في صباح اليوم التالي للحفر، عادوا إلى المستودع القديم في قلب سوق الصاغة (المصوغات) بمدينة طرابلس، كان الخندق لا يزال مملوءاً ببقايا الوحل والرطوبة، لكن شيئاً لم يكن كما تركوه في الليلة السابقة.على امتداد الأرض ظهرت آثار أقدام هائلة.
لم تكن، بحسب وصف الشيخ أحمد الملاح، تشبه قدم إنسان، بلغ طول الأثر الواحد نحو 70 إلى 80 سنتيمتراً وكانت المسافة بين الأثر والآخر تقارب ثلاثة أمتار، والأغرب من حجمها أن القدم نفسها بدت وكأنها تحمل إصبعاً واحداً فقط.
من أين جاءت هذه الآثار؟ ومن، أو ما الذي عبر ذلك المكان خلال الليل ؟
هذه واحدة فقط من عدة حوادث يقول الشيخ أحمد الملاح إنه عاشها أو سمعها مباشرة من أصحابها، وروى جانباً منها في حلقة حديثة من بودكاست حمل عنوان "أثر" والذي يقدمه محمد حديد عبر تلفزيون الجديد، في حلقة تناولت موضوع "محاكم الجن" والتلبس والانتقام وما يُروى عن العالم الخفي.
من هو أحمد الملاح ؟
بحسب ما ذكره عن نفسه خلال اللقاء، يصف الشيخ أحمد الملاح نفسه بأنه متخصص في العلوم الشرعية وقد تلقى دراسته في السعودية وحصل على شهادة الليسانس قبل نحو 45 عاماً ثم سافر إلى بريطانيا بهدف متابعة دراسته، لكنه لم يجد، على حد تعبيره، "الجو مناسباً" فعاد لاحقاً إلى طرابلس وعمل في شبكة الفيحاء الإخبارية ، كما كان يقدم خدماته في الرقية اشرعية لمن احتاجها.
وقبل أن يبدأ في سرد تجاربه، استشهد الملاح بآيات من القرآن تتحدث عن الجن، مؤكداً من منظوره الديني أنهم مخلوقات عاقلة ومدركة، وموجهاً كلامه خصوصاً إلى من ينكرون وجودهم.
لكنه لم يكتف بالنصوص الدينية؛ ما أراد الحديث عنه كان، بالنسبة إليه، شيئاً آخر تماماً: أحداثاً يقول إنه شاهد بعضها بعينيه.
الحفر تحت سوق الصاغة
تقودنا أغرب رواياته إلى سوق الصاغة في طرابلس القديمة وهو من الأسواق التراثية المعروفة في المدينة وارتبط تاريخياً بصياغة الذهب وبيعه ضمن شبكة الأسواق والحارات القديمة في طرابلس.
يقول الملاح إنه كان، في أحد الأيام، برفقة مجموعة من الأشخاص داخل مستودع عميق وواسع في السوق، كانوا يقومون بأعمال تنقيب بحثاً عن شيء لم يحدد طبيعته خلال الحلقة.
حفر الرجال خندقاً يمتد بطول 25 إلى 30 متراً أما عرضه فوصفه الملاح بمقارنة لافتة، قائلاً إنه كان يقارب قطر أعمدة الجامع الكبير في طرابلس ، كان المكان غارقاً بالماء والوحل، واضطروا أثناء العمل إلى رفع كميات من المياه والطين حتى يتمكنوا من مواصلة الحفر ، انتهى العمل في ذلك اليوم وغادر الجميع ، لكن المفاجأة كانت في صباح اليوم التالي.
قدم بطول 80 سنتيمتراً
عندما عاد الملاح ومن معه، لاحظوا آثاراً واضحة في الوحل ، يؤكد الملاح أن طول الأثر كان يتراوح بين 70 و80 سنتيمتراً وأنه لم يكن يشبه أثراً بشرياً مألوفاً، ووصفه بأنه أثر لقدم ذات إصبع واحدة فيما بلغت المسافة بين كل خطوة وأخرى قرابة ثلاثة أمتار.
بالنسبة إليه، كان حجم الخطوات وشكلها كافيين لاستبعاد أن يكون صاحبها إنساناً عادياً ، لكن آثار الأقدام لم تكن القصة الوحيدة المرتبطة بذلك المستودع.
النساء اللواتي ظهرن لصاحب المحل
يروي الملاح أن صاحب المكان نفسه أخبره بحادثة وقعت له في المستودع ، كان الرجل بمفرده قرب الباب عندما شاهد مجموعة من النساء تتقدم نحوه داخل المكان ، في البداية أصابه الاستغراب ، وجودهن هناك بدا غير متوقع لكنه بقي يراقبهن حتى اقتربن منه أكثر ، عندها، بحسب الرواية، تحول استغرابه فجأة إلى فزع شديد.
