في معظم القصص الشعبية عن الـ "بولترغايست" Poltergiest  أو ما يُعرف بـ "ظاهرة الأشباح الضاجة"، تكون الظاهرة مزعجة أكثر مما هي قاتلة: طرقات على الجدران، أشياء تختفي من أماكنها، أثاث يتحرك، حجارة تُرمى من مصدر مجهول، أو أوانٍ تتحطم في منتصف الليل ، لكن بين هذه الحكايات تبرز قضية برازيلية شديدة القتامة، لا لأنها تتحدث عن بيت مسكون فحسب، بل لأنها تضع طفلة صغيرة في قلب مطاردة غامضة انتهت بالموت.

هذه هي قضية ماريا جوزيه فيريرا، الفتاة البرازيلية التي ارتبط اسمها بما صار يُعرف في أدبيات الماورائيات باسم بولترغايست جابوتيكابال، نسبة إلى مدينة جابوتيكابال Jaboticabal في ولاية ساو باولو ، بدأت القصة، بحسب الروايات المتداولة في ديسمبر عام 1965 عندما كانت ماريا في الحادية عشرة من عمرها وما بدأ كحوادث منزلية غريبة سرعان ما تحول إلى سلسلة من الاعتداءات والحرائق والظواهر العنيفة، قبل أن تنتهي القصة بنهاية مأساوية عام 1970.

طفلة في قلب العاصفة

كانت عائلة فيريرا - كما تصفها الروايات - عائلة كاثوليكية متدينة تعيش حياة بسيطة في مدينة جابوتيكابال البرازيلية، لم تكن ماريا، في ظاهر الأمر مختلفة عن أي طفلة في سنها، كانت في مرحلة مدرسية مبكرة تعيش بين بيتها وعائلتها ومدرستها قبل أن تبدأ سلسلة أحداث جعلت منها محور واحدة من أكثر قصص البولترغايست قتامة في أمريكا اللاتينية.

تقول الرواية إن الحوادث الأولى لم تكن كلها عنيفة بالدرجة نفسها، في البداية ظهرت علامات يمكن أن تندرج ضمن النمط الكلاسيكي للبولترغايست: أثاث يتحرك في غرفة النوم، أصوات غير مفسرة، أشياء تسقط أو تتحطم، لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً ، بعد ذلك بدأت الحوادث تأخذ شكلاً أكثر عدوانية: خدوش على جسد الفتاة، آثار عضّ، كدمات، وصفعات لا يُرى فاعلها.

كان الأمر كأن القوة الغامضة لا تريد فقط إزعاج العائلة، بل تريد أن تعلن أن ماريا، تحديداً، هي هدفها.

الطوب الذي سقط من سقف خشبي

من أشهر مشاهد القصة وأكثرها غرابة ما حدث، بحسب الرواية، بينما كانت العائلة مجتمعة في غرفة الجلوس، فجأة بدأت قطع من الطوب أو الحجارة تسقط من أعلى، كما لو أن السقف نفسه تحول إلى فتحة مجهولة تمطر البيت بأجسام صلبة، هرع أفراد العائلة إلى أماكن أخرى داخل المنزل، محاولين الاحتماء من الضربات المفاجئة.

كانت المشكلة أن البيت كان مبنياً من الخشب ، أي أن سقوط الطوب من السقف لم يكن له تفسير معماري بسيط ، لم يكن هناك سطح حجري ينهار، ولا جدار من الطوب يتفتت فوق رؤوسهم. ومع تكرار الظاهرة لأيام، بدأت العائلة تشعر أن ما يحدث ليس خدعة عابرة ولا حادثاً مادياً مألوفاً.

للوهلة الأولى، كان يمكن افتراض أن شخصاً ما يرمي الحجارة من الخارج، لكن استمرار ظهورها داخل البيت وتكرار الحوادث في ظروف مختلفة جعل العائلة تميل إلى تفسير أكثر رعباً: هناك قوة غير مرئية تعبث بالمنزل.

حين فشل التدخل الديني

بالنسبة لعائلة كاثوليكية متدينة، كان اللجوء إلى الكاهن خطوة طبيعية، إذا كانت هناك قوة شريرة في المنزل فالطقس الديني هو السلاح الأول، حضر الكاهن وأجرى ما اعتقدت العائلة أنه تطهير أو طرد للشر الكامن في البيت.

