في قبو منزل بمدينة آخن الألمانية، أمضى رجل مسن ساعات طويلة أمام شاشة تلفزيون بالأبيض والأسود، يراقب صوراً مشوشة تتبدل باستمرار، لم يكن يبحث عن برنامج تلفزيوني أو إشارة بث بعيدة، بل عن وجه ابنته التي فارقت الحياة قبل سنوات، كان الرجل يُدعى كلاوس شرايبر Klaus Schreiber وقد اعتقد أنه نجح خلال ثمانينيات القرن العشرين في تصوير ابنته وأفراد آخرين من أسرته المتوفين، مستخدماً كاميرا فيديو وشاشة تلفزيون، أثارت تجاربه اهتمام باحثين في الظواهر الخارقة، لكنها تركت سؤالاً لم يُحسم: هل التقط بالفعل صوراً للموتى، أم أن الحزن والتقنية صنعا معاً وهماً بصرياً مقنعاً ؟
عائلة لاحقتها المآسي
لم تبدأ حكاية شرايبر مع الأجهزة الإلكترونية، بل مع سلسلة من الوفيات التي تركت أثراً عميقاً في حياته، ففي عام 1960، توفيت زوجته الأولى غيرترود إثر انصمام دموي بعد ولادة ابنتهما كارين، التي نشأت لاحقاً في رعاية عمها وزوجته، وفي عام 1963 فقد والده روبرت، ثم ابنه الذي حمل الاسم نفسه عام 1968، وكان شاباً في الثانية والعشرين من عمره.
وامتدت المآسي إلى عائلة شقيقته ماريا بوتن، التي فقدت ابنها ديتر إثر حادث سيارة أثناء رحلة إلى إيطاليا، ثم توفيت ماريا نفسها عام 1973 بعد زيارة قبر ابنها، بينما أنهى زوجها هاينريش حياته في العام التالي، بعد معاناة من إصابات الحرب وفقدان زوجته، وفي صيف 1977 توفيت والدة شرايبر، كاتارينا، عن 81 عاماً.
لكن الضربة الأقسى جاءت في أغسطس 1978، عندما توفيت ابنته كارين قبل عيد ميلادها الثامن عشر بيوم واحد، وبحسب رواية الأسرة، بدأت معاناتها بعد سقوطها في الطريق وإصابتها بخدش في الركبة، أعقبته مضاعفات التهابية خطيرة أدت إلى تدهور صحتها ووفاتها. ولم تتوفر وثائق طبية مستقلة تسمح بالتحقق من تفاصيل المرض أو تحديد المسؤولية عن مضاعفاته.
وردت هذه الوقائع في كتاب الصحفي الألماني راينر هولبه الصادر عام 1987 بعنوان "صور من عالم الموتى" Bilder aus dem Reich der Toten الذي استند إلى مقابلات مع شرايبر وصور وتسجيلات من تجاربه، ويظل الكتاب مصدراً تاريخياً مهماً، وإن كان مؤلفه متعاطفاً مع تفسير شرايبر الماورائي.
أصوات غامضة تقوده إلى التلفزيون
في عام 1982، بدأ شرايبر اهتمامه بـ ظاهرة الصوت الإلكتروني Electronic Voice Phenomena – EVP، وهي أصوات أو مقاطع كلامية يعتقد بعض المشتغلين بالظواهر الخارقة أنها رسائل من الموتى، تظهر خلال تسجيل الضجيج والتشويش باستخدام أجهزة الراديو والمسجلات الصوتية.
كان شرايبر يسجل الأصوات الصادرة من جهاز استقبال مضبوط على ترددات غير واضحة، ثم يعيد الاستماع إلى التسجيلات، وأحياناً بسرعات مختلفة، محاولاً تمييز كلمات وأسماء، ومع مرور الوقت، اقتنع بأنه يسمع أصوات أفراد أسرته الراحلين، وخصوصاً ابنته كارين.