لم يوضح الملاح ما الذي رآه الرجل في تلك اللحظة أو ما الذي جعله يشعر بذلك الرعب، لكنه قال إن صاحب المحل اندفع هارباً عبر الباب القريب منه ولم يبق في الداخل.
وعندما روى الملاح القصة أضاف تأكيداً شخصياً بأن الرجل، في تقديره "صادق فيما قاله".
زوبعة داخل المكان... ثم حفرة لولبية
لم تنته غرابة المستودع عند هذا الحد ، يتحدث الملاح أيضاً عن حادثة شاهد خلالها، في وسط المكان، ما وصفه بأنه زوبعة قوية نشأت فجأة ، بدأ الهواء بالدوران بعنف في نقطة محددة، ثم هدأ كما بدأ ، وعندما توجهوا إلى الموضع الذي انطلقت منه الزوبعة، يقول الملاح إنهم وجدوا في الأرض حفرة عميقة ذات شكل لولبي.
كان تفسيره لما شاهده مباشراً، فبالنسبة إليه، هذه الحوادث وغيرها تمثل قرائن على وجود جن تتقاطع أحياناً مع عالم الإنسان.
لكن قصصه لم تكن محصورة في ذلك السوق القديم.
المنزل الذي لم يعد إليه خاله
انتقل الملاح إلى قصة سمعها من خاله عن منزل كان يملكه في منطقة أبي سمراء في طرابلس مقابل أحد مخافر الشرطة ، كان المنزل في الطابق الأرضي ولم يكن معروفاً عنه، بحسب الملاح، أنه منزل "مسكون" أو أن له تاريخاً غريباً.
بعد زواج خاله، ذهب الرجل ذات يوم إلى المنزل ودخل إليه وما إن أصبح في الداخل حتى شعر، بحسب الرواية، بأن شخصاً أو قوة ما أمسكت به ، ثم حدث ما لم يكن يتوقعه.
يقول الملاح إن خاله تعرّض لدفع أو رمي بعنف شديد، إلى درجة أنه قُذف إلى مسافة بعيدة داخل المكان.
لم ير الرجل، وفق الرواية، تفسيراً طبيعياً واضحاً لما حدث، كانت التجربة مرعبة إلى الحد الذي جعله يهرب من المنزل ويقرر بعد ذلك ألا يدخله مرة أخرى.
الكلب الذي يدور حول السرير
وفي أبي سمراء أيضاً، يروي الملاح حكاية امرأة كان يعرف قصتها وكانت تعاني مشكلة في ساقيها ومتزوجة من رجل فلسطيني ، بحسب ما نقل عنها، كانت المرأة عندما تبقى وحدها في المنزل تغلق الباب على نفسها ، لكنها قالت إنها كانت، أثناء خلوتها، ترى كلباً يطوف حول سريرها ، الغريب، وفق روايتها، أن الكلب لم يكن يهاجمها أو يقترب منها؛ كان يكتفي بالدوران حول السرير.
ويشدد الملاح، أثناء سرده للحادثة، على أن المرأة كانت في نظره سليمة ذهنياً في محاولة لاستبعاد أن يكون كلامها ناتجاً عن اضطراب واضح في الإدراك.
"غيمة" تحمل هيئة زوجته
أما إحدى التجارب التي يقول الملاح إنه عاشها بنفسه فوقعت عندما بات ليلة في منزل شقيقته ، كان الفصل صيفاً واستعد للنوم واضعاً الناموسية حول مكانه للحماية من الحشرات، ثم أطفأ الضوء ، وفي اللحظات الأولى بين اليقظة والنوم، لاحظ شيئاً فوقه ، يصفه بأنه كان أشبه بـ "غيمة" اتخذت هيئة زوجته .ولم يطل المشهد يقول الملاح إنه استعاذ بالله، فاختفى الشكل الذي كان يراه.
بالنسبة إليه، كانت الواقعة جزءاً آخر من سلسلة المشاهدات التي جعلته مقتنعاً بأن الإنسان قد يواجه، في ظروف معينة، ظواهر لا يستطيع رؤيتها أو تفسيرها في حياته اليومية المعتادة.
دينا ولينا... والشلل الذي اختفى
عمل الملاح أيضاً، بحسب شهادته في الرقية الشرعية عندما كان الآخرون يطلبون منه ذلك وروى خلال الحلقة إحدى الحالات اللافتة التي واجهها.
كانت هناك شقيقتان سماهما دينا ولينا تعيشان في منزل واحد ، إحدى الشقيقتين كانت تعاني حالة شلل تمنعها من الوقوف على قدميها ، بدأ الملاح، كما يقول، بقراءة الرقية عليها ، فعل ذلك في اليوم الأول، ثم عاد في اليوم الثاني ، وفي اليوم الثالث وقعت المفاجأة.
