قد تبدأ الحكاية في ليلة ممطرة، على طريق شبه خالٍ، حين يلمح السائق شخصاً واقفاً على جانب الطريق، غالباً ما تكون امرأة شابة، وحيدة، بثياب فاتحة اللون، تتوقف السيارة، تطلب المرأة أن تُنقل إلى منزل أو عنوان قريب، فتجلس بهدوء في المقعد الخلفي أو بجانب السائق ، لا شيء يبدو غير طبيعي في البداية لكن بعد دقائق، يلتفت السائق فلا يجد أحداً ، الأبواب لم تُفتح، والسيارة لم تتوقف، ومع ذلك اختفى الراكب كما لو أنه لم يكن موجوداً أصلاً.

وفي نسخ أكثر غرابة، لا تنتهي القصة هنا، يذهب السائق إلى العنوان الذي أعطته المرأة، فيستقبله شخص مسن يخبره بأن صاحبة الوصف ماتت منذ سنوات، غالباً في حادث وقع على الطريق نفسه، وأحياناً يكون هناك شيء يصعب تجاهله: معطف أعاره لها السائق، حقيبة تركتها، اسم، أو غرض شخصي يقوده إلى قبر شخص ميت.

هذه هي أسطورة الراكب المختفي Vanishing Hitchhiker واحدة من أشهر الحكايات الخارقة المرتبطة بالطرق، لكنها ليست حكاية واحدة، بل نمط قصصي يتكرر بأسماء وأماكن مختلفة في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا وأفريقيا وآسيا وفي البلدان العربية أيضاً.

والأغرب أن جذوره تبدو أقدم من السيارة نفسها بمئات السنين .

راكب يختفي قبل الوصول

هناك عشرات الاختلافات في التفاصيل، إلا أن الهيكل الأساسي للحكاية يكاد لا يتغير ، يسافر شخص وحيداً ليلاً، ويلتقي غريباً يحتاج إلى المساعدة، يصعد الغريب إلى المركبة ويطلب الوصول إلى مكان معين، ثم يختفي فجأة قبل نهاية الرحلة.

وفي كثير من الروايات يكون الراكب امرأة شابة ماتت في حادث سابق، وكأنها لا تزال تحاول إكمال الرحلة التي لم تستطع إكمالها وهي على قيد الحياة.

ولذلك لا تكون هذه الأشباح عدائية في معظم القصص، لا تحاول قتل السائق ولا مهاجمته وإنما تبدو كأنها عالقة في حدث يتكرر بلا نهاية: تنتظر سيارة، تطلب العودة إلى المنزل، ثم تختفي قبل أن تصل.

هذا العنصر ربما يكون أحد أسباب قوة الأسطورة؛ فهناك شيء مأساوي أكثر منه مرعباً في فكرة إنسان مات أثناء رحلة ولا يزال يحاول إتمامها.

حكاية أقدم من السيارات

من الخطأ القول إن "راكباً متطفلاً" كان يظهر على الطرق قبل 400 عام بالصورة التي نعرفها اليوم فمفهوم السفر بالسيارات واستيقاف المركبات حديث بطبيعة الحال ، لكن الباحثين في الفولكلور وجدوا حكايات قديمة تحمل البناء نفسه.

ومن أشهر النماذج القديمة رواية سويدية تعود إلى سنة 1602 ، سجلها الكاهن جوين بيتري كلينت Joen Petri Klint، وتحكي عن كاهن ومزارعين كانوا عائدين من سوق ديني عندما انضمت إليهم فتاة أو خادمة مجهولة في الطريق، وحين توقفوا في نُزل وطلبت شيئاً تشربه وقعت أحداث غريبة بحسب الرواية: أُحضر لها إبريق من الجعة، تحول محتواه تحول إلى حبوب شعير مُحضَّرة لصناعة الجعة، ثم تحول محتوى إبريق ثانٍ إلى ثمار بلوط، بينما ظهر في الثالث دم، عندها أعلنت الفتاة أن العام سيشهد محصولاً جيداً ووفرة في ثمار الأشجار، لكنه سيحمل أيضاً الحروب والأوبئة، ثم اختفت أمام المسافرين.

