في شهر مايو من عام 2007، ومع بداية فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة في العراق، كنت أبلغ من العمر 16 عاماً، وأعيش في مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار، كانت الأوضاع الأمنية آنذاك في غاية السوء، خصوصاً في غرب العراق، حيث كانت الاشتباكات المسلحة بين القوات الأمريكية والمسلحين تحدث بصورة شبه يومية، دون أن يكون بمقدور أحد التنبؤ بموعد اندلاعها أو مكانها.

في تلك الفترة، كنت أعرف شخصاً يُدعى "رسول" لكن معرفتي به كانت سطحية جداً، فلا أكاد أعرف عنه سوى اسمه، ولم أكن أعلم عمره أو مكان سكنه، كنا نلتقي مصادفةً مرة أو مرتين في الأسبوع، بحكم ترددي على مكان قريب من المكان الذي يوجد فيه، كنت أستلطفه ولاحظت أنه كان أحياناً يُبدي حماساً ورغبةً شديدة في الحديث معي.

وذات ليلة، عندما خلدت إلى النوم، رأيت رسولاً في حلم غريب، ظهر أمامي بوجه مبتسم، وقال لي باللهجة العراقية :

" لا تدير بال اني زين والحمد لله في الجنة "

أي إنه يطلب مني ألا أقلق عليه، ويطمئنني بأنه بخير وفي الجنة، عندما استيقظت، شعرت بالدهشة والاستغراب، لماذا حلمت بهذا الشخص تحديداً، مع أن علاقتي به كانت محدودة، ولم يكن هناك ما يدعو إلى التفكير فيه ؟

بعد يومين من ذلك الحلم، ذهبت إلى المكان الذي اعتدت التردد عليه، وسألت الموجودين عن رسول، فأخبروني بأن اشتباكاً مسلحاً وقع في المنطقة بين القوات الأمريكية ومسلحين، وأن رسولاً أصيب خلاله في عنقه، ونقله عدد من الناس إلى المستشفى.

عند سماعي الخبر، قلت لهم على الفور: "رسول استشهد وإلى رحمة الله" ، لكنهم استغربوا كلامي، وأجابوني بأنه لم يمت بحسب ما يعرفون وأن الناس نقلوه إلى المستشفى ولم تصلهم بعد أي أخبار مؤكدة عن حالته.

بعد ذلك، استفسروا عن مصيره، ليتبين أن رسولاً قد فارق الحياة بالفعل، وأن وفاته حدثت في الليلة نفسها التي رأيته فيها في المنام، وهو يبتسم ويطمئنني بأنه بخير وفي الجنة !

كانت تلك المصادفة غريبة ومذهلة بالنسبة إلي، ولا سيما أنني لم أكن على صلة وثيقة برسول، ولم أكن أعلم شيئاً عن إصابته أو وفاته عندما رأيته في الحلم.

مرت سنوات طويلة على تلك الواقعة، لكنها ما زالت حاضرة في ذاكرتي، وكثيراً ما أعود للتفكير فيها محاولاً العثور على تفسير منطقي لما حدث، دون أن أتوصل إلى إجابة مقنعة.

أتمنى أن أجد من يستطيع تفسير هذه التجربة، أو أن أسمع عن تجارب مشابهة مرّ بها آخرون، لأعرف إن كنت الوحيد الذي عاش شيئاً كهذا.

يرويها الكبيسي (35 سنة) - العراق


تحليل التجربة

تثير هذه التجربة تساؤلاً قديماً ومتجدداً : هل يمكن أن يتلقى الإنسان، أثناء نومه، انطباعاً عن وفاة شخص آخر قبل أن يصله الخبر بالوسائل المعتادة ؟ أم أن ما يبدو اتصالاً غامضاً ليس سوى مصادفة اكتسبت أهميتها بعد وقوع الحدث ؟

في أدبيات الباراسيكولوجي، تُصنّف تجارب مشابهة ضمن ما يُعرف بـ أحلام التزامن مع الوفاة Death-Coincidence Dreams وهي أحلام يظهر فيها شخص لآخر قبيل وفاته أو أثناءها أو بعدها بفترة قصيرة، وقد يتحدث إليه مودعاً أو مطمئناً، ثم يكتشف الحالم لاحقاً أن ذلك الشخص قد توفي في وقت قريب من حدوث الحلم.

