تظهر امرأة بعباءة سوداء، تتقدم نحو رجل يجلس أمامها، ثم تبدأ بالرقص بحركات مثيرة، كما لو أنها تسعى إلى إخضاعه لسحر حضورها، ومع تصاعد إيقاع الطبول، تتخلى عن عباءتها وتكشف المزيد من جسدها، ثم تتجرع سائلاً وتنقله إلى فم الرجل مباشرةً من فمها، في حركة حميمية تحمل إيحاءات طقسية، وفي ذروة المشهد، تعتليه في وضعية توحي بالهيمنة الجنسية، فتتحول من راقصة إلى شخصية مسيطرة على مجريات العلاقة.

قد يبدو المشهد أداءً إيروسياً يستعير بعض مظاهر السحر والشعوذة، لكن عنوان الفيديو المنشور على حساب logos373art في إنستغرام يضعه في سياق مختلف "استحضار ليليث بواسطة جماعة أوروبوروس الباطنية" Lilith Invocation by Esoteric Order of Ouroboros.

فهل نشاهد مجرد تمثيل فني لأسطورة قديمة، أم طقساً سحرياً حقيقياً في نظر القائمين عليه ؟ ولماذا يصبح الجسد العاري والشراب والرقص والاتحاد الجنسي وسائل لاستدعاء كيان أسطوري ؟ 

قاد البحث في أصل الفيديو إلى وثائق تكشف عن الجماعة التي قدمت الطقس، وفلسفته، والوسائل التي يُفترض أنها تسمح باستحضار روح ليليث داخل جسد امرأة.

إلى الرحم: طقس استحضار ليليث في برلين

بين 23 و26 أكتوبر 2025، استضافت العاصمة الألمانية مؤتمر "الثقافة الباطنية" Occulture Conference وهو تجمع دولي للمهتمين بالسحر الاحتفالي والتقاليد الباطنية والفنون الطقسية، وضمن برنامجه الرسمي، قدمت جماعة أوروبوروس الباطنية Esoteric Order of the Ouroboros عرضاً بعنوان "إلى الرحم: استحضار ليليث" Into the Womb: Lilith Invocation.

لا يصف المنظمون عرضهم بأنه رقصة مسرحية عادية، بل عملية استحضار وتجسيد، يعتقد المشاركون خلالها أنهم يستدعون روح ليليث لتتجلى داخل جسد الراقصة، التي تصبح بمنزلة وعاء يستقبل الكيان المستحضر.

ويكشف الوصف الرسمي عن عناصر الطقس: الموسيقى والرقص، والمشروبات المشتعلة، والهتافات الجماعية، والرموز والأشكال الهندسية السحرية، إلى جانب وسائل تستهدف إحداث حالة شبيهة بالغيبوبة أو التنويم، ويفترض القائمون عليه أن الراقصة، عند بلوغها حالة من الغشية، تصبح تجسيداً مؤقتاً لليليث، بينما يشارك الجمهور بالهتاف والرقص لتكوين ما يسمونه "الطاقة الجماعية" اللازمة للاستحضار، أما الغاية الرمزية المعلنة، فهي تصوير تحول ليليث عبر العصور، من كائن شيطاني مخيف إلى رمز معاصر للتحرر الأنثوي والقوة والاستقلال الجنسي.

الكاهنة ومن يقف وراء العرض

حدد البرنامج الرسمي للمؤتمر أربعة مشاركين، أبرزهم دايِن نيرولي Dayenne Neroli وهي فنانة أداء ومدرسة رقص تصف نفسها بأنها كاهنة معاصرة تمارس الفنون الإيروسية والطقسية، وقد أدت دور "الوعاء"  The Vessel الذي يُفترض أن تتجلى فيه ليليث.

وشاركها غابرييل غارسيا Gabriel Garcia في دور "الساتير" أو الكائن الأسطوري الشهواني وجاكوب Jacob في دور الساحر، وديمونيكرييتور Daemonicreator في دور البومة ويعني اسمه "خالق الشياطين" وهي شخصيات تحمل وظائف رمزية داخل بناء العرض.

أما ورشة LOGOS 373 المرتبطة بالحساب الذي نشر الفيديو، فقد ظهرت ضمن الجهات المشاركة في المؤتمر بصفتها مشروعاً متخصصاً في صناعة الملابس والأدوات الطقسية فقط ولم تكن وراء العرض المذكور.

ومن اللافت أن دايِن نيرولي نظمت في سبتمبر 2026 فعالية أخرى بعنوان "صالون بابالون" Salon Babalon، وصفتها بأنها أمسية للسحر الإيروسي تجمع الطقوس الحسية والرقص والبخور، والممارسات المستوحاة من الإلهة بابالون في فلسفة ثيليما Thelema، وهي فلسفة دينية وباطنية أسسها أليستر كراولي، تقوم على اكتشاف الإرادة الحقيقية وتحقيقها.

