في مايو عام 1930، دخل ضابط درك فرنسي مزرعة معزولة قرب مدينة فيين، بعدما تقدّم أصحابها بشكوى غريبة «ضد مجهول». كانت أرض المنزل مغطاة بالزجاج، والأواني محطمة، والأثاث مبعثراً، بينما أصر أفراد الأسرة على أن الصحون كانت تطير من تلقاء نفسها وأن قوة غير مرئية تخدش الأطفال وتعبث بمحتويات الغرف.
في الظروف العادية كان يمكن إغلاق الملف باعتباره شائعة ريفية أو خدعة عائلية، لكن الضابط إميل تيزاني لم يكتفِ بالسخرية. استجوب الشهود، فتش الجدران، بحث عن الأسلاك والفتحات، رسم مخططاً للمنزل، وسجّل مواقع الأشياء واتجاه حركتها، كأنه يلاحق مجرماً محترفاً لا يترك خلفه بصمات.
منذ تلك القضية، تحول تيزاني إلى أشهر رجل درك فرنسي حاول إخضاع البيوت المسكونة والظواهر المعروفة باسم ظاهرة الأشباح الضاجة (البولترغايست) Poltergeist لقواعد التحقيق الجنائي ، وعلى مدى عقود جمع مئات الملفات عن حجارة تسقط داخل غرف مغلقة، وأثاث يتحرك، وأبواب ترتج بعنف، وحرائق تندلع من دون مصدر ظاهر.
بالنسبة إليه، لم تكن تلك الحوادث مجرد قصص أشباح، بل نوعاً غريباً من الجرائم أطلق عليه اسم:« الجريمة بلا سبب ».
من هو إميل تيزاني ؟
وُلد إميل تيزاني Émile Tizané عام 1901، وبدأ حياته العسكرية في سلاح الفرسان الفرنسي، حيث خدم في شمال أفريقيا قبل أن يؤدي سقوطه عن حصان وإصابته في العمود الفقري إلى انتقاله إلى سلك الدرك.
كان رجلاً منضبطاً، معتاداً على المحاضر والاستجوابات والإجراءات الرسمية، لكنه حمل في الوقت نفسه اهتماماً مبكراً بعالم الروحانيات والتخاطر والتنويم المغناطيسي.
ومنذ عشرينيات القرن العشرين قرأ عن جلسات تحريك الطاولات والكتابة التلقائية (السيكوغرافيا)، وشارك في تجارب روحانية مع زوجته وبعض معارفه.
لهذا السبب لم يدخل تيزاني البيوت المسكونة بوصفه محققاً محايداً تماماً، كان يبحث عن الخداع والأسباب المادية، لكنه لم يستبعد مسبقاً احتمال وجود قوى مجهولة.
وهنا تكمن غرابة شخصيته: كان نصفه رجل قانون يريد جمع الأدلة، ونصفه الآخر باحثاً مقتنعاً بأن الواقع قد يخفي وراءه «ضيفاً» لا تراه العين.
أرشيف من البيوت المضطربة
تُنسب إلى تيزاني مئات القضايا، لكن من الضروري التمييز بين الحالات التي زارها بنفسه والملفات التي جمعها من مصادر أخرى.
لم يحقق ميدانياً في كل منزل ورد اسمه في أرشيفه، بل بنى على مدى عقود قاعدة وثائقية ضخمة تضمنت نحو ثلاثمئة ملف عن بيوت مسكونة وحوادث بولترغايست في فرنسا وخارجها.
كانت تلك الملفات تضم :
- محاضر رسمية كتبها رجال الدرك والشرطة.
- رسائل من شهود وأصحاب منازل.
- قصاصات صحفية.
- صوراً ورسومات ومخططات للغرف.
- أوصافاً لمسارات الأجسام المقذوفة.
- قوائم بأسماء الموجودين أثناء كل حادثة.
- ملاحظات عن الأطفال والمراهقين الذين دارت الظواهر حولهم.
أما الحالات التي ذهب إليها بنفسه وأجرى فيها تحقيقات مباشرة، فكانت أقل بكثير من العدد المتداول، لكنها شكّلت الأساس الذي بنى عليه نظرياته.
لم يكن تيزاني مجرد «صائد أشباح» يحمل مصباحاً في الليل، بل كان قبل كل شيء جامع أرشيف مهووساً بتوثيق ما اعتبره جرائم يرتكبها فاعل غير مرئي.