ما يلفت الانتباه في شهادة يوسف ثلاثة أمور: أولها أن علاقته برسول كانت سطحية، فلا يبدو أن هناك انشغالاً عاطفياً عميقاً يفسر ظهوره في الحلم، وثانيها أن رسول لم يظهر بصورة عادية، بل تحدث بما يوحي بوفاته وانتقاله إلى حياة أخرى، قائلاً إنه بخير وفي الجنة، وثالثها أن يوسف فوجئ بالحلم عند استيقاظه، بحسب روايته، قبل أن يعلم بإصابة الرجل ووفاته.

ومن المنظور النفسي، لا يمكن تجاهل الظروف الاستثنائية التي كانت تعيشها الفلوجة عام 2007، ففي بيئة يسودها الخوف من الاشتباكات والموت المفاجئ، قد تصبح موضوعات الفقد والنجاة حاضرة بقوة في الأحلام، حتى عندما يتعلق الأمر بأشخاص لا تربطنا بهم علاقات وثيقة، وقد أظهرت أبحاث علم نفس الأحلام أن التعرض المستمر للخطر والضغوط يؤثر في مضمون الأحلام وطبيعتها.

كذلك ينبغي مراعاة ظاهرة التذكر الانتقائي وإعادة بناء الذكريات، فالإنسان يحلم بأشخاص ومواقف كثيرة، لكنه يحتفظ بذكريات الأحلام التي يتبين لاحقاً أنها تتوافق مع أحداث واقعية، بينما تتلاشى الأحلام الأخرى، وقد تكتسب بعض التفاصيل وضوحاً أو أهمية إضافية عند استرجاعها بعد سنوات.

ومع ذلك، تبقى هناك فرضية يناقشها بعض الباحثين في الظواهر النفسية غير المألوفة، وهي احتمال حدوث اتصال أو إدراك غير حسي مرتبط بلحظات الأزمات والموت، لكن هذه الفرضية لم تثبت علمياً، ولا توجد أدلة كافية تسمح باعتبار الحلم رسالة فعلية من المتوفى أو دليلاً على استمرار الوعي بعد الموت.

وهنا تبرز مسألة مهمة تتعلق بالتوثيق: فقد علم يوسف بوفاة رسول بعد يومين، لكن الرواية لا تحدد ساعة الوفاة ولا توقيت الحلم بدقة، وبالتالي فإن التزامنهما في الليلة نفسها لا يعني بالضرورة وقوعهما في اللحظة ذاتها، كما أن إخبار يوسف للآخرين بأن رسول قد مات جاء بعد سماعه بخبر إصابته، وهي نقطة ينبغي أخذها في الحسبان عند تقييم الشهادة.

تبقى تجربة يوسف مثيرة للاهتمام، لكنها ليست دليلاً قاطعاً على اتصال الأرواح أو استباق المعرفة بالم، فقيمتها تكمن في اجتماع حلم ذي مضمون محدد مع وفاة غير متوقعة لشخص لم يكن يحتل مكانة كبيرة في حياة الحالم، وحتى إن كانت المصادفة أو آليات الذاكرة تفسيراً ممكناً، فإنها لا تلغي التأثير العميق الذي تتركه مثل هذه التجارب في أصحابها.

وربما يكون السؤال الأهم هنا: هل كان ظهور رسول في الحلم مجرد صورة استحضرها العقل في زمن كان الموت فيه حاضراً كل يوم، أم أن بعض تجارب النوم تنطوي على ظواهر لم نفهم طبيعتها بعد ؟