لكن الحوادث لم تتوقف بل تقول الرواية إنها عادت بعد وقت قصير وربما بصورة أشد ، هنا دخلت القصة مرحلة أكثر خطورة؛ لأن فشل التدخل الديني لا يعني، في عقل العائلة الخائفة، أن الظاهرة وهمية بل قد يعني العكس تماماً: أن الكيان أقوى مما ظنوا، أو أكثر عناداً، أو أن مركز المشكلة ليس البيت نفسه.

ومع استمرار الصور في السقوط من الجدران والمرايا في التحطم والأثاث في التحرك ، بدأ الكبار في المنزل يلاحظون شيئاً واحداً يتكرر في كل مرة: ماريا.

لم يكن السؤال بعد ذلك: هل البيت مسكون ؟ بل صار: هل ماريا نفسها هي مركز الظاهرة؟

هل كانت ماريا بوابة الظاهرة ؟ 

في أدبيات البولترغايست كثيراً ما يُلاحظ أن "النشاط الماورائي" لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بشخص معين، غالباً طفل أو مراهق، تظهر الحوادث حيثما يوجد هذا الشخص، وتضعف أو تختفي عندما يغيب ، لهذا السبب رأى بعض الباحثين في مثل هذه الحالات ما يسمونه “التحريك النفسي العفوي المتكرر”، أي أن ضغطاً نفسياً داخلياً قد يظهر، حسب الفرضية الباراسيكولوجية، في صورة حوادث مادية غير مفهومة.

في قضية ماريا، تقول الرواية إن العائلة والجيران لاحظوا أن الحوادث تتمحور حولها ، الصور لا تسقط عشوائياً إلا حين تكون قريبة، الأواني لا تتحطم إلا عندما تدخل الغرفة، الأصوات والطرقات والحجارة تظهر في محيطها، وكأنها ليست شاهدة على الظاهرة بل محورها.

هذا ما دفع جاراً للعائلة، يُدعى جواو فولبي، إلى التدخل.

جواو فولبي: طبيب الأسنان والروحاني

كان جواو فولبي طبيب أسنان، لكنه لم يكن مجرد جار فضولي، تذكر الروايات أنه كان يميل إلى الروحانيات وربما رأى في ماريا وسيطة طبيعية أو طفلة ذات قابلية روحية غير واعية تسمح بحدوث الظواهر حولها، عرض فولبي أن يأخذها إلى منزله لفترة على أمل أن تهدأ الأمور وربما يستطيع فهم ما يحدث بعيداً عن فزع العائلة الأصلي ، انتقلت ماريا إلى منزل فولبي وربما اعتقد الجميع أن تغيير المكان سيكسر الدائرة، لكن ما حدث حسب الرواية، كان العكس.

الحجارة تتبع ماريا إلى منزل جديد

لم تمضِ أيام طويلة حتى بدأت الحوادث تتكرر في منزل فولبي ، تقول الرواية إن الحجارة بدأت تسقط من الأعلى وتنتقل مع ماريا من غرفة إلى أخرى وبعد فترة، قيل إن فولبي جمع مئات الحجارة من داخل المنزل حتى بلغ عددها 312 حجراً، بعضها كان ثقيلاً بما يكفي لإحداث إصابات خطيرة.

ثم جاءت حوادث المطبخ ، ذات صباح، عندما دخلت ماريا الغرفة، بدأت الخزائن تصدر أصواتاً غريبة، ثم انفتحت الأبواب، وتطايرت الأكواب والأطباق من الرفوف لتتحطم على الأرض ، وعندما شعرت ماريا أنها سبب الفوضى وخرجت من المكان، هدأت الأمور فجأة.

هذا المشهد، إن صح، يعزز فكرة أن الظاهرة لم تكن مرتبطة بالبيت ولا بعائلة فيريرا وحدها، بل بالفتاة نفسها، لكن هنا يبرز سؤال آخر: إذا كانت ماريا هي المركز، فهل كانت ضحية قوة خارجية؟ أم أن الخوف والتوتر والضغط المحيط بها جعلها، بطريقة ما، محوراً لظاهرة لا يفهمها أحد ؟

الصديق الخفي الذي تحول إلى جلاد

من أغرب جوانب القضية أن القوة الغامضة لم تكن دائماً عدوانية ، تذكر بعض الروايات أن ماريا كانت تشعر أحياناً بوجود “رفاق غير مرئيين”، وأنها اكتشفت أنها إذا طلبت شيئاً صغيراً، كالحلوى أو الألعاب أو الكتب، فقد يظهر عند قدميها فجأة.

