في مساء شتوي من عام 1985 جلس مشاهدون أستراليون أمام شاشاتهم لمتابعة فيلم وثائقي سبقت عرضه حملة إعلانية تعدهم بتجربة مخيفة ، كان اسمه Haunted أي "المسكون" ولم يكن مجرد برنامج آخر عن الأشباح، بل واحداً من الأعمال المبكرة التي ساهمت في تشكيل الطريقة التي سيقدم بها التلفزيون لاحقاً عالم الأماكن المسكونة والتحقيقات الخارقة.

جاء البرنامج في توقيت مثالي، قبل عام واحد فقط حقق فيلم صائدي الأشباح  Ghostbusters نجاحاً جماهيرياً ضخماً، وأصبح الحديث عن الأشباح وصيدها جزءاً من الثقافة الشعبية ، استثمرت شبكة Network 10 الأسترالية هذا المزاج، وكلّفت المخرج والكاتب Iain Gillespie بإنتاج وثائقي كانت مهمته، حسب تعبير التكليف نفسه، أن "يرعب الناس".

وعلى مدى نحو 97 دقيقة، انتقل Haunted بين 14 حالة مزعومة من حالات الأشباح والبيوت المسكونة في أنحاء أستراليا، من فريمانتل في الغرب إلى مستعمرة السجناء التاريخية في Port Arthur بتسمانيا، وصولاً إلى ضواحي بريزبن.

لكن ما أعطى العمل ثقله لم يكن العثور على دليل قاطع على الأشباح، بل الأشخاص العاديون الذين وقفوا أمام الكاميرا ليقولوا إنهم رأوا شيئاً لم يستطيعوا تفسيره.

شهود لا يشبهون ممثلي أفلام الرعب

لم يعتمد برنامج  Haunted كثيراً على خبراء الظواهر الخارقة، بل ترك المجال لأناس تبدو حياتهم بعيدة تماماً عن الخيال الماورائي.

في إحدى القصص يظهر عامل لحام سيارات يتحدث بتوتر عن فتاة ترتدي لباس سباحة مخططاً ظهرت أمامه ثم اختفت بصورة مفاجئة ، وفي شهادة أخرى أصبحت من أكثر مشاهد البرنامج رسوخاً في الذاكرة، تتحدث امرأة كانت مرتبطة بنادٍ رياضي للأطفال عن شخصية امرأة تشبه مشرفة أو ممرضة قديمة وقفت خارج نافذة النزل تحدق بها بصمت.

كانت قوة هذه الشهادات في بساطتها، لم يكن المتحدثون يقدمون أنفسهم باعتبارهم وسطاء روحيين أو خبراء في عالم الأشباح، بل كأشخاص يقولون ببساطة: حدث لنا شيء غريب ، وهو أسلوب سيصبح لاحقاً واحداً من أهم أسرار نجاح برامج الظواهر الخارقة: الشاهد العادي أكثر إقناعاً للمشاهد من الباحث الذي يدخل المكان وهو يتوقع مسبقاً العثور على شبح.

كيف يصنع التلفزيون مكاناً مسكوناً ؟

جزء كبير من الأجواء المرعبة في برنامج Haunted لم يكن مصدره القصص نفسها، بل طريقة تصويرها، ينسب غيلسبي Gillespie جانباً كبيراً من نجاح الشكل البصري إلى مدير التصوير تيري كارليون Terry Carlyon الذي كان يصور المباني أحياناً خلال النهار مستخدماً مرشحات وزوايا منخفضة تجعلها تبدو كما لو أنها صورت ليلاً.

هنا ظهر عنصر سيلازم تلفزيون الأشباح لعقود: المكان لا يُعرض كما هو فقط، وإنما يُعاد تشكيله بصرياً ليصبح أكثر غموضاً.

منزل قديم، ممر فارغ أو نافذة مظلمة يمكن أن تتحول، بزاوية الكاميرا المناسبة والموسيقى والإضاءة، إلى مساحة يتوقع المشاهد ظهور شيء منها في أية لحظة ، وهكذا بدأ الخط الفاصل بين توثيق الظاهرة وصناعة الإحساس بها يصبح أكثر ضبابية.

