في عالم البودكاست، قلما يوجد برنامج أثار هذا القدر من الجدل والتأثير مثل برنامج جو روغان  The Joe Rogan Experience. انطلق عام 2009، وتحول خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكثر المنصات الحوارية استماعاً في العالم. ما يميزه ليس تخصصاً بعينه، بل انفتاحه على كل شيء: من العلم والرياضة إلى السياسة، ومن الفلسفة إلى الكائنات الفضائية… وحتى الأشباح.

يقدم جو روغان نفسه كمُتشكك عقلاني، لكنه لا يغلق الباب أمام الاحتمالات. هذه المساحة الرمادية — بين الشك والفضول — جعلت برنامجه ساحةً مثالية لطرح الأسئلة الكبرى: ماذا يحدث بعد الموت ؟ هل الوعي طاقة ؟ هل يمكن أن تبقى “آثار” بشرية في أماكن معينة ؟ وهل بعض ما نسميه أشباحاً هو ظاهرة فيزيائية لم نفهمها بعد ؟

ولعل الجمهور العربي يتذكر إحدى حلقاته المثيرة حين استضاف عالم الآثار المصري الشهير Zahi Hawass. في تلك الحلقة، دار نقاش حول الأهرامات، وما يُشاع عن استخدامها كمولدات “طاقة” مزعومة ، حينها طرح روغان تساؤلات شائعة في الثقافة الغربية حول أسرار البناء القديم، بينما شدد حواس على التفسير الأثري والعلمي نافياً الادعاءات الغيبية. كانت لحظة نادرة يلتقي فيها الخيال الشعبي مع الخطاب الأكاديمي في حوار مباشر أمام ملايين المستمعين ، وفيما يلي أبرز خمس حلقات تناولت موضوع الأشباح والماورائيات:

ميشيو كاكو: الأبعاد الأخرى وإمكانية “الكيانات غير المرئية”

عندما استضاف روغان الفيزيائي النظري Michio Kaku، لم يكن الحديث عن الأشباح بصيغتها الشعبية، بل عن الفيزياء المتقدمة. ناقش كاكو نظرية الأوتار وإمكانية وجود أبعاد إضافية غير مرئية لنا. الفكرة التي أثارت اهتمام الجمهور كانت أن بعض الظواهر الغريبة قد تكون “تداخلاً” بين أبعاد مختلفة. لم يصرح كاكو بوجود أشباح، لكنه أشار إلى أن الكون أعقد بكثير مما نتصور، وأن جهلنا لا يعني استحالة الاحتمال.

غراهام هانكوك: الوعي كنافذة على عوالم أخرى

في حواره مع الكاتب البريطاني غراهام هانكوك Graham Hancock، دخل النقاش في مناطق أكثر جرأة. حيث تحدث هانكوك عن تجارب الوعي المتغير، وعن الكيانات التي يصفها البعض بأنها “واقعية بقدر الواقع نفسه”. ربط بين الأساطير القديمة وتجارب حديثة يزعم أصحابها أنهم واجهوا كيانات غير بشرية. روغان لم يُبدِ اقتناعاً كاملاً، لكنه سمح للنقاش بأن يتطور دون سخرية أو رفض قاطع.

أليكس جونز: السرديات المظلمة والكيانات الخفية

الحلقات التي جمعت روغان بالإعلامي المثير للجدل أليكس جونز Alex Jones كانت من أكثر الحلقات إثارة. جونز تحدث عن قوى خفية وكيانات غير مرئية وتأثيرات “ما ورائية” في السياسة والمجتمع. ورغم أن روغان غالباً ما طالبه بالأدلة، فإن الحوار كشف كيف يمكن للخيال الماورائي أن يتقاطع مع نظريات المؤامرة، ليصنع سرديات شديدة الجاذبية والخطورة في آن واحد.

دان أكرويد: شغف شخصي بالأشباح

الممثل والكوميدي الكندي دان أكرويد Dan Aykroyd، المعروف بشغفه بالظواهر الخارقة، تحدث في إحدى الحلقات عن تجارب عائلته مع الروحانيات، وعن اهتمامه القديم بالتحقيق في قضايا الأشباح. لم يكن الطرح علمياً بقدر ما كان شخصياً، لكن الحلقة عكست كيف أن الاعتقاد بالأشباح ليس هامشياً في الثقافة الغربية، بل حاضر حتى في أوساط المشاهير.

بوب لازار: الكائنات الفضائية والحدود الضبابية للغيب

في حلقة شهيرة مع بوب لازار Bob Lazar، انتقل النقاش إلى الكائنات الفضائية، لكنه لامس أيضاً فكرة “الكيانات غير البشرية” التي قد تكون موجودة حولنا دون أن نراها ، تحدث لازار عن تقنيات متقدمة ومواد غير معروفة، وهو ما أعاد فتح سؤال قديم: إذا كان الكون يعج بالحياة، فهل بعض ما نعتبره ظواهر غامضة مرتبط بوجود غير بشري ؟

بين الشك والإيمان… وبين مؤيد ورافض

ما يميز برنامج The Joe Rogan Experience أنه لا يقدم نفسه كمنبر روحي ولا كمنصة علمية صارمة، بل كمساحة حوار حر تُطرح فيها الأفكار بلا قيود مسبقة. الضيوف يعرضون رؤاهم، وروغان يشكك أو يستفسر، والمستمع يقرر. أحيانًا يبدو النقاش أقرب إلى جلسة فضول فلسفي مفتوح، وأحياناً يقترب من حدود الغرابة المحضة، حيث تتقاطع الأبعاد العلمية مع السرديات الغيبية.

بالنسبة للجمهور العربي المهتم بالماورائيات — كما هو حال قراء “ما وراء الطبيعة” — تكشف هذه الحوارات كيف يتعامل الإعلام الغربي مع موضوع الأشباح: لا باعتبارها حقائق مسلم بها، ولا كخرافات تنال الرفض الفوري بل كفرضيات تُختبر في ساحة النقاش العام.

غير أن هذه المساحة المفتوحة هي ذاتها موضع الجدل. فالنقد الرئيسي الموجه للبرنامج يتمثل في منحه وقتاً طويلاً لضيوف يطرحون أفكاراً غير مثبتة علمياً، أحياناً دون تفكيك صارم أثناء الحوار. استضافة شخصيات مثيرة للجدل مثل أليكس جونز أو بوب لازار دفعت بعض النقاد لاتهامه بالمساهمة — ولو بشكل غير مباشر — في تطبيع نظريات المؤامرة.

في المقابل، يرى المدافعون عنه أنه لا يتبنى موقفاً أيديولوجياً محدداً، بل يتيح عرض الأفكار على تنوعها، ويترك الحكم النهائي للمستمع. روغان نفسه يكرر أنه ليس صحفيًا استقصائياً، بل محاور فضولي يطرح الأسئلة، لا مُصدر أحكام.

في موضوع الماورائيات تحديداً، لا يثبت البرنامج وجود الغيب ولا ينفيه، بل يبقيه في منطقة رمادية بين العلم والاحتمال؛ منطقة يراها البعض فضولًا مشروعاً، ويرى فيها آخرون نقصاً في الضبط التحريري.

وهنا تكمن المفارقة: قوة البرنامج في حرية النقاش، ونقطة ضعفه في غياب الفلترة الصارمة. وبين هذين الحدين يستمر الجدل — ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يكفي طرح الأسئلة لإبقاء الأشباح حيّة في المخيلة؟ أم أن الغموض سيظل دائماً أقوى من أي تفسير ؟