وهذا الارتباط يفتح الباب لفهم البيئة الباطنية التي يجتمع فيها استحضار ليليث مع السحر الجنسي الغربي الحديث.

ليليث: المرأة التي رفضت الخضوع لآدم

لفهم مشهد المرأة التي تعتلي الرجل، ينبغي العودة إلى الأسطورة التي جعلت ليليث رمزاً للتمرد الجنسي، ترجع جذور اسم ليليث إلى موروثات بلاد الرافدين، حيث عُرفت كائنات وأرواح ليلية بأسماء قريبة من ليليتو Lilītu وتطورت صورتها لاحقاً في الأدب اليهودي، فارتبطت بالإغواء الليلي والأحلام الجنسية وتهديد الأطفال حديثي الولادة ، لكن أشهر رواياتها وردت في النص اليهودي الوسيط المعروف باسم "أبجدية بن سيرا" الذي يرجع عادة إلى القرنين التاسع والعاشر للميلاد.

وفقاً للأسطورة، خلق الله ليليث من التراب مثل آدم، لتكون رفيقته الأولى قبل حواء، غير أن خلافاً نشب بينهما عندما أراد آدم أن يحتل الوضعية العليا أثناء العلاقة الجنسية، بينما رفضت ليليث أن تكون تحته، محتجةً بأنهما متساويان لأنهما خُلقا من المادة نفسها، وعندما أصر آدم على موقفه نطقت ليليث بالاسم الإلهي المقدس وغادرت الجنة، رافضةً العودة والخضوع، هذه الحكاية ليست جزءاً من سفر التكوين وإنما رواية فولكلورية متأخرة، أصبحت لاحقاً أساساً لصورة ليليث بوصفها أنثى متمردة على سلطة الرجل.

ومن هنا، يمكن قراءة وضعية المرأة التي تعتلي الرجل في الطقس الحديث بوصفها إعادة تمثيل رمزية للصراع بين آدم وليليث؛ فالأنثى التي رفضت أن تكون في الأسفل تعود لتحتل الموضع الأعلى، ممسكةً بزمام العلاقة.

النبيذ والإغواء في نصوص الزوهار

ثمة تشابه آخر لا يخلو من الغرابة بين الفيديو ومقطع من كتاب "الزوهار" أحد أبرز مؤلفات التصوف اليهودي القبّالي، ففي الجزء الأول، الصفحة 148a، ترد حكاية رمزية عن روح أنثوية شريرة تتزين لإغواء الرجال، ثم تقترب من أحدهم وتقبله وتقدم إليه شراباً من النبيذ، وبعد أن يشرب ويتبعها، تتخلى عن زينتها، وقد نجحت في غوايته، قبل أن ينكشف وجهها المخيف، ويرتبط هذا المشهد بالقوى الشريرة في التصور القبّالي، وقد ربطه بعض الشراح بـ ليليث وإن كان النص نفسه لا يسميها صراحة.

والتشابه مع الفيديو لافت: امرأة مغوية، ورجل يستسلم لجاذبيتها، وشراب، وتعرٍّ تدريجي، ثم تفاعل جنسي.

فهل استعار مصممو الطقس هذه الرموز من الزوهار ؟

لا يوجد دليل مباشر على ذلك، لكن المقارنة تكشف أن الجمع بين الإغواء والشراب والجسد الأنثوي في تصوير القوى الليلية له جذور قديمة، أما السائل الذي نقلته المرأة إلى فم الرجل في الفيديو، فلا يمكن تحديد طبيعته بمجرد المشاهدة، وإن كان البرنامج الرسمي يذكر استخدام مشروبات مشتعلة في الطقس أي كحوليات.

عندما تتحول الكاهنة إلى ليليث

يستخدم عنوان الطقس مصطلح "الاستدعاء للحلول" Invocation وهو مفهوم مهم في السحر الاحتفالي ، فبينما يشير "الاستحضار الخارجي" Evocation عادةً إلى استحضار كيان بوصفه وجوداً منفصلاً عن الساحر، يشير "الاستدعاء للحلول" Invocation إلى دعوة قوة إلهية أو روحية لتتجلى داخل الممارس نفسه، وفي الطقس الذي قدمته جماعة أوروبوروس، لا يُفترض أن تظهر ليليث أمام الراقصة، بل أن تحل روحها داخل جسدها، بحسب اعتقاد المشاركين، ومن هنا يمكن فهم العباءة والرقص والتعرّي التدريجي بوصفها علامات انتقال من الهوية البشرية العادية إلى الشخصية الطقسية المستحضرة، فعندما تبلغ الكاهنة حالة الغشية الطقسية Trance، يُفترض أنها لم تعد تمثل ليليث فحسب، بل أصبحت تجسيداً مؤقتاً لها، وقد يُنظر إلى تفاعلها مع الرجل باعتباره تعبيراً عن سلطة الكيان الأنثوي المستحضر، ومع ذلك، فإن الشعور بالتقمص أو الدخول في حالة غيبوبة لا يثبت حلول روح خارقة داخل الجسد.