وبحسب شهادته، تلقى رسالة صوتية نسبها إليها تقول: "سنأتي عبر التلفزيون"، ثم ظهرت في تسجيلات أخرى كلمات مثل "الشاشة" و"الفيديو" و"القناة الخالية"، اعتبر شرايبر هذه العبارات تعليمات من العالم الآخر، فبدأ يبحث عن وسيلة لتحويل الاتصال الصوتي المزعوم إلى صور.
اشترى كاميرا فيديو ومسجلاً، وحاول في البداية تصوير الغرفة على أمل ظهور هيئة شبحية لا تراها العين المجردة. لكن المحاولات لم تسفر عن شيء. عندها اتجه إلى تصوير شاشة التلفزيون نفسها، مستعيناً بما اعتقد أنها إرشادات وردته عبر التسجيلات.
كان يوجه الكاميرا نحو شاشة تعرض في الوقت نفسه ما تصوره العدسة، فتتشكل صور متداخلة تتكرر داخل بعضها إلى ما يبدو كأنه نفق لا نهاية له، وتؤدي التغيرات في زاوية الكاميرا والإضاءة والتركيز البصري إلى ظهور دوامات وبقع وضباب وأشكال متحركة. وتعرف هذه التقنية باسم التغذية الراجعة المرئية Video Feedback.
وخلال عام 1985، أعلن شرايبر أنه نجح أخيراً في التقاط صورة ابنته كارين، فقد شاهد ضمن التسجيلات هيئة امرأة اعتقد أنه تعرف إلى ملامحها، ثم ثبت الإطار وأعاد نسخه وتكبيره لإظهاره بصورة أوضح، وتذكر روايات لاحقة تاريخ 30 سبتمبر 1985 بوصفه موعداً لظهور مزعوم لابنته على الشاشة ، لم يعد الأمر بالنسبة إليه مجرد تجربة تقنية، بل اقتنع بأنه عثر على نافذة يستطيع من خلالها رؤية أحبائه الذين رحلوا.
وجوه الموتى على الشاشة
بعد الصورة التي نسبها إلى كارين، واصل شرايبر تجاربه، وادعى أنه التقط صوراً لزوجته الأولى غيرترود، وابنه روبرت، ووالديه وأفراد آخرين من أسرته. ولم تقتصر الصور التي عرضها على أقاربه، بل شملت وجوهاً اعتقد أنها تعود إلى شخصيات تاريخية وفنية متوفاة، منها الممثلة رومي شنايدر والملك لودفيغ الثاني ملك بافاريا.
لم تكن هذه الصور، في معظم الحالات، مشاهد واضحة ومستمرة لأشخاص يتحركون ويتحدثون أمام الكاميرا، كانت أشكالاً عابرة تظهر أحياناً في إطار واحد من التسجيل، ثم تُعزل وتُكبّر وتُعاد معالجتها حتى تبدو أقرب إلى وجوه بشرية.
ساعد المهندس الألماني مارتن فينتسل Martin Wenzel شرايبر على تطوير تجهيزاته، بعدما أبدى اهتماماً بالنتائج التي حصل عليها، كما لفتت التجارب أنظار الفيزيائي إرنست سينكوفسكي والصحفي راينر هولبه، الذي نشر عنها كتاباً مصوراً سنة 1987.
غير أن المأساة عادت إلى منزل شرايبر في ديسمبر 1986، عندما توفيت زوجته الثانية أغنيس بصورة مفاجئة عن 54 عاماً، ووفق ما أورده هولبه، حدث ذلك بينما كان زوجها منشغلاً بتجاربه في قبو المنزل ، وقد ادعى شرايبر لاحقاً أنها ظهرت أيضاً في تسجيلاته.
وفي 7 يناير 1988، توفي كلاوس شرايبر نفسه، تاركاً وراءه تسجيلات وصوراً أصبحت من أشهر المواد المتداولة في تاريخ محاولات التواصل الإلكتروني مع الموتى، أو ما يعرف باسم التواصل العابر بالأجهزة Instrumental Transcommunication ITC.
