لم يكن صباح الرابع من أغسطس عام 1577 يوماً عادياً في مقاطعة سوفولك شرقي إنجلترا،  فمنذ ساعات الصباح الأولى تجمعت فوق بلدة بونغاي سحب كثيفة حجبت الضوء ثم انهمر المطر مصحوباً بالبرد والرعد والبرق، حتى بدا للناس أن النهار قد انقلب ليلاً.

في ذلك الأحد، احتمى أهالي البلدة داخل كنيسة القديسة مريم، حيث انحنى بعضهم للصلاة وسط أصوات العاصفة، كانوا يخشون الصواعق التي يمكنها أن تحوّل البلدة كلها إلى كتلة من النار في زمن كانت فيه البيوت مبنية من الخشب والقش.

لكن وفق الرواية التي انتشرت لاحقاً، لم تكن الصاعقة وحدها ما دخل الكنيسة.

فبينما دوّى الرعد واهتزت الجدران، ظهر وسط المصلين كلب أسود هائل، اندفع عبر الممر بسرعة لم يستطع أحد إيقافها، لم يكن كلباً ضالاً هرب من المطر بل مخلوقاً جهنمياً قيل إن عينيه تقدحان بالنار وإن حضوره بث في المكان رعباً جعل الناس يعتقدون أن يوم القيامة قد حل.

ذلك الكلب، الذي ارتبط لاحقاً باسم بلاك شَك Black Shuck، أصبح واحداً من أشهر الكائنات في الفلكلور الإنجليزي؛ مخلوقاً يسير بين الأسطورة والتاريخ، وبين الصاعقة والشيطان، ولا تزال آثار مخالبه المزعومة معروضة داخل كنيسة أخرى حتى اليوم.

الوحش بين المصلين

بعد وقت قصير من الحادثة، نشر الكاتب والمترجم الإنجليزي أبراهام فليمنغ كتيباً حمل عنواناً طويلاً يمكن ترجمته إلى: «أعجوبة غريبة ومروعة حدثت مؤخراً في كنيسة رعية بونغاي».

ذكر فليمنغ أن العاصفة ضربت الكنيسة بعنف غير مألوف، فملأ الرعد المكان وأحاطت ومضات النار بالمصلين، وفي أوج الاضطراب ظهر أمامهم، بحسب وصفه، كائن «على هيئة كلب أسود»، مضيفاً أنه ربما كان الشيطان متنكراً في تلك الصورة.

ركض الكلب على امتداد صحن الكنيسة بسرعة مذهلة، ثم مر بين رجلين كانا راكعين يصليان. ويزعم الكتيب أنه لوى عنقيهما إلى الخلف في اللحظة نفسها، فسقطا ميتين حيث كانا راكعين.

ولم تتوقف الرواية عند ذلك. فقد مر المخلوق بجانب رجل ثالث وضربه على ظهره، فانكمش جسده ــ بحسب التعبير المروع الذي استخدمه فليمنغ ــ كما تنكمش قطعة من الجلد عند تعرضها للنار. ومع ذلك، قيل إن الرجل بقي حياً بعد إصابته.

وكان كاتب الكنيسة يعمل حينها على تنظيف مجرى للمياه في المبنى، فأطاح به دوي الصاعقة من مكانه، لكنه نجا من السقوط. أما ساعة الكنيسة وأسلاكها وعجلاتها، فقد تحطمت، وظهرت شقوق وأضرار في الحجارة والباب عدّها فليمنغ دليلاً على القوة التي اجتاحت المبنى.

وفي الظلام والفوضى، حاول راعي الكنيسة تهدئة المصلين وحثهم على الاستمرار في الدعاء. لكن بالنسبة إليهم، لم تعد العاصفة ظاهرة جوية فحسب؛ لقد تحولت أمام أعينهم إلى عقاب حي له جسد أسود ومخالب.

الكلب يظهر في كنيسة أخرى

في اليوم نفسه، وقعت حادثة مشابهة في كنيسة الثالوث المقدس بقرية بليثبرغ القريبة، وهي كنيسة ضخمة تعلو المستنقعات المحيطة بها، حتى أصبحت تعرف باسم «كاتدرائية المستنقعات».

كتب فليمنغ أن الكائن نفسه أو شيئاً ظهر بالهيئة ذاتها، دخل كنيسة بليثبرغ واستقر لحظة فوق عارضة خشبية مرتفعة، قبل أن ينقض عبر المبنى. ووفق روايته، قُتل رجلان وصبي، وأصيبت يد شخص آخر بحرق، بينما تعرض عدد من الموجودين لما وصفه بأنه إصابة أو صعق مفاجئ. ثم خرج المخلوق من الكنيسة في صورة «بشعة وجهنمية».

أما الرواية المحلية المحفوظة في تاريخ الكنيسة فتقدم وصفاً أقرب إلى حادثة صاعقة: فقد شق البرق الباب، وعاد نحو البرج وحطم بعض أخشابه وأجراسه، وعُثر على رجل في الأربعين من عمره وصبي في الخامسة عشرة ميتين.

