في صيف عام 1967، لم يكن أحد في مدينة روزنهايم الهادئة جنوب ألمانيا يتوقع أن يتحول مكتب محاماة عادي إلى مسرح لإحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الظواهر الغامضة، لم تبدأ القصة بظهور شبح ولا بصراخ في منتصف الليل ولا بجلسة تحضير أرواح، بل بشكاوى تقنية بدت مألوفة في البداية: خطوط هاتف تتعطل، ومصابيح تنفجر، وفواتير اتصالات غير منطقية.
لكن ما حدث لاحقاً دفع الشرطة وشركة الكهرباء وشركة الهاتف وخبراء الفيزياء إلى الوقوف أمام سلسلة من الوقائع التي لم يجدوا لها تفسيراً مقنعاً، وحتى اليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن، لا يزال "ملف روزنهايم" شاهداً على أحد أكثر ملفات ظاهرة الأشباح الضاجة (البولترغايست) توثيقاً في العصر الحديث.
مكتب محاماة يتحول إلى مركز للأحداث
كان المحامي الألماني سيغموند آدم يدير مكتباً قانونياً في مدينة روزنهايم بولاية بافاريا، ضم المكتب عدداً من الموظفين والسكرتيرات، ولم يكن معروفاً بأي نشاط غير اعتيادي.
في يوليو/تموز 1967 بدأت الأعطال تظهر بصورة متكررة، في البداية ظن الجميع أنها مجرد مشاكل في شبكة الهاتف أو في التمديدات الكهربائية، لكن الأعطال أخذت تزداد غرابة يوماً بعد يوم.
لم تكن المشكلة مجرد انقطاع في الخطوط، بل إن أجهزة الهاتف أصبحت تجري اتصالات من تلقاء نفسها، في أوقات لا يلمسها فيها أحد.
هاتف يتصل من تلقاء نفسه
كانت شركة الهاتف الألمانية تتلقى باستمرار إشعارات عن اتصالات صادرة من مكتب المحامي إلى خدمة إعلان الوقت، وهي خدمة هاتفية كانت تخبر المتصل بالوقت الرسمي ، المثير أن الموظفين أكدوا أنهم لم يجروا تلك الاتصالات إطلاقاً.
راجعت الشركة سجلاتها فوجدت أن المكتب أجرى عشرات الاتصالات خلال فترات زمنية قصيرة، حتى إن بعض الساعات شهدت ما يقارب خمسين اتصالاً متتالياً إلى الرقم نفسه.
في البداية اشتبه الفنيون بوجود خلل في المقسم الداخلي، ثم استبدلوا أجزاء من النظام، لكن الظاهرة استمرت ، كلما اعتقدوا أنهم أصلحوا المشكلة، عادت من جديد.
الكهرباء بدأت تتصرف بطريقة غريبة
بعد الهاتف، بدأت الكهرباء تلفت الانتباه ، كانت المصابيح تنفجر دون سبب واضح وكانت أنابيب النيون المعلقة في السقف تتأرجح بعنف والفيوزات الكهربائية تحترق بصورة متكررة أما أجهزة القياس سجلت ارتفاعات وانخفاضات غير اعتيادية في الحمل الكهربائي، رغم أن استهلاك المكتب لم يكن يبررها.
أرسلت شركة الكهرباء مهندسين لفحص الشبكة ، فتشوا الكابلات، ولوحات التوزيع، والمصدر الخارجي للطاقة ولم يعثروا على عطل تقني يمكنه تفسير ما يحدث.
عندما بدأت الأشياء تتحرك
عند هذه المرحلة لم يعد الحديث عن أعطال كهربائية فقط ، بدأ الموظفون يلاحظون أن الأجسام داخل المكتب تتحرك من تلقاء نفسها.
لوحات معلقة على الجدران أخذت تدور حول المسامير المثبتة بها وأدراج تنفتح وحدها وخزائن ملفات تهتز ومصابيح سقفية تتأرجح بقوة، وكأن شخصاً دفعها بيده.
إحدى اللوحات أصبحت لاحقاً أشهر مشاهد القضية، إذ ذكر شهود أنها دارت مئات الدرجات حول المسمار الذي كانت معلقة عليه، من دون أن تسقط.
لم تكن هذه المشاهد تُروى من شخص واحد فقط، بل من عدة موظفين، إضافة إلى فنيين حضروا لفحص الأعطال.
الشرطة تدخل على الخط
مع ازدياد الأضرار داخل المكتب، لم يعد الأمر شأناً تقنياً ، استدعيت الشرطة ، لم يكن هدفها البحث عن أشباح بل عن مخرب أو شخص يتسلل إلى المكتب ويعبث بالممتلكات ، استجوبت الشرطة الموظفين وفتشت المكان وبحثت عن دلائل على التخريب المتعمد ، لكن التحقيق لم يكشف عن شخص يختبئ في المبنى، ولم يعثر على وسائل ميكانيكية أو آثار اقتحام يمكن أن تفسر ما يحدث.
وهكذا بقي الملف مفتوحاً، لا بوصفه قضية ماورائية، بل سلسلة حوادث لم يعرف المحققون سببها.
الفيزياء تحاول تقديم الإجابة
انتشرت أخبار القضية في الصحافة الألمانية بسرعة، فوصلت إلى البروفيسور هانس بندر، أحد أشهر الباحثين الألمان في علم الباراسيكولوجي، ومؤسس معهد متخصص في دراسة الظواهر غير المألوفة.