كيف يحقق الدركي في منزل مسكون ؟
كان تيزاني يبدأ غالباً بما يشبه التحقيق الجنائي التقليدي، يستمع إلى الشهود كل واحد على انفراد، ثم يقارن أقوالهم بحثاً عن التناقضات ، يعاين الأبواب والنوافذ ويفتش عن الخيوط والأسلاك والممرات الخفية والتيارات الهوائية ويحدد مواقع الأشخاص لحظة وقوع الحوادث.
كما كان يرسم مخططات للغرف ويسجل المسافة التي قطعتها الأجسام، ثم يحاول إعادة تمثيل الواقعة لمعرفة ما إذا كان في الإمكان تنفيذها بطريقة طبيعية.
وفي بعض الحالات كان يعزل الشخص الذي يشتبه في ارتباطه بالظاهرة، ثم يراقب ما إذا كانت الحوادث ستتوقف بغيابه.
لكن منهجه لم يبقَ دائماً داخل حدود التحقيق العقلاني، فقد لجأ أحياناً إلى الكتابة التلقائية وألواح استحضار الأرواح والتنويم، معتقداً أنها قد تساعده على الاتصال بالقوة المسببة للاضطراب.
كان يقول إنه يريد أن يكون مجرد «جهاز تسجيل» ينقل الوقائع كما حدثت، إلا أن إيمانه المسبق بالعالم غير المرئي أثر أحياناً في تفسيره للأدلة.
مزرعة روزييه
كانت قضية مزرعة عائلة روزييه من أولى القضايا الكبرى التي جذبت تيزاني إلى هذا العالم.
وقعت الأحداث في مزرعة معزولة بمنطقة روشيه بيكوي Roche-Piquée التابعة لبلدة سيسويل Seyssuel في إقليم إيزير، تقدّم الزوجان روزييه في مايو 1930 بشكوى رسمية بعدما أصبحت الحياة داخل منزلهما، بحسب روايتهما، شبه مستحيلة.
قيل إن أواني القهوة كانت تقفز عن الموقد، والصحون تتحرك قبل أن ترتطم بالجدران، والأدراج تُفتح، والفراش يُقلب، فيما تنتشر قطع الزجاج على الأرض من دون أن يرى أحد اليد التي حطمتها.
كانت السيدة روزييه تعمل في رعاية الأطفال، وقد ظهرت خدوش غريبة على وجوه بعض الرضع، كما ظهرت علامات مشابهة على جسد ابنتها مارغريت، التي كانت في الثالثة عشرة من عمرها.
كانت الفتاة تعاني نوبات عصبية وتقول إن قوة مجهولة تأمرها بتحطيم الأطباق. أما والدها فاتهم قريبة للعائلة بممارسة السحر واستخدام وصفات من كتاب شعبي قديم عُرف في فرنسا باسم Le Petit Albert.
لم يجد رجال الدرك دليلاً على السحر، كما لم يعثروا على أسلاك أو أدوات ميكانيكية تفسر حركة الأشياء، وتم وضع بعض القوارير والأواني تحت المراقبة، لكن الظاهرة لم تتكرر بوضوح أمام المحققين.
مع ذلك لاحظ تيزاني أن الحوادث تزداد عندما تكون مارغريت قريبة، وأن الأشياء تتحطم من حولها بينما تنجو هي غالباً من الأذى.
من هنا بدأ في تطوير إحدى أهم أفكاره: ربما لا يكون المنزل نفسه مسكوناً، بل يكون هناك شخص حي يشكل مركزاً للظاهرة.
اقترح إبعاد الفتاة عن المزرعة، وقيل إن الاضطرابات خفت بعد ذلك، لكن القضية لم تُحسم؛ فقد بقي احتمال الخداع أو السلوك غير الواعي قائماً، كما بقيت فرضية تيزاني عن القوة الخفية بلا دليل مباشر.
الشخص مركز الظاهرة
بعد دراسة عدد كبير من الملفات، لاحظ تيزاني أن كثيراً من حوادث البولترغايست تدور حول شخص محدد، غالباً طفل أو مراهق يعيش توتراً عائلياً أو نفسياً.
أطلق عليه اسم: " الشخص مركز الظاهرة" Sujet épicentre
كان يشبهه بمركز الزلزال؛ فالمشكلة لا تتعلق دائماً بالجدران أو بتاريخ المنزل، بل بشخص تنتقل الاضطرابات معه من مكان إلى آخر.
وهذه الملاحظة لم تكن بعيدة تماماً عما توصل إليه باحثون آخرون في ظاهرة البولترغايست. ففي كثير من الحالات التاريخية كان النشاط يتركز حول مراهق يعيش مشاعر مكبوتة أو صراعات منزلية.