هذه التفاصيل تمنح القصة بعداً نفسياً معقداً ، فالكيان في تصور الطفلة، لم يكن شراً مطلقاً منذ البداية، ربما بدا أحياناً كصديق خفي، كائن يلاعبها ويمنحها ما تريد، لكن هذه العلاقة الغريبة كانت تنقلب سريعاً إلى العنف ، فما يهبها الحلوى اليوم قد يصفعها غداً وما يظهر لها لعبة قد يغرس في جسدها ألماً لا تفسير له.

هذا التحول من “اللعب” إلى “العقاب” هو ما يجعل القضية مرعبة حقاً ، فـ ماريا لم تكن تعيش فقط مع خوف خارجي بل مع علاقة غامضة لا تعرف متى تكون رحيمة ومتى تكون مدمرة.

الإبر: أكثر فصول القصة قتامة

تبلغ الرواية ذروتها المرعبة عند الحديث عن الإبر ، إذ تذكر المصادر المتداولة أن ماريا استيقظت في بعض الليالي لتجد إبر خياطة مغروسة في كعبيها وأسفل ساقيها،  وتذهب الرواية إلى أن 55 إبرة أُزيلت من جسدها في إحدى مراحل الحوادث ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فبعد تنظيف الجروح وتضميدها، قيل إن الضمادات كانت تُنزع عنها بطريقة غامضة، كما لو أن يداً غير مرئية تريد إبقاء الألم مكشوفاً.

هذه الجزئية، رغم شهرتها في القصة، هي من أكثر الأجزاء التي تحتاج إلى حذر ، فإذا كانت صحيحة فنحن أمام واقعة جسدية كان ينبغي أن تترك أثراً طبياً واضحاً: شهادات أطباء، تقارير علاج، أسماء شهود، وربما صور ، أما إذا بقيت في حدود السرد المتداول فهي تظل جزءاً من البنية الرعبية للقصة أكثر من كونها دليلاً مستقلاً.

ومع ذلك، فإن وجودها في الرواية يكشف شيئاً مهماً: لم يعد البولترغايست هنا مجرد “شبح صاخب”، بل أصبح قوة تعذيب.

يوم النار: 14 مارس 1966

في 14 مارس 1966، وصلت القضية إلى مرحلة جديدة، تقول الرواية إن ماريا كانت في قاعة الطعام في المدرسة عندما اشتعلت ملابسها أو بدأ جسدها يحترق فجأة ، تدخل أحد العاملين بسرعة وتمكن من إخماد النار قبل أن تسبب إصابات خطيرة، فلم تُصب إلا بحروق طفيفة.

لكن الغرابة لم تقف عند المدرسة ، في الوقت نفسه تقريباً اشتعلت غرفة ماريا في منزل فولبي ، حاول فولبي إطفاء الحريق، وتذكر الرواية أنه أصيب بحروق أثناء محاولته السيطرة على النار.

هذه الحادثة، إن صحت بتفاصيلها، كانت لحظة فاصلة، فالحجارة والأواني والخدوش يمكن أن تُحشر في خانة البولترغايست التقليدي، أما النار فتجعل الظاهرة أكثر خطورة. هنا يصبح السؤال: هل نحن أمام حوادث مفتعلة ؟ هل كان هناك تفسير مادي لم يُفهم في حينه ؟ أم أن الخوف الجماعي كان قد بلغ درجة جعلت كل حادث يقرأ فوراً كعلامة من الكيان ؟

في التحقيق الجاد، هذه الحادثة بالذات تحتاج إلى وثائق: هل وُجد تقرير من المدرسة ؟ هل سُجل الحريق ؟ هل عولجت ماريا طبياً ؟ هل هناك شهود مستقلون ؟ من دون ذلك، تبقى الحادثة قوية سردياً، لكنها غير كافية وحدها لإثبات ماورائي.

سنة في بيت فولبي

تذكر الرواية أن ماريا عاشت مع عائلة فولبي نحو عام ، وهذه ليست تفصيلة عابرة ، فاستضافة طفلة تطاردها ظواهر عنيفة لم تكن عملاً بسيطاً، خصوصاً إذا بدأت تلك الظواهر في تهديد بيت المضيف نفسه.

