ألوان صارخة، شقة فيكتورية مكتظة بالشموع والجرعات، امرأة فاتنة تبدو وكأنها خرجت من فيلم ملوّن في ستينيات القرن الماضي، ورجال يسقطون الواحد تلو الآخر أمام سحرها ، للوهلة الأولى يبدو فيلم The Love Witch أي "ساحرة الحب" يتعامل مع السحر بوصفه جزءاً من ديكور أنيق ومبالغ فيه، لكن خلف هذه الصورة المصنوعة بعناية توجد طبقة أقل وضوحاً: كثير من التفاصيل السحرية في الفيلم لم تأتِ من مخيلة المخرجة وحدها.
فالمخرجة الأميركية آنا بيلر Anna Biller أمضت سنوات وهي تقرأ عن السحر الحديث، وتتحدث مع ممارسين، وتحضر دروساً وطقوساً، إلى درجة أنها قالت إنها فكرت في مرحلة ما في أن تصبح منضمة فعلياً إلى أحد تقاليده، والنتيجة فيلم يضع الخيال السينمائي إلى جوار ممارسات مستمدة من الويكا والسحر الشعبي الأوروبي، لكن من دون أن يكون تسجيلاً أميناً لأي دين أو طقس بعينه.
امرأة تريد أن تُحب بأي ثمن
صدر فيلم The Love Witch سنة 2016، وكتبت بيلر الفيلم وأخرجته وأشرفت على جانب كبير من تصميمه البصري، تؤدي سامانثا روبنسون Samantha Robinson دور إيلين وهي امرأة شابة ترى أن العثور على الرجل الذي سيحبها هو مشروع حياتها.
تنتقل إيلين إلى بلدة جديدة وتبدأ باستدراج الرجال، مستعينة بجاذبيتها وبممارساتها السحرية وجرعاتها، المشكلة أن ما يفترض أن يقودها إلى الحب يتحول بالتدريج إلى شيء آخر؛ الرجال الذين تريدهم لا يصبحون الصورة التي رسمتها لهم، وتتحول رغبتها في أن تكون محبوبة إلى هوس ثم إلى سلسلة من النتائج المأساوية.
والملخص الرسمي للفيلم يصف إيلين بأنها تصنع التعاويذ والجرعات بحثاً عن الرجل المثالي، لكنها تجد أن "سحرها يعمل أكثر مما ينبغي" قبل أن يدفعها احتياجها المرضي للحب نحو الجنون والقتل، وتقول الجهة الموزعة للفيلم إن العمل يستخدم هذه القصة لاستكشاف الخيال الأنثوي ونتائج النرجسية المرضية.
لكن إذا اكتفينا بهذه القراءة النفسية، فإننا نفقد واحداً من أكثر جوانب الفيلم إثارة: من أين جاءت طقوس الساحرة إيلين ؟
بيلر لم تبحث عن "سحر هوليوود"
حين سئلت آنا بيلر عن مقدار البحث الذي أجرته، قالت إنها قرأت عدداً كبيراً من الكتب، وتحدثت إلى ساحرات وممارسين، وحضرت طقوساً ودروساً، وخاضت لفترة تجربة ممارسة فردية أثناء إعداد الفيلم، وفي مقابلة أخرى قالت إنها أرادت أن تبحث كما لو كانت تستعد للانضمام إلى هذا العالم فعلاً، وأن كثافة البحث أطالت عملية كتابة السيناريو لأنها ظلت تبحث عن تفاصيل جديدة.
وهذا يفسر سبب اختلاف The Love Witch عن أفلام كثيرة تستخدم النجمة الخماسية أو المرجل أو كتاب التعاويذ باعتبارها مجرد رموز للرعب.
بيلر أرادت – وفق قولها – أن يشاهد ممارسو السحر الفيلم ويجدوا شيئاً يتعرفون إليه، حتى وإن بقي العالم المحيط بـ إيلين مصطنعاً ومسرحياً للغاية، وقد شارك بالفعل بعض الأشخاص الذين يمارسون السحر في مشاهد جماعة الساحرات، وبعضهم اختير بدايةً للعمل كـ كومبارس قبل أن تكتشف المخرجة أن لهم صلة حقيقية بهذه الممارسات.
الغاردنرية والإسكندرية داخل الفيلم
المصدر الأوضح للطقوس كان الويكا Wicca وهي ديانة وثنية حديثة ظهرت إلى العلن في بريطانيا خلال القرن العشرين وليست استمراراً بسيطاً ومباشراً لـ"ديانة سحرة قديمة" كما توحي بعض الروايات الشعبية عنها.
