواته لفترة بعد موته ، وقد وجدت بعض الدراسات أن نسبة كبيرة من الأرامل والأرامل الذكور يمرون بتجارب مشابهة.

لماذا تبدو هذه التجارب واقعية إلى هذا الحد ؟

يعتقد علماء الأعصاب أن الدماغ عندما يسترجع ذكريات قوية عن شخص ما يمكن أن يعيد بناء صورته بشكل كامل تقريباً، لدرجة أن الإدراك يصبح قريباً من الرؤية الحقيقية ، كما أن مناطق في الدماغ مسؤولة عن التعرف على الوجوه والوجود الاجتماعي، وإذا نشطت بشكل غير عادي فقد تولد إحساساً بأن شخصاً ما موجود في الغرفة ، هذا قد يفسر شعور بعض الناس بأن شخصاً يقف خلفهم رغم عدم وجود أحد.

بين الطمأنينة والخوف

الغريب أن هذه التجارب لا يت تفسيرها دائماً على أنها مخيفة ، كثير من الناس يقولون إن اللقاء كان هادئاً ومريحاً، وكأنه رسالة وداع ، في المقابل يشعر آخرون برعب شديد، خاصة عندما يكون الظهور مفاجئاً أو صامتاً ، ربما يعود ذلك إلى طبيعة العلاقة السابقة مع الشخص المتوفى، أو إلى الطريقة التي ظهر بها.

لغز لم يجد حلاً بعد

رغم أكثر من قرن من البحث، ما زالت ظاهرة "تجليات لحظة الأزمة" لغزاً حقيقياً ، فمن جهة، تتكرر القصص بشكل مذهل في ثقافات مختلفة حول العالم ، ومن جهة أخرى، لم يتمكن العلم حتى الآن من إثبات وجود آلية خارقة تفسرها ، ربما تكون هذه التجارب مجرد نتاج لعقل الإنسان وقدرته المدهشة على خلق صور ومعانٍ في لحظات التوتر والصدمة أو ربما تكشف عن جانب من الوعي الإنساني ما زال مجهولاً.

في النهاية يبقى السؤال مفتوحاً: هل هي مصادفات نفسية… أم لحظات وداع حقيقية بين عالمين ؟