في الريف السويدي القديم وقبل أن تصل الكهرباء إلى القرى والطرق، كان الليل أوسع بكثير مما نعرفه اليوم، أنهار سوداء تمر بين الأشجار، مستنقعات لا تُرى حدودها، طرق ترابية تختفي في الضباب، ومقابر صغيرة تحيط بكنائس تقف وحيدة بين الحقول ، وفي مثل هذا العالم كان من السهل أن يصبح وقع حوافر مجهولة في الظلام بداية قصة ، لكن بعض تلك القصص لم تتحدث عن خيول عادية.
كان هناك حصان أبيض يظهر قرب المياه، جميل وهادئ إلى درجة تغري الطفل أو المسافر بالاقتراب منه، وهناك خيول قيل إنها خرجت من عالم الموت أو ارتبطت بالمقابر والكنائس، وفي حكايات أخرى ظهرت عربات شبحية تشق الطرق ليلاً، تجرها خيول لا تنتمي إلى عالم الأحياء ، فكيف أصبح الحصان واحداً من أكثر الكائنات ارتباطاً بالموت في المخيلة الاسكندنافية ؟
وهل كانت هذه الروايات مجرد أساطير صنعتها المخاوف القديمة، أم أن وراء بعضها حوادث حقيقية تحولت بمرور الزمن إلى حكايات عن الأشباح ؟
الحصان الأبيض عند الماء
من أشهر الكائنات في الفلكلور السويدي حصان الجدول ( بِكّاهِستِن) Bäckahästen أو "حصان النهر" ،تقول الرواية الشعبية إنه يظهر عند الأنهار والجداول والبحيرات في هيئة حصان بالغ الجمال، غالباً أبيض اللون، يبدو أليفاً ولا يصدر عنه ما يدعو إلى الخوف، بل قد يتصرف كما لو أنه ينتظر أن يمتطيه أحد، وقد يكون الأطفال أول من يقع في الفخ ، يصعد طفل إلى ظهر الحصان، ثم يأتي آخر، ثم ثالث، والمفترض أن صهوة الحيوان لن تتسع للجميع، لكنه يبدأ على نحو غير طبيعي بالاستطالة ، كلما جاء راكب جديد ازداد ظهره طولاً ، خمسة أطفال، عشرة وربما أكثر، ولا يزال هناك مكان ، وعندما يكتمل ركابه ينتهي الجزء البريء من الحكاية ،يندفع حصان الجدول Bäckahästen فجأة نحو الماء ويغوص بمن فوق ظهره إلى الأعماق ، ولا يعود أحد.
هذه الصورة لم تكن مجرد حكاية حديثة عن "حصان شبح" بل جزء من تقاليد فلكلورية موثقة خصوصاً في جنوب السويد، بما في ذلك مناطق سكونه وغرب بليكينغه وجنوب هالاند ، لكن وراء الحصان كائناً أقدم وأكثر شهرة.
تحول روح مائية إلى حصان
يعرف الفلكلور السويدي روحاً مائية تدعى نِكِّن Näcken ارتبطت بالأنهار والبحيرات والتيارات المائية ، تصورها بعض الحكايات في هيئة رجل وفي روايات أخرى موسيقياً خارقاً يعزف قرب الماء ليستدرج البشر، لكنه لم يكن مضطراً للبقاء في شكل إنساني، كان يستطيع التحول ، وتذكر الروايات الشعبية أنه قد يظهر كتيس أو كلب أو قط أو حيوان آخر، ومن بين أهم أشكاله: الحصان.
ولهذا لا توجد دائماً حدود واضحة بين نِكِّن وحصان الجدول ففي بعض مناطق جنوب السويد يبدو أن صورة روح الماء وهيئة الحصان اندمجتا حتى أصبح "حصان الجدول" كائناً قائماً بذاته تقريباً ، وبهذا يصبح الحصان الأبيض عند الماء أكثر من مجرد شبح حيوان؛ إنه قناع تتخذه قوة مجهولة تعيش في العالم المائي.
والماء في الفلكلور القديم لم يكن مجرد عنصر طبيعي، كان حدوداً، على هذا الجانب يقف الإنسان، وعلى الجانب الآخر شيء لا يعرفه.
حصان جاء من البحيرة
في أرشيف الفلكلور السويدي توجد روايات أغرب من قصة الأطفال التقليدية، إحدى الحكايات تتحدث عن خادم خرج لجمع خيول المزرعة قرب مكان يدعى شُو-فيك Sjövik لكنه لاحظ بينها حصاناً لا يعرفه.
