في مدينة لا تنام مثل طوكيو، حيث يختلط ضوء النيون بظلال الأزقة القديمة، اعتاد سائقو التاكسي أن يروا كل أنواع البشر: الساهرين، الموظفين المتأخرين، والسياح التائهين… لكن في قلب هذه المدينة الضخمة تدور روايات أخرى لا تقل إثارة - روايات يتحدث عنها السائقون همساً فقط، لأنها لا تخص البشر وحدهم.
تُعرف العاصمة اليابانية بأنها من أكثر المدن تسجيلاً لقصص «ركاب الظلال»، وهي ظاهرة تقول إن بعض سيارات الأجرة تصعد إليها أرواح عالقة بين العالمين. كثير من السائقين في طوكيو يتجنبون القيادة قرب المقابر بعد منتصف الليل، ليس خوفاً من اللصوص - فالمدينة آمنة للغاية- بل خوفاً من تلك اللحظة التي يلتفت فيها السائق إلى المرآة… ليجد وجهاً لا ينبغي أن يكون هناك.
وتحديداً في المناطق المحيطة بـ مقبرة أويوما والمعبد القديم سنجوين، تتكرر القصص: نفق «سنداغايا» الذي يمر بجوارهما يقال إنه بوابة مفتوحة على عالم الأرواح، وأن جدرانه كانت تُظهر قديماً وجوهاً مشوهة تصرخ في الظلام. بل إن بعض السائقين أقسموا أنهم رأوا في انعكاس المرآة الخلفية طفلاً أو امرأة يجلسون خلفهم، فقط ليختفوا ما إن يصلوا إلى أول إشارة ضوئية.
في ثقافة اليابان، هذه القصص ليست للترفيه فحسب، بل تُعد جزءاً من الموروث الشعبي العميق الذي يربط بين الأرواح والأماكن التي شهدت موتاً أو حزناً شديداً. ولهذا يقال هناك: "سائق التاكسي قد يجد نفسه فجأة يعبر باباً نحو عالم الأرواح."
ومن بين كل الحكايات، برزت قصة واحدة رواها سائق مخضرم…
يروي أحد سائقي التاكسي قصته مع شبح، جرت أحداث القصة في إحدى ليالي فصل الخريف عندما كان بالقرب من مقبرة أويوما، حيث ركبت معه فتاة صغيرة تبدو فقيرة وكانت تبللها قطرات المطر، كان الظلام حالكاً، فلم يستطع رؤية ملامح وجهها بوضوح لكنها بدت حزينة وتبين له أنها كانت تزور أحد أقاربها أو أصدقائها الذي توفي مؤخراً، طلبت منه إيصالها إلى مكان ليس ببعيد وكان الصمت يخيم عليهم أثناء رحلتهم فمن أخلاق السائقين عدم المباشرة بحديث مع شخص قد عاد لتوه من مقبرة. عندما وصلا إلى العنوان المطلوب لم تخرج الفتاة من السيارة لكنها همست له أن ينتظر لبعض الوقت فيما كانت تنظر إلى نافذة تقع في الدور الثاني من البناء لفترة 10 دقائق أو أكثر، لم تكن تتكلم أو تصرخ أبداً بكل كانت تتفحص أي حركة في النافذة، وفجأة طلبت الفتاة من السائق أو يوصلها إلى مكان جديد قريب من المقبرة التي انطلقت منها في البداية، كان المطر غزيراً وكان السائق يركز على الطريق تاركاُ الفتاة لأفكارها.
وعندما وصل السائق إلى العنوان الجديد وهو منزل حديث في مكان جميل فتح باب السيارة والتفت إلى الخلف ليأخذ الأجرة ولدهشته وجد نفسه يحدق في الخلف إلى مقعد فارغ! كان فمه مفتوحاُ من شدة الاستغراب وفيما كان جالساً يفكر بالفتاة التي كانت تجلس في ذلك المقعد منذ لحظات وإذ يسمع نقرات على زجاج نافذة التاكسي أفزعته من مقعده، تبين له أنه صاحب المنزل وكان خارج التاكسي وبكل هدوء أعطى السائق أجرته وشرح له أن تلك الفتاة كانت ابنته التي توفيت في حادثة مرور منذ سنوات ودفنت في مقبرة أويوما ومن وقت لآخر تطلب تاكسي لتزور شقة حبيبها السابق ثم تطلب العودة إلى منزلها كما يقول أبوها. شكر الأب السائق وأعتذر منه عن تلك الحادثة.