غير أن تيزاني ذهب أبعد من ذلك، فلم يعتبر الشخص بالضرورة مخادعاً أو مسؤولاً بوعي، بل تصور أنه قد يعمل كوسيط تستمد منه قوة مجهولة الطاقة اللازمة لتحريك الأشياء.
أطلق على تلك القوة اسم: "الضيف المجهول" L’Hôte inconnu
كان يعتقد أن «الضيف» كيان ذكي ومراوغ، يستخدم الإنسان الحي كما تُستخدم البطارية، ثم يثير الفوضى حوله لأسباب يصعب فهمها.
الروح الضاربة بوصفها مجرماً
كان تيزاني يرفض الصورة الرومانسية للشبح الحزين الذي يتجول بحثاً عن الراحة، فالكيان الذي تصفه ملفاته كان عدوانياً في الغالب: يحطم، ويخيف، ويشعل الحرائق، ويخدش الأجساد ويخفي الممتلكات.
لذلك كتب عبارة أصبحت تلخص نظرته: «الروح الضاربة هي الجانية دائماً».
بالنسبة إليه، إذا كانت قوة غير مرئية تتسبب في أضرار مادية وترعب السكان، فهي ترتكب فعلاً يشبه الجريمة حتى إن تعذر اعتقالها.
سمّى بعض هذه الحالات «السكنى الصغرى»، ويقصد بها الظواهر التي تقتصر على الضجيج والحركة والطرق ورمي الأشياء، من دون ظهور شبح واضح أو هيئة بشرية.
وحاول إقناع زملائه بأن الشكوى من منزل مسكون ينبغي ألا تُرفض تلقائياً، فقد يكون وراءها خداع أو اضطراب نفسي أو نزاع عائلي، لكنها في جميع الأحوال مشكلة حقيقية لأشخاص يعيشون حالة من الخوف.
منزل فرونتيني
في نوفمبر 1943، حقق تيزاني في اضطرابات قيل إنها وقعت داخل منزل عائلة في بلدة فرونتني Frontenay-Rohan-Rohan غرب فرنسا.
كانت من القضايا النادرة التي اقترب فيها اهتمامه بالظواهر الغريبة من عمله الرسمي في الدرك.
دوّن تيزاني شهادات عن أشياء تتحرك فجأة داخل المنزل، وذكر أنه شاهد بنفسه مطحنة قهوة وعلبة معدنية تنتقلان عدة أمتار، وتحطم غطاء مصباح، واختفاء قفازات وسوط، وحركة قبعته العسكرية بطريقة لم يجد لها تفسيراً.
ركزت الشبهات على فتاة تبلغ الخامسة عشرة تدعى جينيت Ginette، رأى تيزاني أنها «مركز الظاهرة»، وأجرى معها جلسات كتابة تلقائية وويجا محاولاً معرفة هوية القوة التي تستخدمها.
لكن القضية اتخذت منعطفاً محرجاً عندما اعترفت الفتاة لطبيب ورجال الدرك بأنها صنعت الحوادث بنفسها لجذب الانتباه.
كان من الممكن أن ينتهي الملف هنا باعتباره خدعة، إلا أن جينيت تراجعت لاحقاً عن اعترافها وكتب تيزاني مدافعاً عنها معتبراً أنها ربما قامت بالأفعال تحت تأثير قوة لا تستطيع مقاومتها.
بدلاً من أن يرى الاعتراف دليلاً قوياً ضد التفسير الخارق، حاول دمجه داخل نظريته عن «الضيف المجهول»، وقال إن الفتاة قد تكون فعلت ذلك تحت إكراه غير مرئي.
أثار موقفه استياء قيادته، خصوصاً بعدما أرسل تفاصيل القضية إلى الصحافة، وجرى توجيه توبيخ إليه بسبب افتقاره إلى التحفظ، ورأى رؤساؤه أن تصريحاته عرّضت جهاز الدرك للسخرية وألقت الشك على قدرته على الحكم الموضوعي.
تكشف هذه القضية الجانب الأضعف في منهج تيزاني: حين تعارضت الأدلة مع إيمانه، مال أحياناً إلى حماية فرضيته بدلاً من التخلي عنها.
صيدلية غورلان
من أغرب الملفات التي جمعها تيزاني قضية صيدلية غورلان في بلدة سان جورج دو فيفيه Saint-Georges-du-Vièvre في نورماندي، حيث وقعت اضطرابات خلال شتاء عامي 1929 و1930 ، لم يحقق تيزاني بنفسه في الحادثة، لكنه اعتمد على محضر أعدته فرقة الدرك المحلية .قال صاحب الصيدلية إن القوارير كانت تسقط أو تتحرك من الرفوف، وإن بعضها بدا وكأنه يتوقف في الهواء للحظات قبل أن يتحطم. كما وردت شهادة عن هاون صيدلاني ثقيل، يزن قرابة عشرين كيلوغراماً، قيل إنه أخذ «يرقص» بين القوارير.