وتحديداً أشارت بيلر إلى تقليدين: الويكا الغاردنرية Gardnerian Wicca المنسوبة إلى جيرالد غاردنر، والويكا الاسكندرية Alexandrian Wicca التي تطورت لاحقاً مع أليكس وماكسين ساندرز في ستينيات القرن العشرين، واستفادت بدورها من التراث الغاردنري مع إضافات من السحر الاحتفالي ومصادر أخرى.
وقالت بيلر بوضوح إن هناك طقسين في الفيلم استلهم أحدهما التقليد الغاردنري والآخر التقليد الإسكندري، كما تصورت أن الكاهن والكاهنة في جماعة إيلين جاء كل منهما من خلفية مختلفة، وهو ما سمح لها بدمج العناصر المختلفة داخل المجموعة نفسها.
إذن عندما تظهر الدائرة الطقسية والملابس والشعارات والعلاقة بين الكاهن والكاهنة، فنحن لا نشاهد مجرد "سحر سينمائي" مؤلف بالكامل، بل إعادة تمثيل انتقائية لأفكار شاهدتها المخرجة أو قرأت عنها.
لكن هذا لا يعني أن الفيلم يمثل الويكا تمثيلاً دينياً دقيقاً أو أن سلوك إيلين يعكس معتقدات أتباعها، فإيلين شخصية متطرفة صممت أساساً لخدمة قصة عن الحب والرغبة والسلطة.
زجاجة الساحرة: تفصيل يبدو مقززاً لكنه تاريخي
من أغرب مشاهد الفيلم مشهد تحضير إيلين لزجاجة تحتوي على مواد شخصية وجسدية، ويمكن للمشاهد بسهولة أن يفترض أن بيلر اخترعت هذا التفصيل لصدمة الجمهور ، لكن هنا تظهر إحدى أكثر نقاط البحث إثارة.
قالت بيلر عندما سئلت عن المشهد إن Witch Bottles – زجاجات السحر أو زجاجات الساحرة موجودة بالفعل في التراث، وإن استخدام أشياء مرتبطة مباشرة بالجسد أو بصاحبها كان جزءاً من الاعتقاد بأن هذه المواد تحمل صلة خاصة بالشخص، وأكدت أن فكرة الزجاجة نفسها جاءت من بحثها التاريخي.
والأدلة الأثرية تدعم وجود هذه الممارسة، فقد عثر الباحثون في بريطانيا على أوعية تعود خصوصاً إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر تحوي دبابيس ومسامير وشعراً وأظافر وسوائل بشرية، وكانت تخفى أحياناً تحت الأرضيات أو قرب المواقد، وتشير الدراسات التاريخية إلى أنها استخدمت في كثير من الحالات كسحر مضاد يفترض أنه يحمي الشخص من السحر أو يعكس الأذى على من اعتُقد أنه أطلقه.
وهنا توجد ملاحظة مهمة يغفلها تناول الفيلم أحياناً: زجاجات السحر أقدم من الويكا الحديثة وليست ممارسة ويكا في الأصل، إنها تنتمي بدرجة أكبر إلى تقاليد السحر الشعبي و"السحر المضاد" في بريطانيا الحديثة المبكرة.
وبالتالي فإن فيلم The Love Witch لا ينقل ممارسة واحدة متماسكة، بل يأخذ عناصر من عصور ومدارس مختلفة ويعيد تركيبها في عالم إيلين.
من الحماية إلى السيطرة
وهنا فعلت بيلر شيئاً ذكياً درامياً ، فالزجاجات التاريخية ارتبط الكثير منها بالحماية من السحر أو محاولة إبطال أذى مفترض، أما في عالم إيلين فتتحول المادة السحرية إلى جزء من مشروع جذب الآخر وإخضاعه للرغبة.
وهذه المسافة بين الأصل التاريخي والاستخدام السينمائي مهمة، لأن الفيلم لا يقول ببساطة: "هكذا يفعل السحرة في الواقع"، بل يستعير اللغة المادية للسحر – الزجاجة، الأعشاب، الأدوات الشخصية، الرموز، الدائرة الطقسية – ثم يعيد توجيهها إلى سؤال الفيلم المركزي:
ماذا يحدث عندما لا يعود الإنسان يريد أن يحبه الآخر بحرية، بل يريد أن يجعله يحبه ؟
عند هذه النقطة يصبح "سحر الحب" استعارة للسيطرة.
الجاذبية الجنسية في السحر الشيطاني
لا تتوقف مصادر بيلر عند الويكا ، في مقابلة تناولت الفيلم، سُئلت تحديداً عن الحوار المتعلق باستخدام الجاذبية الجنسية وGlamour للتأثير في الرجال، وما إذا كان يحمل أثراً من كتاب السحر الشيطاني The Satanic Witch لـ أنطون لافي، مؤسس كنيسة الشيطان.