لكن بندر لم يأت وحده ، رافقه مهندسون وفيزيائيون، من بينهم فريدبرت كارغر وغيرهارد زيشا، لإجراء قياسات مستقلة على الكهرباء والأجهزة داخل المكتب.
نُصبت أجهزة تسجيل، وأُعيد فحص الشبكة الكهربائية، وتمت مراقبة خطوط الهاتف ، كان الهدف بسيطاً: العثور على تفسير طبيعي ، لكن النتائج لم تقدم حلاً نهائياً ، فقد استبعد الخبراء عدداً من الأعطال التقليدية، دون أن يستطيعوا تفسير جميع الظواهر التي أبلغ عنها الشهود.
السكرتيرة التي أصبحت محور القضية
مع مرور الوقت لاحظ الباحثون أمراً غريباً ، كانت معظم الحوادث تقع عندما تكون إحدى السكرتيرات الشابات، أنيماري شابرل، موجودة في المكتب ، وعندما تغادر، تقل الظواهر أو تختفي مؤقتاً.
لم يتهمها أحد بالتخريب ، ولم تعترف بأي خدعة ، لكن هانس بندر اعتبرها ما يسمى في أدبيات الباراسيكولوجي "الشخص المحوري"، أي الفرد الذي تتمحور حوله ظواهر البولترغايست.
وطرح تفسيراً مثيراً للجدل يعرف باسم التحريك الذهني التلقائي المتكرر (Recurrent Spontaneous Psychokinesis)، وهي فرضية تقول إن الضغوط النفسية الشديدة قد تُحدث تأثيرات فيزيائية لاواعية في البيئة المحيطة ، هذه الفكرة لم تحظَ بقبول علمي واسع، لكنها كانت التفسير الذي تبناه بندر.
هل كانت القضية مجرد خدعة ؟
منذ الأيام الأولى ظهرت أصوات تشكك في الرواية ، قال بعض النقاد إن تحريك اللوحات والمصابيح يمكن تنفيذه بخيوط نايلون رفيعة يصعب ملاحظتها ، واقترح آخرون احتمال وجود تلاعب متعمد بالأجهزة الكهربائية أو بخطوط الهاتف ، وفي سنوات لاحقة ادعى بعض الصحفيين أنهم شاهدوا ما اعتبروه مؤشرات تدعم فرضية الخداع.
لكن أياً من هذه الفرضيات لم ينجح في تفسير جميع الوقائع مجتمعة ، فإذا كانت اللوحات حُركت بخيوط، فكيف تفسر سجلات الاتصالات ؟ وإذا كانت الاتصالات نتيجة خلل تقني، فما علاقة ذلك بالمصابيح المتأرجحة ؟ وإذا كان هناك مخرب، فلماذا لم تتمكن الشرطة من كشفه رغم تعدد عمليات التفتيش ؟
بقيت كل فرضية تفسر جزءاً من الصورة، لكنها تعجز عن تفسيرها كاملة.
النهاية... ثم الصمت
استمرت الأحداث عدة أشهر ، ثم، وبحسب التقارير، انتهت بصورة تدريجية ، اللافت أن اختفاء الظواهر تزامن مع مغادرة أنيماري شابرل للعمل في المكتب ، بالنسبة لمؤيدي فرضية البولترغايست، كان ذلك دليلاً على ارتباط الظاهرة بها.
أما المشككون، فرأوا أن مغادرتها تعني ببساطة انتهاء مصدر الخداع - إن كانت هناك خدعة بالفعل - ولأن أياً من الطرفين لم يقدم دليلاً حاسماً، بقي الجدل قائماً حتى اليوم.
لماذا بقي الملف حياً بعد كل هذه السنوات ؟
هناك عشرات القصص عن البيوت المسكونة والأشباح، لكن معظمها يعتمد على شهادات أفراد أو روايات شعبية ، أما ملف روزنهايم فيختلف لسبب مهم.
لقد شهدت القضية تدخل جهات رسمية متعددة، منها الشرطة، وشركة الهاتف، وشركة الكهرباء، إضافة إلى فيزيائيين وباحثين، وصدرت بشأنها تقارير ومقالات علمية وصور وتسجيلات.
وهذا لا يعني أن الظواهر الخارقة ثبتت علمياً، لكنه يعني أن الوقائع كانت من الغرابة بحيث استدعت تحقيقاً تجاوز حدود الحكايات الشعبية.
بين العلم والغموض
بعد ما يزيد على خمسين عاماً، لا يزال ملف روزنهايم يثير الانقسام ، فالبعض يراه أقوى دليل على وجود ظواهر لم ينجح العلم في تفسيرها بعد ، ويراه آخرون مثالاً على كيف يمكن لسلسلة من الأعطال وسوء الفهم وربما الخداع أن تتحول إلى أسطورة حديثة.
لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها هي أن مكتب المحامي سيغموند آدم لم يكن مجرد مسرح لقصة أشباح تروى حول المدفأة، بل أصبح واحداً من أشهر الملفات التي وضعت رجال الشرطة والمهندسين والفيزيائيين أمام سؤال لم يجدوا له جواباً نهائياً:
هل شهد مكتب روزنهايم بالفعل ظاهرة خارقة للطبيعة، أم أن الحقيقة كانت أكثر تعقيداً مما استطاع الجميع إدراكه ؟