ليست هذه بالطبع قصة نموذجية لظاهرة "الراكب المختفي" الحديثة  لكنها تحمل الفكرة القديمة نفسها: غريب يظهر للمسافرين، يرافقهم لبعض الوقت، يترك رسالة أو علامة، ثم يختفي بطريقة غير طبيعية.

أما الشكل الحديث للأسطورة، المرتبط بالسيارات والطرق السريعة فقد ترسخ خصوصاً خلال القرن العشرين، ومن هنا يمكن القول إن جذور الحكاية تمتد إلى نحو أربعة قرون، بينما النسخة التي نعرفها اليوم ولدت مع عصر السيارات.

طرق اشتهرت بالركاب المختفين

الغريب أن بعض المواقع لم ترتبط بحكاية واحدة فحسب، بل تراكمت حولها روايات على مدى عقود حتى أصبح اسم الطريق نفسه مرادفاً للشبح.

طريق آرتشر - شيكاغو - الولايات المتحدة

لعل أشهر "راكبة مختفية" في الولايات المتحدة هي ماري العائدة من الموت Resurrection Mary ، فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين انتشرت روايات عن شابة شقراء ترتدي ثوب سهرة أبيض تظهر على طريق آرتشر Archer Avenue قرب مقبرة في ضواحي شيكاغو.

في بعض القصص يراها السائق على جانب الطريق ويعرض عليها توصيلة، وفي روايات أخرى يلتقي بها رجل داخل صالة رقص ثم يعرض عليها العودة إلى منزلها ، تجلس المرأة بصورة طبيعية وتتحدث أحياناً مع السائق لكن عندما تقترب السيارة من المقبرة تختفي.

هناك محاولات عديدة لربط ماري بفتاة حقيقية ماتت في حادث سيارة، إلا أن هويتها لم تثبت بصورة قاطعة، وظهرت على مر السنوات أسماء مختلفة قيل إنها صاحبة القصة الأصلية.

وهذا ما يجعل قصة "ماري العائدة من الموت" نموذجاً مثالياً للأسطورة الحضرية: مكان حقيقي، مقبرة حقيقية، شهادات متداولة، وربما حادث حقيقي أيضاً، لكن لا توجد حلقة مؤكدة تربط العناصر كلها ببعضها.

أتوستراد 365 - ولاية أركنساس

على الطريق 365 قرب وودسون في ولاية أركنساس الأمريكية تنتشر قصة مشابهة ، تظهر فتاة أو امرأة شابة في الليالي الممطرة أو العاصفة بثياب تبدو أحياناً ممزقة أو مبللة، وتطلب من أحد السائقين أن يوصلها إلى منزل والديها ، يعطيها السائق ما تريد لكن قبل الوصول تختفي من السيارة ، وحين يطرق السائق باب المنزل ويشرح ما حدث، تأتي المفاجأة التقليدية: الأسرة تعرف المرأة من الوصف، لكنها تخبره بأن ابنتها ماتت منذ سنوات في حادث سير.

استمرت القصة في الفولكلور المحلي حتى أصبحت من أشهر حكايات الطرق في المنطقة ، ومن اللافت هنا أن الطريق نفسه يتحول مع مرور الزمن إلى جزء من الحكاية؛ فالسائق الذي يعرف الأسطورة مسبقاً يدخل المكان وهو يتوقع ظهور الفتاة، مما يجعل الحدود بين التجربة الشخصية والرواية التي سمعها الإنسان من قبل شديدة التعقيد.