بابالون: الأنثى المقدسة في عالم كراولي

رغم تخصيص الطقس لليليث، فإن بعض رموزه يذكرنا بشخصية أخرى تحتل مكانة مركزية في ثيليما وهي بابالون Babalon، استلهم الساحر البريطاني أليستر كراولي هذه الشخصية من صورة "زانية بابل" الواردة في سفر الرؤيا، لكنه أعاد تفسيرها بوصفها قوة أنثوية مقدسة ترمز إلى التحرر الجنسي وتجاوز الأنا والاتحاد الروحي.

وترتبط بابالون بالكأس المقدسة و"المرأة القرمزية" Scarlet Woman وهو وصف أطلقه كراولي على بعض شريكاته الجنسيات والسحريات، اللواتي اعتبرهن ممثلات أرضيات لهذه القوة الأنثوية، وفي بعض الطقوس الثيليمية، يجسد الاتحاد بين الرجل والمرأة التقاء قوى كونية متقابلة، بينما تصبح العلاقة الجنسية وسيلة رمزية لتحقيق اتحاد روحي أوسع، وقد ظهرت بعض هذه العناصر في نصوص كراولي، ومنها الطقس الأعلى The Supreme Ritual المنشور سنة 1913، الذي يتضمن كاهناً وكاهنة وموسيقى ورقصاً ونبيذاً، ويستحضر رموز بابالون والوحش.

ومع ذلك، لا يصح الخلط بين ليليث وبابالون؛ فالأولى شخصية تطورت عبر الموروث الرافدي واليهودي، بينما الثانية إعادة صياغة ثيليمية حديثة لصورة مأخوذة من سفر الرؤيا، لكن بعض الممارسين المعاصرين يجمعون بينهما بوصفهما صورتين للأنوثة غير الخاضعة، والرغبة الجنسية، والقوة والتحرر، ومن هنا يمكن فهم اهتمام الكاهنة دايِن نيرولي بطقوس ليليث وبابالون معاً، دون افتراض أنهما كيان واحد.

تأثير الموسيقى والرقص على حضور الكيانات

يعتمد الطقس على الإيقاع المتصاعد والرقص والحركات المتكررة، وهي وسائل قد تؤثر في انتباه الإنسان وإحساسه بذاته، خصوصاً عندما تقترن بالتوقعات الدينية والانفعال الجماعي، وقد ناقشت دراسات في علم النفس والأعصاب العلاقة بين الإيقاعات المتكررة وحالات الوعي غير الاعتيادية، بما فيها الاستغراق والغشية والغيبوبة الطقسية.

وأشارت مراجعة علمية منشورة سنة 2025 في دورية Annals of the New York Academy of Sciences إلى وجود ارتباطات بين أنماط الطبول المتكررة وبعض التغيرات في التجربة الذاتية والوعي، مع بقاء الآليات العصبية الدقيقة موضع بحث.

ومن ثم، قد يشعر المشاركون في طقس ليليث بأنهم يعيشون حضوراً روحياً أو تحولاً في الهوية، نتيجة تفاعل الموسيقى والحركة والإيحاء والمعتقد.

لكن ذلك لا يثبت أن روح ليليث حلت بالفعل في جسد الراقصة، أو أن قوة غيبية انتقلت إلى الرجل.

وفي الختام ، كانت ليليث الأنثى التي رفضت الخضوع لآدم وغادرت الجنة في الأسطورة القديمة، وفي الموروث اليهودي اللاحق، تحولت إلى كائن ليلي يرتبط بالإغواء والأرواح الشريرة، أما لدى بعض الممارسين المعاصرين، فقد أصبحت رمزاً للقوة الأنثوية والرغبة غير المقيدة والتمرد على السلطة.

ويجسد طقس "إلى الرحم" هذه التحولات، إذ يقدم الراقصة باعتبارها وعاءً يُفترض أنه يستقبل روح ليليث ويستخدم الموسيقى والرموز والأفعال الحسية للوصول إلى حالة من الغشية والانفعال.

ولعل أكثر ما يثير الاهتمام فيه هو تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى مواجهة رمزية تستعيد أسطورة ليليث وآدم؛ فالمرأة التي رفضت أن تكون خاضعة تعود، في تصور الممارسين، لتفرض سيادتها من خلال الجسد والإغواء، إن ما نشاهده هو تقاطع بين الأسطورة والجنس والسحر والمعتقد، تتحول فيه ليليث من كائن مخيف في حكايات الليل إلى رمز يُستدعى من خلال الرقص والنشوة والهيمنة.

ويبقى السؤال: هل يبحث هؤلاء عن كيان يتجاوز حدود الطبيعة، أم أن ليليث أصبحت اسماً يمنحهم وسيلة لاستكشاف الرغبة والسيطرة والتحرر الكامنة في النفس البشرية ؟