عندما أصبحت الأشباح مادة إعلامية

لم يبدأ اهتمام الإعلام بالأشباح في الثمانينيات، ففي القرن التاسع عشر أصبحت ما عُرف لاحقاً باسم "تصوير الأرواح" Spirit Photography ظاهرة واسعة الانتشار.

ومن أوائل الصور التي زُعم أنها أظهرت أرواحاً صورة تعود إلى عام 1862، ومع انتشار التصوير، أصبحت الكاميرا بالنسبة إلى البعض وسيلة محتملة لرؤية ما تعجز العين عن رؤيته.

حتى الكاتب آرثر كونان دويل، مبتكر شخصية شرلوك هولمز، كان من أبرز المدافعين عن بعض الأفكار الروحانية في عصره.

وفي القرن العشرين ظهر محققون اشتهروا بدراسة البيوت المسكونة والظواهر الغريبة، من بينهم  هاري برايس Harry Price و هانز هولزر Hans Holzer و Maurice Grosse  موريس غروس .

وأصبحت بعض القضايا معروفة عالمياً بفضل الصحافة، مثل قضية أشباح إنفيلد Enfield Poltergeist في لندن في أواخر السبعينيات، حيث تحدثت عائلة عن أصوات وحركات غير مفسرة داخل المنزل.

شارك موريس غروس في التحقيق بالقضية، كما ارتبط بها لاحقاً الزوجان وارين   Ed وLorraine Warren اللذين تحولت شهرتهما فيما بعد إلى جزء من عالم أفلام The Conjuring.

وهكذا لم تعد قصة البيت المسكون حكاية محلية يتناقلها الجيران؛ أصبحت مادة دولية يمكن للصحف والتلفزيون تحويلها إلى حدث جماهيري.

برنامج Ghostwatch

جاءت إحدى أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ "التلفزيون الماورائي" عام 1992، عندما عرضت هيئة الإذاعة البريطانية BBC برنامج Ghostwatch ليلة الهالوين.

ظهر البرنامج كما لو كان تحقيقاً تلفزيونياً مباشراً من منزل تعاني عائلته نشاطاً غريباً، وشارك فيه وجوه إعلامية معروفة، من بينها المذيع الشهير مايكل باركينسون  Michael Parkinson.

لكن الحقيقة أن البرنامج كان عملاً درامياً مصوراً بأسلوب الوثائقي الزائف، المشكلة أن عدداً كبيراً من المشاهدين لم يدرك ذلك أثناء العرض، ومع تصاعد الأحداث بدأ "الكيان" المفترض بالتسلل إلى البث نفسه، وفي النهاية ظهر Parkinson داخل الاستديو وكأن شيئاً غامضاً قد استولى عليه ، بعد العرض تلقت  شبكة بي بي سي BBC آلاف الشكاوى من مشاهدين شعروا بالخوف أو الخداع.

أثبت Ghostwatch شيئاً مهماً: عندما يستخدم العمل التلفزيوني لغة الأخبار والبث المباشر والمذيعين الموثوقين، فإن المشاهد قد يمنحه قدراً من المصداقية يفوق ما يمنحه لفيلم رعب تقليدي.

برنامج Most Haunted : قالب جديد

إذا كان Haunted من الأعمال المبكرة التي مهّدت الطريق، فإن البرنامج البريطاني Most Haunted الذي بدأ عام 2002 ساهم بصورة كبيرة في تثبيت الشكل الذي نعرفه اليوم لبرامج صيد الأشباح.

مجموعة تدخل موقعاً يقال إنه مسكون، مذيع يقود التحقيق، كاميرات تعمل ليلاً، وسيط روحي أو باحث في الظواهر الخارقة، ثم ليلة طويلة من الانتظار داخل غرف وممرات مظلمة.

أي صوت بسيط يصبح حدثاً ، أي حركة في الظلال يعاد تشغيلها بالحركة البطيئة ، وتساعد الموسيقى والمونتاج السريع والمؤثرات البصرية في إبقاء المشاهد في حالة ترقب دائم.