ومن بين الوقائع المسجلة:
كرسي قفز إلى ارتفاع كبير، وسلم صغير انتقل من مكان إلى آخر، وإناء مليء بالنفثالين دار حول قطعة أثاث قبل أن يتحطم، وأوعية خرجت من صندوق رغم وضع ثقل فوق غطائه.
وجود محضر درك يجعل القضية أكثر إثارة من قصة شعبية مجهولة المصدر، لكنه لا يحولها تلقائياً إلى دليل على قوة خارقة. فالمحضر يسجل ما رواه الشهود وما لاحظه المحققون، ولا يعني بالضرورة أن كل حركة حدثت تحت مراقبة مباشرة ومستمرة.
حجارة وحرائق وأبواب ترتج
لم تكن جميع ملفات تيزاني قصصاً طويلة، بعض الوثائق لم يتجاوز بطاقة صغيرة تسجل اسم الأسرة والمكان والتاريخ ونوع الظاهرة.
من بين الأنماط التي تكررت في أرشيفه :
حجارة تسقط في باحات البيوت أو تدخل من نوافذ لا يظهر قربها أحد، وأبواب مغلقة تهتز بعنف في ساعة محددة، وأوانٍ تتحطم داخل خزائن، وأشياء تختفي ثم تظهر في مواقع أخرى، وحرائق صغيرة تندلع في الملابس أو الأثاث، إضافة إلى خدوش وصفعات ولمسات ينسبها أصحابها إلى فاعل غير مرئي.
في بعض القرى كان السكان يفسرون الحوادث بالسحر أو اللعنات أو أرواح الموتى، أما تيزاني فحاول ابتكار نظام تصنيف يربطها جميعاً بنشاط قوة ذكية تتصرف بطريقة مخادعة.
لكن جمع الظواهر المختلفة تحت تفسير واحد كان مشكلة بحد ذاته؛ إذ قد تكون لكل حالة أسباب مختلفة تماماً، من الخداع المتعمد إلى التوتر النفسي أو أخطاء الإدراك أو الحيوانات والقوارض أو عيوب البناء.
الدرك الذي لم يؤمن بالأشباح
حاول تيزاني إقناع قيادة الدرك بأن البيوت المسكونة تستحق تعليمات خاصة، لكن المؤسسة لم تشاركه الحماس.
رأى رؤساؤه أن الهلوسة والخداع والإيحاء عوامل شائعة في هذه القضايا، وأن مهمة الدرك هي البحث عن الإنسان الذي قد يفتعل الاضطرابات، لا مطاردة كيان لا يمكن إثبات وجوده.
كما مُنع تيزاني في بعض الفترات من نشر الوثائق التي حصل عليها من داخل المؤسسة، وظلت معظم تحقيقاته نشاطاً شخصياً لا جزءاً رسمياً من عمل الدرك.
كتب ذات مرة بمرارة : « ما زالوا لا يؤمنون بالأشباح في الدرك ».
كان يعتقد أن رفض الشكوى بسبب غرابتها يعني التخلي عن عائلة مرعوبة، بينما خشي رؤساؤه أن يؤدي تدخل رجل شرطة في جلسات الأرواح إلى منح الخرافة غطاءً رسمياً.
من المحاضر إلى الكتب
بعد تقاعده من الدرك عام 1954، تفرغ تيزاني بصورة أكبر للكتابة وتنظيم أرشيفه ، أصدر عدداً من الكتب التي حملت عناوين تعكس عالمه الخاص، منها:
- على أثر الإنسان المجهول Sur la piste de l’homme inconnu
- الضيف المجهول في الجريمة بلا سبب L’Hôte inconnu dans le crime sans cause
- ألا توجد بيوت مسكونة ؟ يوميات محقق متشكك Il n’y a pas de maisons hantées ?
- لغز البيوت المسكونة Le Mystère des maisons hantées
- اعتداءات اللامرئي Les Agressions de l’invisible
امتد اهتمامه في سنواته الأخيرة إلى الظهورات الدينية والأجسام الطائرة المجهولة، وابتعد تدريجياً عن صورة المحقق المتحفظ نحو عالم أوسع من المعتقدات الغيبية.
المكالمة القادمة من المجهول
في المرحلة الأخيرة من حياته، روى تيزاني أنه تلقى مكالمات هاتفية بصوت اصطناعي يزعم صاحبه أنه كائن يدعى «سيمونوس» Simonus قادم من عالم أو كوكب آخر.