هكذا اندمجت حادثتان وقعتا خلال العاصفة نفسها في قصة واحدة: كلب شيطاني يظهر في كنيسة بونغاي، ثم يعاود الظهور في بليثبرغ، مخلفاً الموت والاحتراق والرعب أينما مر.

لكن هل تحرك المخلوق فعلاً بين الكنيستين ؟ أم أن صاعقة واحدة ضربت منطقة واسعة، ثم جمع الخيال الشعبي بين آثارها في هيئة وحش واحد ؟

بصمات الشيطان على الباب

داخل كنيسة بليثبرغ ما زال هناك باب خشبي قديم تظهر عليه علامات سوداء طولية، ويطلق عليها بعض السكان والزوار اسم « بصمات الشيطان »، إذ يقال إن بلاك شَك تركها بمخالبه عندما دخل الكنيسة أو خرج منها.

تبدو العلامات المحروقة للوهلة الأولى كأن شيئاً ذا أصابع طويلة وضع يده على الخشب، وقد أصبحت هذه الآثار أقرب ما تملكه الأسطورة إلى «دليل مادي»، وتجذب حتى اليوم الزوار الباحثين عن بقايا حادثة عام 1577 وتعرض الكنيسة نفسها الحكاية بوصفها جزءاً من تراثها مع الإشارة إلى أن المكان يقدم أيضاً «القصة الحقيقية» وراء الأسطورة.

لكن هنا تظهر مفارقة مهمة: فليمنغ ذكر في كتيبه علامات وتمزقات في حجارة كنيسة بونغاي وبابها، ولم يشر بوضوح إلى علامات المخالب الشهيرة الموجودة اليوم في بليثبرغ. ويرى مؤرخون محليون أن صمته عنها يثير الشك في ارتباطها بالحادثة، وأنها قد تكون آثار احتراق أو تلف ظهرت في زمن لاحق.

بعبارة أخرى، قد تكون العلامات حقيقية، لكن تفسيرها بوصفها مخالب مخلوق جهنمي هو الجزء الذي ينتمي إلى الفلكلور.

من هو بلاك شَك ؟

لم يستخدم فليمنغ اسم بلاك شَك في كتيبه؛ بل تحدث عن «كلب أسود» أو «الشيطان في هيئة كلب». أما ربط حادثة بونغاي بالمخلوق المعروف بهذا الاسم فقد ترسخ في الروايات اللاحقة.

يرجح أن كلمة Shuck تعود إلى لفظ إنجليزي قديم قريب من scucca، ويعني الشيطان أو الروح الشريرة. وظهر وصف «شَك، الكلب الشيطاني» في مجلة Notes and Queries عام 1850، حيث وصفه كاتب بأنه كلب أسود كثيف الشعر، هائل الحجم، ذو عينين ناريتين، يزور المقابر عند منتصف الليل.

وتختلف أوصافه بين قرية وأخرى. ففي بعض القصص يبلغ حجم عجل أو حصان صغير، ويسير بصمت مهما كان ضخماً. وفي روايات أخرى له عين واحدة كبيرة تتوهج وسط رأسه، أو عينان حمراوان كالجمر. يظهر على الطرق المعزولة، وبين المستنقعات، وفي ساحات الكنائس والمقابر، ثم يختفي من دون أن يترك أثراً.

وكانت رؤيته تُعد غالباً نذيراً بالموت؛ فمن تقع عيناه عليه قد يموت قبل انتهاء العام، أو تصيب كارثة أحد أفراد أسرته. ومع ذلك، لا يظهر بلاك شَك شريراً في جميع الحكايات. ففي بعض الروايات يسير إلى جانب المسافرين المنفردين، أو يرافق النساء عبر الطرق المظلمة، ثم يختفي بعد أن يبلغوا مكاناً آمناً. ولهذا يمكن أن يكون الكلب الأسود في الفلكلور الإنجليزي نذيراً بالموت حيناً، وحارساً غامضاً حيناً آخر.

كلاب سوداء على طرق إنجلترا

لا تنفرد سوفولك بأسطورة الكلب الشبحي، ففي مناطق مختلفة من بريطانيا تظهر كائنات مشابهة بأسماء متعددة، منها بارغيست Barghest وبادفوت Padfoot ومودي دو Moddey Dhoo في جزيرة مان.

وعلى الرغم من اختلاف القصص، تتكرر فيها عناصر محددة: كلب أسود يفوق الحجم الطبيعي، يظهر ليلاً قرب طريق أو مقبرة أو مسطح مائي، ولا تُسمع خطواته. وقد يختفي فجأة، أو يرافق ظهوره موت أو حادث.