انتشر هذا القالب بسرعة، وبين عامي 2004 و2019 وحدهما ظهر في الولايات المتحدة أكثر من سبعين مسلسلاً وبرنامجاً وثائقياً مرتبطاً بالظواهر الخارقة ، وأصبح صائد الأشباح شخصية تلفزيونية لها أدواتها ومصطلحاتها وجمهورها.

من البحث عن الشبح إلى محاولة الإمساك به

مع ازدياد المنافسة بين البرامج، لم يعد مجرد الجلوس داخل منزل مظلم وانتظار صوت مجهول كافياً لجذب المشاهدين، بدأت الأفكار تصبح أكثر جرأة.

في البرنامج الأمريكي Ghost Asylum، الذي عرض بين 2014 و2016، حاول فريق التحقيق تطوير أجهزة يعتقد أنها قد تسمح لهم بما يشبه "الإمساك بشبح".

وهو مفهوم يبدو قريباً بصورة لافتة من الخيال الذي قدمه فيلم Ghostbusters قبل عقود، وفي المقابل ظهرت برامج تعاملت مع الموضوع من منظور ثقافي مختلف، مثل المسلسل الكندي The Other Side، الذي شارك فيه محققون من السكان الأصليين، وكانت زياراتهم للمواقع تترافق مع طقوس تطهير تقليدية واحترام للمعتقدات المرتبطة بالمكان.

وهنا لم يعد السؤال فقط: "هل يوجد شبح ؟"،  بل أصبح أيضاً: كيف تفهم ثقافات مختلفة معنى وجود الأرواح أصلاً ؟

عندما خرج صائدو الأشباح من التلفزيون

لم يبق صيد الأشباح حكراً على فرق الإنتاج التلفزيوني ، مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ظهرت حول العالم مئات الجمعيات والمجموعات الصغيرة التي تطلق على نفسها أسماء مثل "جمعية البحوث الخارقة" أو "فريق التحقيق في الأشباح".

لم يعد الشخص يحتاج إلى قناة تلفزيونية كي يصنع برنامجه الخاص. كاميرا رقمية وصفحة على يوتيوب وبعض الأجهزة أصبحت كافية لبدء التحقيق ، واللافت أن فترات الإغلاق خلال جائحة كورونا شهدت أيضاً ارتفاعاً في تداول تقارير وتجارب مرتبطة بالأشباح، في وقت قضى فيه الناس فترات أطول داخل المنازل وأصبحوا أكثر نشاطاً على منصات التواصل.

الأجهزة التي يفترض أنها "تسمع الموتى"

مع تطور هذا النوع من البرامج، ظهر سوق كامل من الأجهزة التي يزعم مستخدموها أنها تساعد في اكتشاف النشاط الخارق ، من أشهرها أجهزة قياس المجال الكهرومغناطيسي EMF، التي يبحث المحققون بواسطتها عن تغيرات مفاجئة في المجال المحيط، إضافة إلى مقاييس الحرارة الرقمية المستخدمة لرصد ما يسمى أحياناً «البقع الباردة».

في الثقافة المرتبطة بصيد الأشباح، قد يُفسر الانخفاض المفاجئ في الحرارة باعتباره علامة على وجود روح، رغم أن مثل هذه التغيرات يمكن أن تكون لها تفسيرات طبيعية عديدة.

ثم ظهرت أجهزة أكثر إثارة للجدل مثل Spirit Box، التي تمر بسرعة بين ترددات الراديو، ويعتقد بعض المستخدمين أن كلمات أو أصواتاً تظهر خلالها يمكن أن تكون رسائل من الأرواح.

وهناك جهاز Ovilus الذي يحول بعض التغيرات البيئية إلى كلمات يختارها من قاعدة بيانات إلكترونية، وهو ما يمنح الجلسة أحياناً انطباعاً بأن كياناً مجهولاً «يتحدث» .