جيمستاون - ولاية كارولاينا الشمالية

في منطقة جيمستاون في ولاية كارولاينا الشمالية تظهر شخصية أخرى تحمل اسماً محدداً: ليديا Lydia ، تقول أشهر الروايات إن سائقي السيارات يشاهدون فتاة شابة قرب ممر للسكك الحديدية، غالباً بثوب أبيض، فتطلب منهم إيصالها إلى عنوان في مدينة هايبوينت High Point ثم تختفي أثناء الطريق ، وعندما يحاول السائق البحث عنها يكتشف أنها ماتت قبل سنوات.

لكن حتى موت ليديا له أكثر من رواية، فبعض القصص تقول إنها لقيت حتفها في حادث سيارة أثناء ذهابها إلى حفلة، بينما ظهرت نسخ أخرى مختلفة تماماً ، وهذه الاختلافات ليست عيباً في الأسطورة؛ بل تكشف طريقة عملها.

فالاسم والمكان والتاريخ قد تتغير، بينما يبقى الهيكل نفسه: فتاة ماتت في الطريق ولا تزال تحاول العودة إلى المكان الذي لم تصل إليه قط.

بلو بيل هيل – إنجلترا

في مقاطعة كينت البريطانية تقع منطقة بلو بيل هيل  Blue Bell Hill على الطريق A229 وهي من أشهر المواقع البريطانية المرتبطة بحكايات الأشباح على الطرق ، وفي هذه الحالة يوجد حادث حقيقي معروف .

في نوفمبر 1965 وقع حادث سير أودى بحياة عدد من الأشخاص، بينهم شابة كانت تستعد للزواج ، لاحقاً ظهرت روايات عن سائقي سيارات شاهدوا امرأة شابة على الطريق.

بعضهم قال إنه توقف وأقلّها قبل أن تختفي، بينما ظهرت روايات أكثر غرابة لسائقين اعتقدوا أنهم صدموا امرأة بسيارتهم، ثم توقفوا مذعورين للبحث عنها فلم يجدوا جسداً ولا أثراً لحادث.

سرعان ما ارتبطت تلك المشاهدات بالعروس التي ماتت عام 1965، لكن التحقيقات الفولكلورية في القضية كشفت مشكلة مثيرة: أوصاف "الشبح" التي قدمها بعض الشهود لا تتطابق دائماً مع المرأة التي ماتت في الحادث.

وهذا يفتح احتمالاً معاكساً تماماً لما تقوله الأسطورة ، ربما لم يولد الشبح من الضحية وإنما كانت هناك حكايات غامضة عن الطريق ثم جاء حادث مأساوي ومنحها اسماً وقصة يمكن للناس تذكرها.

نفق بيلشن – سويسرا

في سويسرا نجد نسخة أكثر غرابة تعرف باسم المرأة البيضاء في بيلشن Weisse Frau vom Belchentunnel وارتبطت بنفق بيلشن Belchen على الطريق السريع A2، خصوصاً خلال أوائل ثمانينيات القرن العشرين.

وتعود أشهر الروايات إلى عام 1983 حين أقلّت امرأتان شابة أو امرأة في منتصف العمر بدت شاحبة ومتعبة قرب النفق. وخلال الطريق سألتها إحداهما إن كانت تشعر بتحسن، فأجابتهما بأنها ليست بخير، ثم أطلقت تحذيراً غامضاً قائلة إن "شيئاً فظيعاً، شيئاً مروّعاً جداً، سيحدث"،  وعندما التفتتا نحوها بعد ذلك، كان المقعد الخلفي خالياً تماماً، ولم تحدد المرأة، بحسب الرواية الأصلية، طبيعة هذا الحدث المفزع ولا متى سيقع.

وتوجد رواية لاحقة تقول إن المرأتين كانتا تنويان الذهاب إلى معرض الخريف في سولوتورن، وإنهما عدلتا عن الرحلة بعد التحذير؛ لكن هذه تبدو إضافة تفسيرية لاحقة وليست جزءاً واضحاً من الشهادة الأصلية المنشورة عن حادثة 1983.