ربما رأى فولبي في ماريا طفلة تحتاج إلى إنقاذ ، وربما رأى فيها أيضاً حالة روحانية نادرة تستحق الدراسة ، لكن النتيجة، كما تقول الرواية، أن أسرته دفعت ثمناً قاسياً: حوادث متكررة، خوف، حرائق، وتعرضه هو نفسه للحروق.

عند هذه المرحلة، بدا أن الحل المحلي لم يعد كافياً، فالكاهن لم ينجح  ونقل ماريا من البيت لم ينجح ، وفولبي لم يستطع السيطرة على الظاهرة، لذلك اتجهت الأنظار إلى اسم كبير في عالم الروحانيات البرازيلية: تشيكو خافيير.

تشيكو خافيير: حين تحولت القضية إلى محاكمة روحية

كان تشيكو خافيير واحداً من أشهر الوسطاء الروحانيين في البرازيل، واسمه مرتبط بـ الكتابة الوسيطية (السيكوغرافيا) والتواصل مع الأرواح في الثقافة الروحانية البرازيلية ، وعندما دخلت قضية ماريا في دائرته تغير تفسير القصة جذرياً.

لم تعد ماريا فقط طفلة يطاردها بولترغايست بل أصبحت في التفسير الروحاني، روحاً تحمل ماضياً ثقيلاً من حياة سابقة، تقول الرواية إن خافيير رأى أن الأرواح التي تطاردها تحمل ضغينة قديمة ضدها؛ لأن ماريا في حياة سابقة كانت ساحرة مؤذية تسببت في معاناة كثيرين، وربما موتهم. لذلك جاءت تلك الأرواح لتنتقم.

هنا تبلغ القصة ذروة قسوتها الفكرية، فالتفسير لم يعد يبحث عن حماية طفلة حاضرة بل عن ذنب غامض في حياة لا تتذكرها ، وبحسب الرواية حاول خافيير أن يجادل تلك الأرواح: " حتى لو كان ما تقولونه صحيحاً، فماريا الحالية لا تذكر شيئاً من تلك الحياة، وهي الآن طفلة بلا نية شريرة ولا مسؤولية واعية عما مضى" ،  لكن الكيان - كما تنقل الحكاية - رفض هذا المنطق ولا شيء سوى موتها يمكن أن يرضي المنتقمين.

سواء صدقنا هذه الرواية أم لا، فإنها تكشف جانباً شديد الخطورة في بعض التفسيرات الروحانية: تحويل الضحية إلى متهمة، فالطفلة التي تتعرض للعذاب لا تُرى فقط كمظلومة بل كمن تدفع ثمن شر قديم ، وهذا النوع من التفسير قد يكون نفسياً أكثر فتكاً من الظاهرة نفسها.

نبذة عن الوسيط الروحاني خافيير 

لم يكن تشيكو خافيير شخصية هامشية في البرازيل، بل أحد أشهر الوسطاء الروحانيين في القرن العشرين، ورمزاً كبيراً في التيار الروحاني الكاردكي. وقد رأى فيه الملايين رجلاً زاهداً ووسيطاً نادراً، خصوصاً مع كثرة الكتب والرسائل المنسوبة إلى كتابته الوسيطية. غير أن مكانته الشعبية والدينية لا تجعل تفسيراته دليلاً علمياً على وجود الأرواح أو التناسخ. لذلك، فإن تفسيره لقضية ماريا فيريرا بوصفها انتقاماً من حياة سابقة يجب أن يُقرأ كجزء من الإطار الروحاني البرازيلي، لا كحقيقة تاريخية مثبتة.

هل أنقذها خافيير ؟

تقول الرواية إن خافيير قضى ساعات في الصلاة والعمل الروحاني من أجل ماريا، وأنه شعر لاحقاً بأن حضور البولترغايست ضعف أو ابتعد، وإن لم يكن متأكداً من زواله تماماً وبعد نحو عامين من بداية المحنة، عادت ماريا إلى عائلتها.