لكن الجهاز الأكثر إثارة بصرياً قد يكون كاميرا SLS ، تعتمد هذه الأنظمة على تقنيات استشعار الجسم المشابهة لتلك التي استخدمت في أنظمة ألعاب Xbox، حيث ترسل شبكة من الأشعة تحت الحمراء وتحاول البرمجيات التعرف إلى أشكال بشرية.

في برامج الأشباح، تظهر أحياناً على الشاشة أشكال تشبه الهياكل العظمية المصنوعة من خطوط ونقاط، ويجري تفسيرها على أنها أجسام غير مرئية تقف أمام الكاميرا.

المشكلة أن الخوارزمية نفسها مصممة أساساً للبحث عن هيئة بشرية، ولذلك يمكن للأثاث والظلال والأسطح غير المنتظمة أن تنتج قراءات خاطئة.

وهكذا أصبحت التكنولوجيا نفسها جزءاً من الحكاية: جهاز يصدر ضوءاً أو صوتاً أو كلمة غامضة يكفي أحياناً ليحول غرفة فارغة إلى مشهد مثير.

هل تقدم هذه البرامج تحقيقاً أم ترفيهاً ؟

المفارقة أن مخرج Haunted نفسه أصبح بعد عقود أكثر تحفظاً تجاه النوع التلفزيوني الذي ساهم عمله في تمهيد الطريق له.

يقول غيلسبي إن الفيلم أُنتج في الأساس بوصفه وثائقياً تجارياً، وإنه لو عاد إلى التجربة لفضّل معالجة الموضوع بطريقة أكثر علمية ، أما عن سيل برامج صيد الأشباح اللاحقة، فقال إنه يبحث بينها عن شيء يراه مقنعاً، لكنه لم يجد حتى الآن ما يرضيه.

هذه الملاحظة تلامس المشكلة الأساسية في معظم هذا النوع من البرامج ، فالتلفزيون يحتاج إلى حدث ، أما البحث الحقيقي فيحتاج أحياناً إلى الاعتراف بأن شيئاً لم يحدث.

فريق يقضي ثماني ساعات داخل منزل ولا يسمع شيئاً يقدم نتيجة مهمة للباحث، لكنها حلقة تلفزيونية مملة، ولهذا تميل الصناعة بطبيعتها إلى تضخيم الأصوات، وإعادة اللقطات، واستخدام الموسيقى والتشويق وتحويل القراءات الغامضة إلى أحداث.

لا يعني ذلك بالضرورة أن كل شاهد كاذب أو أن كل تجربة مختلقة، وإنما يعني أن البرنامج التلفزيوني ليس مختبراً محايداً.

ثلاثة تلاميذ سبقوا جيش صائدي الأشباح

ثمة مشهد طريف في نهاية Haunted يبدو اليوم وكأنه تنبؤ بما سيأتي ، يعرض البرنامج ثلاثة تلاميذ هواة قرروا قضاء ليلة داخل مطعم في ملبورن يقال إنه مسكون، حملوا معهم أجهزة بسيطة صنعوها بأنفسهم، على أمل تسجيل شيء غير عادي.

في عام 1985 كان المشهد يبدو غريباً.

اليوم أصبح نموذجاً مألوفاً على يوتيوب وتيك توك وعشرات القنوات التلفزيونية: مجموعة أصدقاء، كاميرات، أجهزة قياس، مبنى مهجور، وأسئلة توجه إلى شخص لا يظهر في الصورة.

تغيرت الأجهزة، وأصبحت الكاميرات ترى في الظلام وصارت الحواسيب تحلل الأصوات والحركة.

التجربة العربية: حضور نادر للماورائيات

على الشاشة العربية، ظل البرنامج المتخصص بالكامل في الظواهر الماورائية استثناءً أكثر منه اتجاهاً تلفزيونياً، صحيح أن موضوعات الجن والأشباح والسحر والتقمص والتخاطر ظهرت مراراً في البرامج الحوارية والدينية والاجتماعية، لكن غالباً بوصفها "موضوع حلقة عابرة" لا مشروعاً مستمراً للتحقيق في الظاهرة وتوثيق الشهادات والعودة إلى أماكن وقوعها ومقارنتها بالتفسيرات الممكنة.