وأكدت بيلر أن هذا الجزء من السيناريو استند بالفعل إلى لافي، لكنها ربطته بفكرة أوسع أرادت مناقشتها: أن الجاذبية والجنس قد يمنحان المرأة شكلاً من القوة، لكنهما قد يتحولان في الوقت نفسه إلى سجن يفرض عليها أن تصنع نفسها باستمرار وفقاً لرغبات الآخرين.
وهكذا تصبح شخصية إيلين متناقضة عمداً، تبدو قوية لأنها قادرة على إغواء الرجال، لكنها في الحقيقة تعتمد قيمتها بالكامل تقريباً على قدرتها على جعل رجل يحبها.
إنها ساحرة تسيطر على الآخرين، لكنها هي نفسها أسيرة تعويذة أكبر.
هل يحدث سحر حقيقي في الفيلم ؟
المفارقة أن بيلر، رغم كل البحث في السحر، قالت إنها لم تكن تريد صنع فيلم يقوم أساساً على "ظاهرة خوارق"، ففي إحدى مقابلاتها أكدت أنها أرادت الطقوس أن تبدو واقعية، لكنها لم تكن مهتمة بأن تقدم عالماً تظهر فيه قوى خارقة بصورة مباشرة وواضحة، وهذا يترك مساحة متعمدة للغموض.
هل يموت الرجال لأن جرعات إيلين تمتلك فعلاً قوة سحرية ؟ أم لأنهم يدخلون في عالم من الرغبة والتسمم والوهم والانهيار النفسي ؟ الفيلم لا يحتاج إلى إثبات وجود السحر لكي تنجح فكرته ، فالتعويذة الأساسية قد لا تكون داخل الكأس أصلاً ، قد تكون إيلين نفسها.
حتى الصورة جزء من التعويذة
استخدمت بيلر التصوير والألوان والإضاءة بطريقة أرادت منها أن تجعل الفيلم ذاته أشبه بعملية إغواء للمشاهد، وقد قالت إنها لم تكن تريد أن تلقي الساحرة التعاويذ داخل القصة فحسب، بل أرادت أن يمارس الفيلم بدوره نوعاً من "السحر" على الجمهور عبر الوسائل السينمائية.
ولهذا يبدو وجه إيلين مصقولاً بصورة شبه غير واقعية، والملابس شديدة التنسيق، والأحمر والوردي والأرجواني يملأ الشاشة، بينما تبدو بعض المشاهد وكأنها تنتمي إلى فيلم Technicolor ضائع من الستينيات.
بل إن الفيلم صُوّر على شريط 35 ملم، واستعادت بيلر عمداً أساليب التصوير والإضاءة القديمة بدلاً من الاكتفاء بوضع مرشح رقمي يجعل الصورة عتيقة "ريترو".
وهكذا تصبح جمالية الفيلم ذات صلة مباشرة بموضوعه: كما تصنع إيلين نفسها لتصبح الصورة التي تتوقع أن يريدها الرجال، صنع الفيلم نفسه ليكون صورة سينمائية جميلة إلى درجة تكاد تخفي ما يجري تحت سطحها.
ساحرة الحب ليست درساً في الويكا
من الخطأ في النهاية التعامل مع The Love Witch باعتباره دليلاً على ممارسات الويكا، مثلما سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن كل ما يظهر فيه اخترعته هوليوود ، الحقيقة تقع بين الاثنين.
هناك طقوس استعيرت بصورة معلنة من التقاليد الغاردنرية والإسكندرية، وعناصر مأخوذة من السحر الشعبي التاريخي، وتأثيرات من كتابات غربية أخرى في السحر والجنس والجاذبية، إلى جانب كمية كبيرة من الاختراع السينمائي وإعادة التوظيف.
وهذا تحديداً ما يجعل الفيلم مثيراً من منظور دراسة المعتقدات الغامضة: إنه مثال نادر على فيلم بدأ من بحث حقيقي في الممارسة السحرية، لكنه لم ينتهِ عندها.
فقد استخدمت آنا بيلر تلك المادة لتروي قصة لا تتعلق في جوهرها بما إذا كانت التعاويذ تعمل، بل بما يحدث عندما يتحول الحب من علاقة بين شخصين إلى محاولة لإخضاع إرادة شخص لإرادة آخر.
وفي هذه القراءة تصبح أخطر تعويذة في The Love Witch ليست الزجاجة ولا الجرعة ولا الدائرة السحرية، وإنما الاعتقاد الذي يحكم إيلين منذ البداية:
إن كان الآخر لا يحبني كما أريد، فعليّ أن أجعله يفعل.