كان الحيوان شديد الجمال، لم يكن عليه ما يدل على أنه متوحش أو خارق للطبيعة، لكنه كان يحاول باستمرار العودة إلى البحيرة، تمكن الرجل من السيطرة عليه وأُخذ الحصان إلى المزرعة، حيث بقي، وفق الرواية، سنوات بين الحيوانات الأخرى.
ومع مرور الزمن بدا كأنه أصبح جزءاً من المكان، حتى جاء اليوم الذي قرر فيه أصحابه أن بإمكانهم تركه حراً، وما إن جرى إطلاق سراحه حتى اختفى ، ولم يعثروا عليه مرة أخرى.
وكان تفسير الراوية بسيطاً: لم يكن ذلك حصاناً عادياً، بل حصان نِكِّن الذي عاد أخيراً إلى المكان الذي جاء منه.
تمنح هذه القصة حصان الجدول وجهاً مختلفاً تماماً؛ فليس كل حصان مائي في الموروث السويدي وحشاً ينتظر ضحاياه، أحياناً يبدو ككائن يعيش مؤقتاً بين عالمين، يستطيع الاختلاط بالحيوانات العادية ثم يختفي من حياة البشر كما دخل إليها.
وفي رواية أخرى في هالاند قالت امرأة إنها رأت نِكِّن عند المساء يعبر جزءاً من بحيرة، لكن هذه المرة لم يكن هو الحصان، كان رجلاً عجوزاً يركبه ، وكأن الفلكلور نفسه لم يحسم أين ينتهي الكائن وأين يبدأ مركوبه.
الحصان الذي عاد بعد موت صاحبه
ليس كل حصان شبح في السويد روحاً مائية، ففي تسجيل فلكلوري من منطقة غيلبيرغا Gillberga تظهر قصة مختلفة تماماً، قيل إن حصاناً أبيض كان يظهر عند درجات منزل ريفي كبير يدعى ألغا هيراغارد Älgå herrgård.
لماذا يظهر هناك ؟
بحسب الرواية المحلية كان هناك فارس ركب ذلك الحصان في الماضي واتجه إلى أحد الأنهار، حيث انتهى به الأمر غريقاً، ومع مرور السنوات التصق موت الفارس بمشهد الحصان الأبيض الذي شوهد ـ أو قيل إنه شوهد ـ قرب المنزل.
هنا لا نواجه كائناً أسطورياً معروفاً مثل نِكِّن، بل نموذجاً آخر مألوفاً في قصص الأشباح حول العالم:
حادثة موت تقع في مكان ما، ثم تبدأ ذاكرة المجتمع بربط المكان بظهور خارق للطبيعة، وربما تكون هذه إحدى الطرق التي تولد بها الأشباح.
من الماء إلى المقبرة
لم تتوقف علاقة الخيل بالعالم الآخر عند الأنهار، ففي المعتقدات الشعبية الاسكندنافية توجد فكرة شيركوغريم kyrkogrim أي روح أو كائن يحرس الكنيسة والمقبرة، تقول بعض الروايات إن حيواناً كان يُدفن عند إنشاء الكنيسة أو تدشين المقبرة، ثم يصبح بعد موته حارساً روحياً للمكان، وتختلف هوية الحيوان من حكاية إلى أخرى ، قد يكون كلباً وقد يكون خنزيراً وفي بعض الروايات السويدية كان مهراً أو حصاناً.
وتحكي إحدى الروايات المرتبطة بكنيسة بيرغ Berg أن مهراً دفن عند بناء الكنيسة ليصبح حارساً للمكان ويحميه من القوى الشريرة، ولا يعني وجود هذه الروايات أن عمليات دفن الحيوانات حية تحت الكنائس كانت ممارسة تاريخية شائعة مثبتة؛ ما نملكه أساساً هو تقليد فلكلوري حفظ الاعتقاد بأن الكنيسة تحتاج إلى حارس حتى بعد حلول الليل ، وهنا يقترب الحصان مرة أخرى من عالم الموتى.
لكن توجد أسطورة أخرى كثيراً ما تختلط بهذه القصة.
حصان الجحيم ذو الأرجل الثلاث
تتحدث بعض المقالات الحديثة عن حصان يدعى "حصان الجحيم" (هيلهيست) Helhest يظهر قرب المقابر ويمشي بثلاث أرجل، وكان سماع خطواته الغريبة إنذاراً بمرض أو موت قريب، وفي بعض الروايات يصبح مجرد رؤية الحيوان علامة سيئة، لكن عند التدقيق تظهر مشكلة مهمة: هذا التقليد يرتبط أساساً بالفلكلور الدنماركي أكثر من السويدي.