لكن الهدوء لم يكن كاملاً ، فحسب الرواية خفّت الهجمات وتباعدت لكنها لم تتوقف نهائياً، وبقي ظل القصة مع ماريا ، لا كأحداث خارجية فقط بل كهوية لصيقة بها: الفتاة التي تطاردها الأرواح، الطفلة التي قيل إنها كانت ساحرة في حياة أخرى، الضحية التي لا يرضى مطاردوها إلا بموتها ، هذا الإرث النفسي وحده كافٍ لتدمير طفولة كاملة.

النهاية المأساوية عام 1970

في عام 1970، انتهت حياة ماريا جوزيه فيريرا ، تذكر الروايات أنها ماتت في سن السادسة عشرة تقريباً بعد سنوات قليلة من بداية الحوادث ، وتربط بعض المصادر وفاتها بالانتحار قائلة إنها لم تستطع الهروب من "أشباح الماضي".

تقول الرواية إن النشاط الغريب توقف بعد موتها ، لكن حتى هذه العبارة رغم قوتها الدرامية لا تثبت أن الأرواح انتصرت ، قد تعني ببساطة أن القصة انتهت بانتهاء مركزها البشري.

قراءة ماورائية: أرواح منتقمة

من وجهة نظر روحانية، تبدو القضية كحالة انتقام من عالم آخر ، هناك طفلة وسيطة ، أرواح غاضبة، ذنب قديم، ومحاولة فاشلة للتفاوض مع كائنات لا تغفر، ضمن هذا الإطار تكون الحجارة والحرائق والإبر رسائل عقابية لا مجرد ظواهر عشوائية.

هذا التفسير ينسجم مع البيئة الروحانية البرازيلية التي تتداخل فيها الكاثوليكية الشعبية مع الروحانية الكاردكية وفكرة التناسخ والكارما ، ففي مثل هذا المناخ، ليس غريباً أن تُقرأ المعاناة باعتبارها امتداداً لحياة سابقة أو نتيجة حساب روحي مؤجل.

لكن المشكلة في هذا التفسير أنه يمنح القصة معنى على حساب الضحية، إنه يفسر ألم ماريا لكنه يفعل ذلك عبر تحميلها ذنباً لا دليل عليه، وفي النهاية يصبح السؤال الأخلاقي: هل نملك الحق في تفسير عذاب طفل بأنه قصاص روحي ؟

قراءة باراسيكولوجية: طاقة نفسية لا أرواح ؟

هناك قراءة أخرى لا ترى في البولترغايست روحاً منفصلة بل نشاطاً نفسياً غير واعٍ يتمحور حول شخص يعيش ضغطاً شديداً، هذه الفرضية المعروفة في أدبيات الباراسيكولوجيا باسم RSPK، تقول إن بعض الحوادث الغريبة قد تكون نتيجة طاقة نفسية مكبوتة تظهر مادياً حول شخص معين، غالباً في سن المراهقة.

إذا طبّقنا هذا التصور على ماريا، فقد لا تكون مطاردة من روح خارجية، بل تعيش حالة ضغط داخلي هائلة تُترجم، بطريقة غير مفهومة إلى اضطراب في محيطها، لكن هذه الفرضية رغم أنها أقل قسوة من اتهامها بذنب من حياة سابقة، تبقى غير مثبتة علمياً بالمعنى التجريبي الصارم.

ومع ذلك، فإنها تقدم زاوية مهمة: ربما لم تكن ماريا ساحرة سابقة ولا ضحية شيطان بل طفلة في أزمة أحاط بها الكبار بتفسيرات جعلت الأزمة أكثر رعباً.

قراءة نفسية واجتماعية: حين يصنع الخوف وحشه

من منظور نقدي، قد تكون القضية مثالاً على تفاعل معقد بين الخوف، والإيحاء، والتدين الشعبي، والتوتر الأسري، ورغبة الناس في إيجاد معنى لما لا يفهمونه، عندما تحدث حوادث غريبة في بيت متدين يصبح تفسير "الشر" جاهزاً، وعندما يلاحظ الجميع أن طفلة معينة حاضرة في معظم الحوادث تتحول الطفلة نفسها إلى علامة مشؤومة ، إقرأ المزيد عن : لماذا تحدث أغلب التجار بالماورائية في البيوت المتدينة

هنا قد يبدأ المحيط، من دون قصد، في صناعة الوحش، كل حركة حول ماريا تصبح دليلاً. كل إصابة تصبح رسالة. كل مصادفة تصبح علامة. وكل محاولة فاشلة للعلاج تؤكد أن القوة أقوى من البشر.