بحسب روايته، استطاعت الفتاة أن تقف مجدداً وكأن شيئاً لم يكن بها ، أما شقيقتها الأخرى فكانت، وفق ما نقل عنها، تدعي أنها تستطيع رؤية الجن، وأخبرته في إحدى المرات عن مشهد غريب قالت إنها شاهدته: كأن باباً انفتح في السماء وانطلقت منه أشعة شديدة القوة باتجاهها.
لم يقدم الملاح خلال حديثه تشخيصاً طبياً موثقاً لحالة الشلل ولا معلومات تتيح معرفة سببه أو طبيعته أو مدته، ولهذا تبقى الواقعة كما وردت في البرنامج شهادة شخصية لا يمكن، من تفاصيلها المتاحة، تحديد العلاقة بين الرقية وتحسن الحالة.
شهادات من عالم لا يمكن التحقق منه بسهولة
ما يجعل تجربة أحمد الملاح مثيرة للاهتمام ليس حادثة واحدة، بل تنوع المشاهدات التي جمعها خلال سنوات: آثار أقدام مجهولة، نساء يظهرن في مستودع، زوبعة تترك حفرة في الأرض، قوة غير مرئية تقذف رجلاً، كلب غامض يطوف حول سرير امرأة، وهيئة تظهر في الظلام، وحالات ارتبطت بالرقية ، بالنسبة إلى الملاح، تلتقي هذه الحوادث عند تفسير واحد تقريباً: وجود عالم خفي قد يتداخل أحياناً مع عالم البشر ، لكن توثيق التجربة لا يعني بالضرورة إثبات تفسيرها.
ففي قصة سوق الصاغة مثلاً، لا تتوفر لنا صور لآثار الأقدام، ولا قياسات موثقة، ولا نعرف حالة التربة بعد أعمال الحفر أو إن كان قد دخل المستودع شخص أو حيوان خلال الليل، وقد تنتج الأشكال الغريبة في الوحل أحياناً عن انهيار جوانب الأثر أو جريان الماء أو تداخل أكثر من علامة في التربة.
أما الزوبعة فقد تنتج في ظروف معينة عن حركة الهواء واختلاف الضغط داخل الأماكن الكبيرة أو الممرات، بينما تحتاج الحفرة التي قيل إنها ظهرت بعدها إلى معاينة هندسية لمعرفة كيف تشكلت.
وتحمل تجربة «الغيمة» التي رآها الملاح أثناء استعداده للنوم احتمالاً آخر معروفاً في علم النوم؛ ففي المرحلة الانتقالية بين اليقظة والنوم قد يختبر الإنسان صوراً هلوسية نومية شديدة الوضوح، وقد يرى وجوهاً أو أشخاصاً مألوفين أو أشكالاً تبدو موجودة فعلاً في الغرفة.
أما الحالات الأخرى، فلا توجد تفاصيل كافية لإعادة فحصها أو استبعاد التفسيرات الطبيعية والنفسية والطبية منها ، وهنا تحديداً تكمن المشكلة القديمة التي ترافق معظم روايات الظواهر الخارقة: الشاهد قد يكون صادقاً تماماً في وصف ما رآه، لكن صدق التجربة لا يعني بالضرورة أن التفسير الذي أعطاه لها هو التفسير الوحيد الممكن.
أثر بقي في الذاكرة
لم يزعم أحمد الملاح خلال الحلقة أنه أحاط بكل أسرار هذه الظواهر، بل أشار إلى أن لديه حوادث أخرى كثيرة "لا يتسع لها الوقت" لسردها.
وتظل قصة المستودع في سوق الصاغة هي الأكثر غرابة بينها، ربما بسبب التفاصيل المادية التي وصفها: خندق حقيقي، طين ومياه، ثم آثار خطوات قيل إن طول إحداها بلغ قرابة ثمانين سنتيمتراً والمسافة بينها أمتاراً عدة.
لو وُجدت صور لتلك الآثار، أو أمكن تحديد المستودع نفسه وتاريخ الحفر والأشخاص الذين كانوا حاضرين، لتحولت الحكاية من شهادة شفوية مثيرة إلى حالة يمكن إخضاعها لتحقيق أوسع.
لكن ذلك لم يحدث، على الأقل وفق المعلومات المتاحة حتى الآن ، لذلك تبقى تجربة أحمد الملاح في المنطقة الفاصلة التي تعيش فيها معظم قصص "العالم الخفي": واقعة حقيقية بمعنى أن شخصاً حقيقياً يروي أنه عاشها وشاهدها، أما ما الذي حدث فعلاً خلف تلك المشاهد، فذلك سؤال آخر لم نجد له جواباً بعد.