وتشير المصادر الدنماركية إلى وجود روايات عن حصان الجحيم منذ القرن السابع عشر على الأقل، وقد يظهر بثلاث أرجل، وأحياناً بلا رأس، ويتجول قرب الكنائس والمقابر بوصفه نذيراً للموت.
وهذا التشابه بينه وبين شيركوغريم السويدي ربما ساهم في خلط القصتين لاحقاً.
وفي كاتدرائية روسكيلد Roskilde الدنماركية يوجد حتى قبر ارتبط شعبياً بما سمي "حصان Hel" لكن التحقيق الأثري كشف مفارقة جميلة: القبر لم يحتوِ على حصان أصلاً، بل على أجزاء من هياكل بشرية، كما أن القبر نفسه أقدم من الأسطورة التي التصقت به ،أي أن المكان سبق القصة ثم جاءت القصة لتمنحه معنى جديداً.
أصوات الحوافر التي تسبق الموت
لا يحتاج الحصان دائماً إلى أن يكون شبحاً واضحاً حتى يصبح نذيراً، إذ توجد في الموروثات الشعبية السويدية إشارات إلى أن رؤية خيول جامحة أو سماع حركة غير مألوفة لها يمكن أن يرتبط بموت قادم، وهنا تظهر إحدى أقدم خصائص النذر الشعبي: الحدث نفسه ليس مرعباً بالضرورة.
حصان يركض في الليل، وقع حوافر خارج النافذة، حيوان يظهر في مكان غير متوقع، لكن عندما يموت أحد بعدها تبدأ الذاكرة بإعادة ترتيب الأحداث.
"لقد سمعنا الحصان قبل موته."
وإذا تكرر الربط داخل مجتمع صغير يتحول الأمر تدريجياً من صدفة إلى علامة، ومن علامة إلى معتقد.
عربة الموت
لم تولد أشهر صورة للخيول الطيفية السويدية خارج البلاد بالكامل في الريف أو في ذاكرة الفلاحين، إنها سائق العربة (شوركارلِن) Körkarlen.
في الحكاية التي اشتهرت من خلال رواية الكاتبة السويدية سلمى لاغيرلوف Selma Lagerlöf الصادرة عام 1912 توجد قاعدة مرعبة تخص ليلة رأس السنة، آخر شخص يموت قبل انتهاء العام لا ينتقل مباشرة إلى عالم الموتى، بل يصبح خادم الموت لعام كامل.
يتسلم عربة قديمة تجرها خيول طيفية، ويقضي العام التالي يجوب الطرق ليجمع أرواح جميع من يموتون، وحين ينتهي العام يأتي ميت جديد ليحل مكانه ، هذه الفكرة قوية إلى درجة أنها تبدو وكأنها لا بد أن تكون من أقدم أساطير السويد ، لكن التحقيق يقود إلى مفاجأة.
فالدراسات الأدبية التي تناولت الرواية تشير إلى أن لاغيرلوف استلهمت جزءاً مهماً من فكرتها من أسطورة فرنسية حول عربة الموت وسائقها، ثم أعادت تشكيلها في بيئة سويدية، بل إن الرواية نفسها ارتبطت بسياق واقعي جداً: مكافحة السل، المرض الذي كان يحصد أعداداً كبيرة من الناس في ذلك الزمن، لقد امتزج شبح العربة بمرض حقيقي، الموت الخيالي بالموت اليومي.
عندما شاهد الناس عربة الموت
عام 1921 تحولت الرواية إلى فيلم صامت بعنوان Körkarlen – The Phantom Carriage أخرجه ولعبت المؤثرات البصرية دوراً حاسماً في خلود الصورة.
عربة شفافة، خيول طيفية، وأرواح تتحرك بين عالم الأحياء والموتى، أصبحت الصورة السينمائية قوية إلى درجة أن أجيالاً لاحقة قد تتعامل معها كما لو أنها تصوير مباشر لفلكلور سويدي سحيق، مع أنها في الحقيقة مزيج من الأسطورة والأدب والتأثيرات الأوروبية والسينما الحديثة.
وهكذا حدث شيء مألوف في تاريخ الأساطير :
لم يعد من السهل معرفة أين انتهى الفلكلور وبدأ الفن.
لماذا الحصان ؟
يبقى السؤال: لماذا الحصان ؟ الحصان كان طوال قرون حيواناً استثنائياً في المجتمعات الإسكندنافية، كان وسيلة سفر، رمزاً للمكانة الاجتماعية، رفيقاً في الحرب والعمل، وظهر كذلك في ممارسات وطقوس جنائزية وقرابين من عصور ما قبل المسيحية.