ومن التجارب اللافتة عفاريت حسين الإمام الذي ظهر عام 2008 وكان يقوم على استضافة فنان أو شخصية مشهورة لسرد تجربة مرعبة أو حادثة غريبة قيل إنها وقعت له، ثم يُترك للمشاهد أن يخمن إن كانت القصة حقيقية أم مختلقة، وقد ساعد الديكور المظلم والموسيقى والمؤثرات والمونتاج على خلق أجواء الرعب، لكنه ظل في جوهره أقرب إلى برنامج ترفيهي قائم على الحكاية والتشويق والمسابقة منه إلى التحقيق الميداني في الظواهر الخارقة.

أما التجربة الأكثر قرباً من البرنامج الماورائي المتخصص فكانت "شواهد" الذي قدمته الإعلامية اللبنانية نيكول تنوري على قناة MBC1 عام 2011، تناول البرنامج التقمص والسحر والشعوذة والبيوت المسكونة والأشباح والعلاجات البديلة وما يسمى بالقوى الإنسانية الخارقة، وانتقلت كاميرته إلى مواقع وشخصيات في عدد من الدول العربية، مع الاستماع إلى أصحاب التجارب والاستعانة بأطباء ومختصين ورجال دين لمحاولة وضع الرواية ضمن أبعادها النفسية والاجتماعية والدينية، وكان الهدف المعلن أقرب إلى التحقيق ومحاولة التفريق بين الاعتقاد الشعبي وما يمكن تفسيره أو نقده، وليس مجرد سرد قصة مخيفة.

وكانت أولى حلقاته مخصصة لـظاهرة التقمص، وشارك فيها عدد من أصحاب التجارب، إلى جانب علماء من الدين الإسلامي وممثلين عن الطائفة الدرزية التي تحتل فكرة التقمص مكانة معروفة في معتقدها، إضافة إلى باحثين في علم النفس والماورائيات، وهكذا عرض كل طرف تفسيره للظاهرة انطلاقاً من مرجعيته الدينية أو الفكرية أو البحثية.

وكان من بين ضيوف الحلقة د. سليمان المدني، أحد الخبراء الذين استعان بهم موقع ما وراء الطبيعة، حيث قدم قراءة باراسيكولوجية للظاهرة،  إقرأ المزيد في المدني يحلل التقمص على شاشة MBC.

ومن التجارب الراهنة والأحدث نذكر بودكاست "أثر" الذي يقدمه محمد حديد عبر تلفزيون الجديد، إذ خصص بعض حلقاته لموضوعات تقع مباشرة في نطاق الماورائيات والمعتقدات الشعبية، ومن أبرزها حلقة استضاف فيها الشيخ أحمد الملاح، وتناولت ما يروى عن "محاكم الجن" والتلبس والانتقام وتجارب شخصية غريبة.

مثل هذه الحلقات تُظهر أن الاهتمام العربي بالموضوع ما زال قائماً، لكنه يأتي غالباً عبر صيغة البودكاست والحوار والشهادة الشخصية أكثر من كونه سلسلة وثائقية ميدانية متخصصة بالماورائيات، وهو ما يظل الفارق الأساسي بين معظم التجارب العربية وبين الإنتاج الغربي الذي طور لهذا المجال فرق تحقيق وأرشيفاً وتقنيات تصوير وبحثاً ميدانياً مستقلاً.

ومع ذلك لم تتحول هذه المحاولات إلى مدرسة عربية مستمرة للوثائقي الماورائي،  لم يظهر لدينا، على نطاق واسع، ما يوازي كثافة الإنتاج الغربي الذي راكم عبر عقود برامج وسلاسل مخصصة للبيوت المسكونة والباراسيكولوجي وتجارب الاقتراب من الموت والتخاطر والوعي والظواهر غير المفسرة، بعضها بمستوى وثائقي وتحقيقي جاد وبعضها الآخر لا يتجاوز الإثارة التلفزيونية.

