في السنوات الأخيرة، لم تعد فكرة المادة المظلمة مجرد لغز فيزيائي صعب، بل أصبحت باباً مفتوحاً لفرضيات أكثر جرأة… وربما أكثر غرابة مما تخيلناه. فهل يمكن أن تكون هذه المادة الغامضة مؤلفة من ثقوب سوداء جاءت من كون آخر سبق كوننا ؟

المادة المظلمة… الغراء الخفي للكون

يعتقد علماء الفلك أن ما يقارب 27% من كتلة الكون يتكون من مادة غير مرئية تُعرف بالمادة المظلمة، وهي التي تحافظ على تماسك المجرات وتمنعها من التمزق، وكأنها "غراء كوني" غير مرئي ، ورغم هذا الدور الحاسم، فإن طبيعتها ما تزال مجهولة، إذ يرى معظم العلماء أنها تتكون من جسيمات غير مكتشفة لا تمتص الضوء ولا تعكسه.

فرضية صادمة: ثقوب سوداء من كون سابق

لكن نظرية جديدة تقلب هذا التصور رأساً على عقب. إذ يقترح البروفيسور  إنريك غازتاناغا من جامعة بورتسماوث أن المادة المظلمة قد لا تكون جسيمات على الإطلاق، بل ثقوباً سوداء بدائية تشكلت قبل الانفجار العظيم.

هذه الثقوب التي يُطلق عليها "بقايا كونية"، صغيرة الحجم لكنها شديدة الكثافة، ولا يمكن رصدها إلا من خلال تأثيرها الجاذبي، ما يجعلها مرشحاً مثالياً لتفسير المادة المظلمة.

هل سبق كوننا كون آخر ؟

جوهر هذه الفكرة يقوم على تصور غير تقليدي: أن الانفجار العظيم لم يكن بداية كل شيء، بل مجرد مرحلة انتقالية بين كونين ، وفقاً لهذه الرؤية، كان هناك كون سابق انهار على نفسه تدريجياً حتى بلغ حالة كثافة هائلة لكنها ليست لانهائية ثم ارتد ليبدأ التمدد الذي نراه اليوم.

هذا النموذج يُعرف بـ"الكون المرتد"، وهو بديل لفكرة "التفرد" Singularity التي تثير إشكالات فيزيائية بسبب كثافتها اللانهائية ، ويقول غازتانياغا إن الانفجار العظيم قد يكون ببساطة لحظة الارتداد تلك، وليس نقطة البداية المطلقة للزمان.

بقايا من الماضي… تعيش بيننا

الأمر الأكثر إثارة هو أن هذه النظرية تفترض أن بعض الثقوب السوداء من الكون السابق نجت من الانهيار، واستمرت في الوجود داخل كوننا الحالي ، وبما أنها لا تصدر ضوءاً، لكنها تمارس تأثيراً جاذبياً قوياً، فإن سلوكها سيكون مطابقاً تماماً لما ننسبه اليوم إلى المادة المظلمة.

ماذا عن الملاحظات الفلكية الحديثة ؟

المثير أن هذه الفكرة قد تساعد أيضاً في تفسير بعض الاكتشافات المحيرة التي رصدها تلسكوب جيمس وب ، حيث تم العثور على نقاط حمراء شديدة السطوع تعود إلى مئات الملايين من السنين فقط بعد الانفجار العظيم ، ويُعتقد أن هذه الأجسام تمثل ثقوباً سوداء تنمو بسرعة هائلة، وربما تصبح لاحقاً ثقوباً فائقة الكتلة في مراكز المجرات ، لكن المشكلة أن النماذج الحالية لا تستطيع تفسير كيف نمت بهذه السرعة ، أما إذا كانت هناك ثقوب سوداء "ورثناها" من كون سابق، فهذا يعني أنها بدأت بالفعل بحجم كبير، ما يمنحها أفضلية هائلة للنمو السريع.

هل نحن أمام حل لغزين كبيرين ؟

رغم جاذبية هذه الفرضية، فإنها لا تزال بحاجة إلى اختبارات دقيقة، خاصة من خلال دراسة موجات الجاذبية وقياسات خلفية الأمواج المكروية الكونية Cosmic Microwave Background ، ويؤكد غازتانياغا أن الفيصل في النهاية هو توافق النظرية مع الرصد الفعلي، لا مع جمال الفكرة فقط ، لكن إن ثبتت صحتها فقد لا تفسر فقط طبيعة المادة المظلمة، بل قد تعيد تعريف فهمنا لبداية الكون نفسه… وربما تكشف أن ما نعتبره "البداية" ليس سوى صدى لنهاية كون آخر سبقنا.

وختاماً ، بين فرضيات الجسيمات غير المرئية، ونماذج الأكوان المتعاقبة، يبدو أن المادة المظلمة لا تزال عصية على الفهم ، ففي كل مرة نحاول فيها الاقتراب من حل اللغز، يفتح لنا الكون باباً أوسع… وأكثر غموضاً.