وهذا في الواقع يجعل القصة أكثر إثارة: التحذير بقي بلا تفسير، ولم يُعرف قط ما هو "الشيء الفظيع" الذي زعمت المرأة أنه سيحدث.

شبح يونيوندال – جنوب أفريقيا

على الطريق N9 في منطقة  يونيوندال Uniondale في جنوب أفريقيا ظهرت واحدة من أشهر حكايات الركاب الأشباح في القارة ، وهنا أيضاً توجد امرأة حقيقية وراء القصة.

في أبريل 1968 توفيت الشابة ماريا تشارلوت روكس Maria Charlotte Roux في حادث سيارة على الطريق بين Uniondale وWillowmore.

وبعد عدة سنوات بدأت تظهر شهادات عن سائقي سيارات يشاهدون امرأة شابة داكنة الشعر على جانب الطريق، خصوصاً في الليالي الباردة ، يصعد بها بعضهم إلى السيارة، ثم تختفي.

ومع اتساع الأسطورة أضيفت تفاصيل أخرى: ضحكات أو صرخات غامضة، أبواب سيارات تفتح أو تغلق دون تفسير، بل وحتى رائحة خفيفة تشبه أزهار التفاح ، وبمرور الوقت تحولت قصة يونيوندال Uniondale إلى جزء من الفولكلور الجنوب أفريقي.

لكن الباحثين لاحظوا أيضاً الدور الكبير الذي لعبته الصحافة في انتشارها، فكلما نُشرت قصة جديدة، ازداد عدد الأشخاص الذين يعرفون ما يفترض أن يحدث على الطريق.

وهكذا تبدأ حلقة غريبة: رواية تولد من تجربة، تنشرها الصحافة، فيعرفها المزيد من السائقين، ثم تظهر روايات أخرى شبيهة بها.

شيلونغ - الهند

من أكثر الأمثلة إثارة تأتي من مدينة شيلونغ Shillong في شمال شرق الهند حيث درست الباحثة مارغريت لاينغدوه Margaret Lyngdoh حكايات "الراكب المختفي" في سياق معتقدات شعب  خاسي Khasi المحلي.

تدور إحدى الروايات حول سائق سيارة أجرة التقى امرأة برفقة طفل في الليل ، كانت تشعر بالبرد، فأعارها سترته ، أوصلها إلى المكان الذي طلبته، ثم افترقا.

في اليوم التالي توجه السائق إلى العنوان لاستعادة سترته وتحصيل الأجرة، لكن امرأة مسنة أخبرته أن صاحبة الوصف هي ابنتها وأنها ماتت قبل سنوات ثم قادته إلى المقبرة ، وهناك، بحسب الرواية، وجد سترته عند قبرها.

المهم أن هذه الحالة تكشف أن أسطورة  الراكب المختفي لا تنتقل بين البلدان كما هي بل تتكيف مع معتقدات المجتمع الذي تصل إليه.

ففي ثقافة شعب خاسي  توجد تصورات عن أرواح بعض الموتى الذين لم يستقروا بعد الموت وخصوصاً عندما تكون الوفاة عنيفة أو غير طبيعية.

النسخة اليابانية من الراكب المختفي

لليابان أيضاً نسختها الشهيرة من "الراكب المختفي"، لكن الظهور هنا يحدث داخل سيارات الأجرة،  يورد الباحثان ميتشيكو إيواساكا  و باري تولكن في كتابهما "الشبح واليابانيون" Ghost and the Japanese حكاية شعبية معروفة عن سائق تاكسي في طوكيو أقلّ امرأة شابة من أمام مستشفى في ساعة متأخرة من الليل، طلبت منه التوجه إلى حي هاماتشو Hamachō وأعطته تعليمات دقيقة، لكنه عندما نظر في المرآة قرب الوجهة وجد المقعد الخلفي خالياً وبارداً بصورة غير معتادة، بعد ذلك سمع صوتها مجدداً تطلب الذهاب إلى أوياما Aoyama ثم العودة إلى هاماتشو ، وعندما وصل إلى المنزل شم رائحة البخور المرتبط بمراسم الجنازة، ليخبره أفراد الأسرة أن شابة من العائلة توفيت في المستشفى في اليوم السابق، وافترضوا أنها أرادت المرور بأوياما لتوديع حبيبها للمرة الأخيرة. 