وربما كان الفرق الأهم في استمرارية البحث وبناء الأرشيف، ففي العالم العربي كثيراً ما تبدأ الظاهرة وتنتهي داخل الاستديو: شاهد يروي، ومقدم يسأل، وشيخ أو طبيب أو باحث يعلق، أما أفضل النماذج الوثائقية الأجنبية فتعود إلى موقع الحادثة، وتبحث في السجلات والصحف القديمة، وتقابل أكثر من شاهد، وتستعين بتاريخ المكان والقياسات الميدانية ثم تعرض الفرضيات المتعارضة، وهذا لا يعني أن التلفزيون الغربي أكثر "إثباتاً" للماورائيات؛ فكثير من برامج صيد الأشباح الغربية تجارية ومبالغ في إثارتها أيضاً، وإنما أن البنية الإنتاجية والتحقيقية لهذا النوع أصبحت هناك أوسع وأكثر تخصصاً.

وفي المقابل تمتلك التجربة العربية شيئاً يمكن أن يجعلها مختلفة لو تطورت: ثقافتها الخاصة للغيب والموروث الشعبي، فالعالم العربي زاخر بحكايات الجن والقرين والمس والسحر والكرامات والأماكن المهجورة والموروث الصوفي والحكايات المحلية، وهي مادة لا تحتاج إلى استنساخ "مغامرات الأشباح" Ghost Adventures أو Most Haunted بقدر ما تحتاج إلى معالجة وثائقية عربية تحفظ السياق الديني والثقافي، وفي الوقت نفسه تفصل بين الشهادة والحقيقة، وبين المعتقد والدليل، وبين ما يمكن تفسيره وما يبقى مجهولاً.

ولعل هذا هو النوع الذي ما زالت الشاشة العربية تفتقده: برنامج لا يسخر من الماورائيات ولا يصدقها مسبقاً، بل يذهب وراء الحكاية ويسأل: ماذا حدث بالفعل ؟

هل ثمة شيء خلف العالم المرئي ؟

لم تختفِ البرامج التي تتناول الأشباح والظواهر الماورائية، سواء في الغرب أو العالم العربي، ثم لاحقاً على يوتيوب والبودكاست والمنصات الرقمية.

لكن المعنى الثقافي للظاهرة ليس واحداً، ففي كثير من التصورات الغربية يُنظر إلى "الشبح" بوصفه روح شخص مات وبقيت عالقة في مكان أو عادت لتظهر للأحياء، ولهذا ارتبطت برامج كثيرة هناك بفكرة البيوت المسكونة وأرواح الموتى والتواصل معهم، أما في الثقافة العربية والإسلامية، فغالباً ما تُفسر الكيانات غير المرئية التي تظهر أو تعبث بالأماكن على أنها من الجن، لا أرواح بشرية عائدة من الموت، إذ تنتمي أرواح الموتى إلى تصور ديني مختلف عن عالم الجن.

ولهذا فإن ما يجمع البرامج الغربية والعربية ليس تفسيراً واحداً لما يظهر خلف الأبواب المغلقة أو في الأماكن المهجورة، بل سؤال أوسع: هل يوجد عالم غير مرئي قادر على التداخل مع عالمنا ؟

مرة يُروى ذلك في الغرب على هيئة شبح يسكن منزلاً قديماً، ومرة في الشرق على هيئة جن أو كيان خفي يرتبط بمكان أو حادثة أو شخص، تتغير الأسماء والتفسيرات بحسب الثقافة، لكن الفضول الإنساني يبقى واحداً: محاولة فهم ما يبدو أنه يتجاوز الحواس المألوفة.

وبين الاعتقاد الشعبي، والتجربة الشخصية، والبحث، والترفيه، واصلت الشاشات في الشرق والغرب إعادة طرح هذا السؤال بأشكال مختلفة.

أما الدليل الحاسم الذي ينقل هذه الظواهر من دائرة الرواية والاحتمال إلى حقيقة قابلة للإثبات، فما زال بعيداً عن عدسة الكاميرا.