هذا لا يعني بالضرورة أن ماريا اختلقت كل شيء، ولا أن كل الشهود كذبوا ،  لكنه يعني أن القصص الخارقة، خصوصاً عندما تفتقر إلى توثيق مستقل، يمكن أن تنمو داخل بيئة الخوف كما تنمو النار في غرفة مغلقة.

أين تكمن المشكلة التوثيقية ؟

رغم شهرة قضية ماريا في أدبيات الماورائيات، فإنها تعاني من مشكلة واضحة: ندرة الوثائق الأولية المتاحة ، نحن نسمع عن شهود، أطباء، مدرسين، حوادث حريق، إبر أُزيلت من الجسد، وحجارة جُمعت من المنازل، لكن الوصول إلى تقارير أصلية أو شهادات منشورة بتفاصيلها ليس سهلاً.

وهنا يجب التمييز بين “قضية مشهورة” و”قضية موثقة”،  الشهرة تعني أن القصة انتشرت وتكررت في الكتب والمواقع والبرامج ، أما التوثيق فيعني وجود سجلات مستقلة يمكن فحصها: تقارير طبية، محاضر شرطة، صور أصلية، شهادات موقعة، مقالات صحفية معاصرة للأحداث.

في حالة ماريا، تبدو القصة قوية من ناحية السرد لكنها تحتاج إلى حذر من ناحية الإثبات، لذلك فإن أفضل تعامل معها ليس تقديمها كبرهان قاطع على وجود الأرواح بل كملف غامض تتقاطع فيه الماورائيات، والروحانيات البرازيلية، وعلم النفس، والمأساة الإنسانية.

ماريا: ضحية الأشباح أم ضحية التفسير ؟

ربما لا نستطيع اليوم أن نعرف ما الذي حدث حقاً في جابوتيكابال عام 1965، قد تكون هناك أحداث حقيقية ضخمها الرواة لاحقاً ، قد تكون ظواهر لم تُفهم في وقتها، قد تكون خداعاً جزئياً اختلط بالخوف، قد تكون - كما يعتقد المؤمنون - حالة بولترغايست حقيقية من النوع العنيف ، لكن المؤكد أن ماريا في قلب كل هذه الاحتمالات لم تكن مجرد “بطلة قصة رعب” ، كانت طفلة.

وهذا ما يجعل القضية مؤلمة، فالأطفال لا يحتاجون إلى أن يقال لهم إن أرواحاً غاضبة تطالب بموتهم ، ولا يحتاجون إلى تفسير معاناتهم كعقوبة على حياة لا يذكرونها ، ولا يحتاجون إلى أن يصبحوا مركزاً لفضول الجيران والكهنة والوسطاء والباحثين.

سواء جاءت الحجارة من فراغ غامض أو من يد بشرية أو من خيال جماعي فإن أثقل ما سقط على ماريا لم يكن الطوب ولا الإبر ولا النار بل فكرة أنها ملعونة.

الرعب الحقيقي في قضية ماريا فيريرا

قضية ماريا جوزيه فيريرا ليست مجرد قصة عن بيت مسكون، إنها قصة عن طفلة حُوصرت بين تفسيرين كلاهما مرعب: إما أن قوة خفية تريد إيذاءها، أو أن ما يحدث حولها نابع منها بطريقة لا تفهمها. ثم جاء تفسير ثالث أشد قسوة: أنها تدفع ثمن ذنب من حياة سابقة.

في النهاية، ماتت ماريا، وبقيت القصة ، يراها المؤمنون دليلاً على أن بعض الأرواح لا تغفر ، ويراها المتشككون مثالاً على كيف يمكن للخوف والإيحاء أن يحولا حياة إنسان إلى أسطورة قاتمة. أما القراءة الأكثر إنسانية فترى فيها مأساة فتاة صغيرة لم تجد من ينقذها من الظاهرة ولا من المعنى الذي فُرض على الظاهرة.

ربما لم تقتل الأشباح ماريا وربما لم تكن الأشباح موجودة أصلاً ، لكن شيئاً ما طاردها حتى النهاية: خوفها، أو خوف الآخرين منها، أو حكاية بدأت بالحجارة وانتهت بأن صارت طفلة في السادسة عشرة متهمة أمام محكمة غير مرئية ، وهذا في حد ذاته، رعب كاف.