ويذكر المصدر أن الرواية نُسبت إلى واقعة تعود إلى نحو 1950 لكنها بقيت في الدراسات الفولكلورية مثالاً نموذجياً على أسطورة الراكب المختفي أكثر منها حادثة مثبتة تاريخياً.

ولم تبق "أشباح التاكسي" محصورة في هذه الحكاية؛ فثقافة الرعب اليابانية عرفت منذ عقود روايات عن ركاب يختفون من المقاعد الخلفية ويتركونها مبللة أو باردة حتى أصبح بعض سائقي طوكيو، وفق الفولكلور المحلي يتشاءمون من التقاط الركاب ليلاً قرب مقبرة أوياما.إقرأ المزيد عن تاكسي طوكيو وشبح المقبرة.

تجارب أخرى في بلدان عربية

توجد في منطقتنا أيضاً تجارب تشبه هذا النمط، وإن اختلف تفسيرها تبعاً للثقافة والمعتقد الديني، ففي لبنان روى الفنان طوني حنا أنه كان عام 1994 متوجهاً برفقة الشاعر رياض نجمة إلى دير رفقا في جربتا، عندما شاهدا على الطريق في يوم ماطر رجلاً حافي القدمين فأقلاه في سيارتهما، جلس الرجل في الخلف وأخبرهما أنه ذاهب إلى جربتا وتحدث إليهما عن رفقا والصوم والصلاة، ثم لم يجدا له أثراً عند وصولهما إلى الكنيسة، ولم ينتبها إلى لحظة خروجه من السيارة، ومع مرور السنوات اعتقد الرجلان أن الراكب ربما كان الأب بشارة أبو مراد، وإن كان هذا التعرف لاحقاً قائماً على الانطباع الديني أكثر من التطابق الجسدي، وظلت الرواية بالنسبة إليهما تجربة روحية لا مجرد لقاء مع عابر سبيل ، إقرأ المزيد عن تجربة الفنان طوني حنا.

أما في ليبيا، فقد وردت إلى موقع ما وراء الطبيعة تجربة شخصية رواها رجل يدعى فيصل، قال إنها وقعت معه صيف 1983 أثناء سفره ليلاً من طرابلس إلى يفرن، بعد اجتياز "بوابة بئر عياط" أقلّ رجلاً غريب الهيئة يرتدي معطفاً عسكرياً ثقيلاً رغم حرارة الصيف، ظل الرجل صامتاً قبل أن يخبره بأنه تعرض لحادث ثم أضاف بصورة أكثر صراحة: "عملت حادث... ومتّ" ووفق رواية فيصل فتح معطفه ليظهر ما بدا كدماء على جسده. ، بدأ فيصل بتلاوة آية الكرسي وبعد دقائق توقفت السيارة وسمع بابها يُفتح ويغلق، ثم وجد المقعد بجواره خالياً. 

وعندما قص ما جرى على أشخاص من المنطقة أخبروه أن حكايات قديمة تتحدث عن كائن يظهر للمسافرين المنفردين على ذلك الطريق ويُطلق عليه محلياً اسم "الغولة"،  وهي شهادة شخصية لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، لكنها مهمة لأنها تكشف كيف يمكن لنمط "الراكب المختفي" العالمي أن يندمج في الفولكلور المحلي ومعتقداته عن الجن والأرواح والغول ، إقرأ المزيد عن الراكب الغريب على طريق بئر عياط.