قيل إن الصوت حثه على كتابة كتاب ونقل رسائل معينة، ولا يوجد بالطبع دليل مستقل يثبت هوية المتصل أو حتى الطبيعة الدقيقة لتلك المكالمات، لكنها تكشف المدى الذي وصل إليه إيمان تيزاني.
الرجل الذي بدأ حياته باحثاً عن الأسلاك والحيل داخل البيوت، انتهى مقتنعاً بأن المجهول لم يعد مختبئاً في منازل الآخرين فقط، بل صار يتواصل معه شخصياً.
توفي إميل تيزاني عام 1982، تاركاً وراءه أرشيفاً غير عادي من المحاضر والرسائل والمخططات، وتقول روايات لاحقة إن زوجته أتلفت بعض أوراقه بعد وفاته اعتقاداً منها أنها تحمل طابعاً خطيراً أو شيطانياً.
هل أثبت تيزاني وجود الأشباح ؟
تكمن أهمية ملفات تيزاني في أنها توثق أن عائلات حقيقية لجأت إلى الشرطة بسبب وقائع اعتبرتها غير طبيعية، وأن رجال درك سجلوا شكاوى عن أجسام تتحرك وأصوات وحرائق وحجارة متساقطة.
لكن وجود محضر رسمي لا يعني أن التفسير الخارق أصبح حقيقة مثبتة، فالشرطي قد يسجل ما قاله الشاهد بإخلاص من دون أن يشاهد الحادثة بنفسه، وقد يتأثر أفراد الأسرة بالإيحاء والخوف، أو يخطئون في تفسير الأصوات والحركات، أو يتسترون على شخص يفتعل الفوضى.
كثير من قضايا البولترغايست حول العالم تركزت حول مراهقين، وانتهى بعضها باكتشاف الخداع، وفي حالات أخرى ظهرت أسباب عادية: حيوانات داخل الجدران، تمدد الخشب، تيارات الهواء، اهتزازات المباني أو صراعات عائلية جعلت الأطفال يسعون إلى جذب الانتباه.
كما أن الظاهرة كثيراً ما تتوقف عندما يحضر مراقب مستقل أو توضع كاميرا مستمرة، ثم تعود عندما يغادر الغرباء، وهي ملاحظة تضعف إمكانية إثباتها علمياً.
أما تيزاني، فقد كان قوياً في التوثيق وجمع الشهادات، لكنه لم ينجح في تقديم تجربة مضبوطة تستبعد الخداع والأسباب الطبيعية وتثبت أن قوة مجهولة هي التي حركت الأشياء.
القيمة الحقيقية لأرشيفه
ربما لا يثبت أرشيف تيزاني أن الأشباح تعيش في الريف الفرنسي، لكنه يقدم شيئاً لا يقل أهمية: صورة نادرة عن الطريقة التي واجه بها الناس الخوف من المجهول في القرن العشرين.
تكشف الملفات عن قرى ما زال السحر الشعبي حاضراً فيها، وعن أسر تربط الأمراض والاضطرابات باللعنات، وعن أطفال يجدون أنفسهم في مركز اتهامات لا يفهمونها، وعن رجال شرطة محتارين بين واجب التحقيق والخوف من السخرية.
كما تكشف شخصية تيزاني نفسها عن الصراع بين العقل والإيمان، فقد أراد أن يعامل الشبح كجانٍ، وأن يحول الطرقات والحجارة الطائرة إلى أدلة قابلة للقياس، لكنه كلما اقترب من الإجابة ظهرت أمامه مشكلة جديدة: شاهد يتراجع، أو فتاة تعترف، أو ظاهرة تتوقف حين تبدأ المراقبة.
لم يكن إميل تيزاني عالماً أثبت وجود العالم الآخر، ولم يكن أيضاً مجرد رجل ساذج يطارد الخرافات، كان محققاً غريباً يقف على الحد الفاصل بين الشرطة والباراسيكولوجيا، يحمل دفتره إلى منزل مرعوب ويفتش عن فاعل لا يراه أحد.
ربما لم ينجح في القبض على «الضيف المجهول»، لكنه نجح في حفظ قصص كان يمكن أن تضيع بين شائعات القرى ومحاضر الدرك المنسية.
وبعد أكثر من أربعة عقود على وفاته، لا تزال ملفاته تطرح السؤال نفسه الذي طارده طوال حياته :
حين تتحرك الأشياء داخل غرفة مغلقة، هل نبحث أولاً عن الشبح… أم عن الإنسان الواقف في مركز الحكاية ؟