وتكشف المدافن الأثرية في أجزاء من اسكندنافيا عن وجود خيول أو أجزاء منها أو معدات فروسية إلى جانب الموتى، ولا يمكن إثبات أن "حصان الجدول" أو "سائق العربة" امتداد مباشر لعقيدة بعينها من زمن الفايكنغ، الأرجح أننا أمام طبقات تراكمت عبر قرون.
لكن المكانة القديمة للحصان ربما جعلته مناسباً أكثر من غيره لدور الوسيط بين العوالم، إن كان يحمل الإنسان عبر المسافات في الحياة، فلماذا لا يحمله أيضاً عبر آخر حدودها ؟
حارس للأطفال أم قاتل لهم ؟
يحمل "حصان الجدول" تفسيراً أكثر عملية، قبل إنشاء الحواجز والإنارة الحديثة ووسائل الإنقاذ، كان النهر خطراً حقيقياً على الطفل.
مياه عميقة، تيار سريع، ضفاف زلقة، وقدرة محدودة على السباحة، كان بإمكان الأب أن يقول لابنه: "لا تذهب إلى النهر لأنه خطر"، لكن ثمة عبارة أكثر فاعلية في خيال طفل:
"لا تقترب من الماء، فهناك حصان ينتظرك."
ومن هذه الزاوية يتحول الوحش من قاتل للأطفال إلى كائن اخترعه الكبار، بصورة مفارقة، من أجل إنقاذهم.
وقد أشار الباحثون في التراث السويدي بالفعل إلى الوظيفة التحذيرية لمثل هذه الكائنات المرتبطة بالماء.
فالأسطورة لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة كي تؤدي وظيفة حقيقية.
هل رأى الناس شيئاً بالفعل ؟
تبقى أيضاً فرضية أبسط، قبل انتشار الإضاءة الصناعية كان الليل مختلفاً، حصان أبيض بعيد وسط الضباب يمكن أن يبدو بلا ملامح، انعكاس القمر فوق الماء قد يمنح جسماً متحركاً هيئة غير مألوفة.
يمكن لضباب منخفض فوق النهر أن يخفي أرجل الحيوان، فيبدو كأنه يطفو، ويستطيع الصوت أن ينتقل فوق سطح الماء بطريقة تجعل مصدره يبدو أقرب أو أبعد من حقيقته، ومن ثم تأتي الذاكرة والتوقعات الثقافية لتكمل الصورة.
لكن من يعرف مسبقاً قصة "حصان الجدول" قد لا يرى "حصاناً قرب النهر" بل يرى ( بِكّاهِستِن) نفسه.
عندما تصنع الحوادث أشباحها
ربما بعض القصص نشأ بطريقة مختلفة، يموت فارس في النهر، وتمر سنوات، ويشاهد شخص حصاناً أبيض بالقرب من المكان، ويتذكر السكان حادثة الغرق ويروي القصة لآخرين، وبعد جيل أو جيلين لم يعد أحد متأكداً من اسم الفارس أو تاريخ الحادثة، لكن الحصان بقي.
إنها عملية معروفة في تشكل الأساطير المحلية: التفاصيل التاريخية تبهت، بينما يحتفظ المجتمع بالصورة الأكثر قوة، وفي هذه الحالة تكون الصورة حصاناً أبيض ينتظر عند المكان الذي مات فيه صاحبه.
الموت يمتطي حصاناً
ربما لا توجد إجابة واحدة تفسر كل خيول الفلكلور السويدي.
بِكّاهِستِن Bäckahästen يبدو مرتبطاً بخطر الماء والتحذير منه.
وشيركوغريم kyrkogrim يعكس الخوف من المقابر والحاجة إلى حارس يحمي حدود المقدس.
وقصص الخيول الشبحية المحلية يمكن أن تنشأ حول حوادث موت حقيقية.
أما شوركارلِن Körkarlen فيكشف كيف يستطيع الأدب والسينما استعارة أسطورة من مكان آخر وإعادة زرعها في ثقافة جديدة حتى تصبح جزءاً من صورتها عن نفسها.
لكن ثمة خيط واحد يجمع بينها جميعاً.
الحصان يتحرك، يعبر، يحمل الإنسان من مكان إلى آخر.
ولهذا ربما لم يكن غريباً أن يصبح في المخيلة القديمة مخلوقاً يقف عند الحدود: عند ضفة الماء، وبوابة المقبرة، والطريق المظلم، وبين سنة تنتهي وأخرى تبدأ.
ففي عالم لم يكن الموت فيه بعيداً أو مخفياً كما هو اليوم، ربما كان وقع حوافر مجهولة في الليل كافياً لطرح سؤال واحد:
هل يمر حصان عابر أمام المنزل ؟ أم أن أحداً جاء ليأخذ راكبه الأخير ؟