التحقيق: هل كانت الصور دليلاً على الحياة بعد الموت ؟
لم تقتصر قضية شرايبر على شهادته الشخصية. فقد زار عالم النفس الألماني هانس بندر، أحد أبرز الباحثين الأوروبيين في الظواهر الخارقة، مختبره المنزلي برفقة مساعدين للاطلاع على التجارب.
وبحسب كتاب هولبه، لم يجد بندر دليلاً على تزوير متعمد للصور، لكنه اعتبر أن نسبتها إلى عالم الموتى أمر غير قابل للإثبات، وغير مقنع من الناحية التفسيرية، وهذا التمييز جوهري؛ فعدم العثور على خداع متعمد لا يعني أن الظاهرة ذات مصدر خارق للطبيعة.
ومن الناحية التقنية، لا تحتاج الصور التي أنتجها شرايبر إلى افتراض تدخل أرواح الموتى لتفسير ظهور أشكال شبيهة بالوجوه، فالتغذية الراجعة بين الكاميرا والشاشة قادرة بطبيعتها على توليد أنماط بصرية معقدة ومتغيرة، وعند فحص آلاف الإطارات، تزداد فرصة العثور على أشكال تشبه الملامح البشرية.
وهنا يظهر دور ظاهرة نفسية معروفة باسم الباريدوليا البصرية Visual Pareidolia وهي ميل الدماغ إلى إدراك صور مألوفة، وخاصة الوجوه، داخل أنماط عشوائية أو غامضة، كما يحدث عند رؤية وجه في الغيوم أو ملامح إنسان على سطح صخرة.
وقد تتعزز هذه الظاهرة بالتوقع المسبق؛ فمن يبحث عن وجه ابنته الراحلة وسط صور مشوشة قد يجد ملامح تذكره بها، خصوصاً عندما تكون الصورة غير محددة بما يكفي لتسمح بتفسيرات مختلفة، ولا يستلزم ذلك اتهام صاحب التجربة بالكذب أو التعمد، فالإدراك البشري نفسه قابل للتأثر بالذاكرة والتوقع والانفعال.
وتواجه التسجيلات الصوتية مشكلة مشابهة؛ إذ يمكن للعقل أن يفسر الضجيج والمقاطع الصوتية غير الواضحة على أنها كلمات مفهومة، وخاصة بعد اقتراح الكلمات المتوقع سماعها.
أما الادعاء بأن الصور تعود بالفعل إلى أشخاص متوفين، فيحتاج إلى اختبارات مستقلة تضمن ضبط مصادر الصورة، واستبعاد المؤثرات التقنية، والتحقق من هوية الوجوه دون إخبار المشاركين مسبقاً بمن يُفترض أنهم يشاهدونه، ولم تقدم تجارب شرايبر برهاناً مستوفياً لهذه الشروط.
بين الحزن والبحث عن العالم الآخر
لا تزال قصة كلاوس شرايبر تحتفظ بمكانة خاصة في تاريخ الظواهر الماورائية، لأنها جمعت بين مأساة إنسانية ومحاولة استخدام التكنولوجيا للإجابة عن أحد أقدم أسئلة البشر: هل يستمر الوعي بعد الموت، وهل يستطيع الأحياء التواصل مع من فقدوهم ؟
بالنسبة إلى شرايبر، لم تكن الأشكال الظاهرة على الشاشة مجرد بقع ضوئية، بل وجوهاً أعادت إليه شعوراً بالقرب من أسرته، أما من منظور التحقيق العلمي فلم يثبت أن تلك الصور جاءت من مصدر يتجاوز الأجهزة المستخدمة أو عمليات الإدراك البشري.
وهكذا بقيت تجربته معلقة بين يقين شخصي لم يتزعزع ودليل علمي لم يكتمل، وربما كان أكثر ما تكشفه القصة هو أن الإنسان، حين يعجز عن استعادة من يحب، قد يحاول العثور عليه حتى في ضجيج شاشة تلفزيون.