وقد تكون جذور هذه الصورة أقدم من حادثة بونغاي بقرون، ففي سجل أنجلوسكسوني متعلق بدير بيتربورو، وردت رواية من القرن الثاني عشر عن صيادين سود مخيفين يركبون خيولاً وماعز سوداء، ترافقهم كلاب قاتمة ذات عيون ضخمة، وتتشابه هذه الصورة مع أسطورة الصيد البري الأوروبية، حيث تعبر الأرواح والفرسان الموتى السماء والبراري في الليالي العاصفة.

ومع انتشار المسيحية تحول كثير من الكائنات القديمة المرتبطة بالموت والطبيعة إلى شياطين في القصص الشعبية، فالكلب الذي ربما كان حارساً للعالم الآخر أصبح كلباً للجحيم والعاصفة التي كانت قوة غامضة للطبيعة صارت علامة على غضب الله أو عمل الشيطان.

ما الذي حدث داخل الكنيستين ؟

لا توجد ضرورة لافتراض وجود مخلوق خارق كي نفهم الجانب المادي من الحادثة، فقد وقعت عاصفة شديدة بالفعل وضرب البرق الكنائس وألحق أضراراً بالأبراج والأبواب والساعات وسجلت حسابات القائمين على كنيسة بونغاي مقتل رجلين في برج الأجراس، رغم عدم وجود سجل رسمي يؤكد أن كلباً هاجمهما.

وقد يؤدي البرق داخل مبنى إلى ومضات نارية وانهيار أخشاب أو حجارة، وصعق أشخاص أو إصابتهم بحروق وتشنجات مفاجئة. وفي كنيسة مظلمة مكتظة بأناس مرعوبين، يمكن لصاعقة تعبر المكان أو لحيوان مذعور يندفع بين الحضور أن تُفهم بطريقة مختلفة تماماً.

لكن العاصفة وحدها لا تفسر الشكل الذي اتخذته القصة وهنا يظهر دور أبراهام فليمنغ.

لم يكن فليمنغ شاهداً مباشراً على الحادثة، بل صاغ كتيبه استناداً إلى رواية مكتوبة وتقارير قال إنها جاءت من شهود، ولم يكن هدفه تسجيل ظاهرة جوية بقدر ما كان تقديم موعظة دينية؛ فقد رأى في العاصفة والكلب الأسود تحذيراً للناس من الخطيئة ودعوة إلى التوبة ، إذ كان عصره مشحوناً بالصراع الديني والتغيير الذي أعقب الإصلاح البروتستانتي وهو ما جعل الكوارث الطبيعية تُقرأ أحياناً باعتبارها رسائل إلهية أو علامات على اضطراب أخلاقي وروحي.

ربما كان هناك كلب حقيقي دخل الكنيسة مذعوراً من الرعد ثم اختلطت صورته بآثار الصاعقة، وربما لم يكن هناك كلب أصلاً، وإنما صنعت ومضات النار والدخان والهلع صورة جماعية تحولت، مع تكرار الحكاية، إلى وحش واضح الملامح.

وقد تكون الرواية كلها طريقة رمزية لوصف البرق: شيء أسود يعبر المكان بسرعة، يضرب أشخاصاً فيقتلهم أو يشوه أجسادهم، ثم يترك على الخشب والحجارة علامات تشبه المخالب.

حين تتحول الكارثة إلى أسطورة

لا تحتاج الأسطورة دائماً إلى أن تكون كذبة كاملة. يكفي أن تقع حادثة حقيقية لا يستطيع الناس تفسيرها، ثم تدخلها المخاوف القديمة والعقائد السائدة والذاكرة الشعبية.

العاصفة حقيقية، والأضرار حقيقية، والوفيات تبدو حقيقية أيضاً أما الكلب الأسود فهو الصورة التي منحت تلك الفوضى وجهاً يمكن تذكره وروايته.

ومع مرور القرون، لم يعد بلاك شَك مجرد شيطان يهاجم المصلين؛ بل تحول إلى رمز لبلدة بونغاي نفسها، أُدخل الكلب الأسود في شارتها وظهرت صورته على المباني والمؤسسات وأصبح له مهرجان سنوي يقام في ذكرى الحادثة، الوحش الذي أرعب السكان ذات يوم صار جزءاً محبوباً من هوية المكان.

ومع ذلك، عندما تهبط العتمة فوق مستنقعات شرق إنجلترا، وتغمر الرياح الطرق الريفية الخالية ما زال بعض السكان يتذكرون التحذير القديم: لا تتبع الكلب الأسود إذا ظهر أمامك ولا تنظر طويلاً إلى عينيه.

فقد يكون مجرد حيوان تائه في الضباب وقد يكون ظلاً صنعته الأشجار والبرق.

لكن، بحسب الأسطورة، إن سار بلا صوت واختفى عند بوابة المقبرة، فقد تكون قد شاهدت بلاك شَك... الكلب الذي اقتحم الكنيسة، وخرج منها إلى الفلكلور الإنجليزي من دون أن يغادره أبداً.