حينما يترك الشبح شيئاً خلفه

من أكثر عناصر هذه الروايات غرابة وجود غرض مادي ، قد تكون حقيبة ، بطاقة تعريف ، وشاحاً ، خاتماً أو في النسخة الأشهر، معطفاً أو سترة يعطيها السائق للراكبة بسبب البرد، ثم يجدها لاحقاً فوق قبرها ، هذه التفاصيل تؤدي وظيفة مهمة جداً في بناء القصة.

لو قال السائق إنه شاهد امرأة ثم اختفت، فمن السهل اعتبار ما جرى وهماً أو خطأ في الإدراك ، لكن ماذا لو كان هناك شيء مادي ؟

هنا تتحول الحكاية من "رؤية شبح" إلى لغز يبدو للسامع وكأنه يحتوي على دليل ، ولهذا يرى بعض دارسي الفولكلور أن تلك الأشياء ليست بالضرورة بقايا حقيقية من حادثة خارقة وإنما أدوات سردية تمنح القصة قوة أكبر.

فالأسطورة الجيدة لا تقول فقط: "رأيت شبحاً" بل تقول: "رأيته… وهناك شيء بقي ليثبت أنه كان موجوداً".

لماذا تظهر دائماً على الطرق ؟

هناك شيء آخر يجمع معظم هذه القصص: المكان ، طريق ليلي ، جسر ، نفق ، تقاطع ، مقبرة ، ممر للسكك الحديدية ، هذه أماكن انتقال، لا أماكن إقامة ، والإنسان نفسه فيها يكون بين نقطة غادرها وأخرى لم يصل إليها بعد.

ولهذا يستخدم بعض الباحثين مفهوم الأماكن الحدية أو الفاصلة Liminality لفهم جاذبية هذه المواقع في الفولكلور ، فالطريق مكان بين مكانين والغسق بين النهار والليل والشبح نفسه كائن بين الحياة والموت ، وتزداد قوة الرمز عندما يكون الشخص قد مات أثناء الرحلة.

عروس لم تصل إلى زفافها ، فتاة لم تعد إلى منزلها ، مسافر لم يبلغ وجهته.

وكأن المخيلة الشعبية تمنحه محاولة أخرى، لكنه يظل محكوماً بإعادة الرحلة نفسها إلى الأبد.

هل هي أشباح أم أساطير تتنقل ؟

من الصعب وضع كل الروايات في سلة واحدة ، بعضها مرتبط بالفعل بحوادث وفاة حقيقية، لكن ظهور الشبح جاء بعد سنوات ، بعضها حكايات شعبية لا يمكن الوصول إلى شاهدها الأول وبعضها شهادات أشخاص حقيقيين يصرّون على أنهم رأوا شخصاً في سياراتهم قبل أن يختفي وهناك أيضاً عوامل طبيعية محتملة.

القيادة الليلية لفترات طويلة يمكن أن تؤثر في الانتباه والإدراك، وخاصة مع التعب والظلام والضباب والمطر. وفي ظروف معينة قد يسيء الإنسان تفسير ظل أو شخص على الطريق أو انعكاس ضوء، ثم تعيد الذاكرة بناء المشهد لاحقاً بطريقة تتأثر بالقصص التي يعرفها مسبقاً.

لكن هذا وحده لا يفسر الجانب الثقافي الأكثر غرابة:

لماذا تتكرر القصة نفسها تقريباً في مجتمعات متباعدة ؟

إحدى الإجابات التي يقدمها الفولكلور هي أن الحكاية تنتقل وتتكيف.

فما إن يصل النموذج إلى مدينة جديدة حتى يحتاج إلى اسم محلي، وطريق محلي، وحادث محلي، وقبر يمكن الإشارة إليه.

بعد ذلك يبدأ الناس بسردها على أنها واقعة حدثت لـ "صديق صديق" ثم تظهر شهادات جديدة فيختلط التاريخ بالفولكلور حتى يصبح الفصل بينهما شبه مستحيل ، لكن بالنسبة لمن يقول إنه عاش التجربة بنفسه، فإن هذا التفسير قد لا يكون كافياً.