في شتاء عام 1953 لم يكن الشاب البريطاني هاري مارتنديل يتوقع أن يتحول يوم عمل عادي إلى واحدة من أشهر قضايا الأشباح في التاريخ البريطاني، كان متدرباً في أعمال السباكة ولم يكن اهتمامه بالآثار أو التاريخ الروماني يتجاوز ما يعرفه أي شاب في الثامنة عشرة من عمره ، مهمته كانت بسيطة: تركيب أنابيب لنظام تدفئة داخل قبو مبنى قديم في مدينة يورك الإنجليزية.
لكن بعد دقائق، سيجد نفسه يروي قصة لم يتراجع عنها طوال حياته.
بوق في أعماق القبو
كان القبو هادئاً بشكل غريب، قبل أن يقطع الصمت صوت بوق عسكري حاد ، رفع هاري رأسه ليرى ما لم يستطع تفسيره قط.
من بين حجارة أحد الجدران، بدأت تخرج خوذة جندي روماني، ثم رأس حصان يمتطيه فارس، وكأن الجدار تحول إلى باب يعبر منه موكب كامل من الماضي. لم يكن الجنود يركضون أو يقاتلون، بل كانوا يسيرون في تشكيل منظم، يحملون الرماح والدروع، بوجوه متعبة ونظرات جامدة، وكأنهم في دورية عسكرية لا ترى العالم من حولها.
قدّر هاري عددهم بنحو عشرين جندياً ، لكن أكثر ما أثار رعبه لم يكن ظهورهم... بل الطريقة التي ظهروا بها.
لماذا اختفت أرجلهم ؟
لاحظ الشاب أن الجنود لم يكونوا ظاهرين بالكامل. فقد بدت أجسادهم من مستوى الركبتين إلى الأعلى فقط، بينما اختفى الجزء السفلي داخل الأرض، وكأنهم يسيرون في نفق غير مرئي ، بدت هذه التفصيلة غريبة إلى درجة جعلت كثيرين يسخرون من روايته.
فلو كان يكذب، فلماذا يختلق شيئاً يبدو غير منطقي إلى هذا الحد ؟
تفاصيل لم تعجب المؤرخين
عندما وصف هاري هيئة الجنود، زاد التشكيك في قصته ، قال إنهم لم يكونوا يشبهون الجنود الرومان الذين تظهرهم الكتب والأفلام. كانت معداتهم مختلفة، وملابسهم أبسط، ودروعهم ليست بالشكل المستطيل الشهير الذي يربطه الناس بالفيلق الروماني الكلاسيكي.
في ذلك الوقت، اعتبر البعض أن هذه الأخطاء دليل على أنه اختلق القصة أو رأى حلماً وهو مستيقظ.
لكن السنوات التالية حملت مفاجآت غير متوقعة.
عندما تكلمت الأرض
بعد سنوات من الحادثة، أُجريت حفريات أثرية في الموقع فاكتشف علماء الآثار أن أسفل القبو مباشرة يمر طريق روماني قديم كان متصلاً بالحصن الروماني الذي قامت عليه مدينة يورك، المعروفة قديماً باسم إبوراكوم Eboracum.
وفجأة، أصبحت إحدى أغرب تفاصيل رواية هاري مفهومة.
فإذا كان الجنود يسيرون فوق الطريق الروماني الأصلي، بينما ارتفع مستوى الأرض عدة قرون بعد ردم الطبقات القديمة، فمن الطبيعي أن يظهروا لشخص يقف في القبو وكأن أرجلهم مدفونة داخل الأرض.
كانت هذه مجرد مصادفة... أم شيئاً آخر؟
ماذا عن الدروع ؟
انتشرت لاحقاً رواية تقول إن هاري وصف الجنود بأنهم يحملون دروعاً بيضوية، وهو أمر لم يكن معروفاً حينها، قبل أن تؤكد الاكتشافات الأثرية أن بعض الوحدات الرومانية المساعدة كانت تستخدم هذا النوع من الدروع.
لكن التحقيق في المصادر الأصلية يكشف أن هذه الجزئية تعرضت للمبالغة مع مرور الزمن. فالروايات الأولى لا تؤكد جميعها وصف "الدروع البيضوية" بهذه الدقة، وإن كانت تشير إلى أن تجهيزات الجنود لم تتوافق مع الصورة النمطية الشائعة آنذاك.
ومع ذلك، بقيت حقيقة لافتة: أوصاف هاري لبعض عناصر الزي العسكري أصبحت تبدو أكثر انسجاماً مع جنود رومانيين من فترات متأخرة مما كان يعتقده كثيرون في خمسينيات القرن الماضي.
هل كان يبحث عن الشهرة ؟
هذا السؤال طُرح مراراً ، لكن ما يميز القضية أن هاري لم يحاول استغلالها مادياً. لم يؤلف كتاباً، ولم يحقق أرباحاً، ولم يغيّر روايته كلما أعاد سردها. ظل يروي التفاصيل نفسها تقريباً لعقود، وهو ما جعل بعض الباحثين يرون فيه شاهداً صادقاً... حتى لو كان مخطئاً في تفسير ما رآه.
كما أن موظفين آخرين في المبنى تحدثوا، في أوقات مختلفة، عن مشاهدات أو أصوات غريبة نسبت إلى جنود رومانيين، وإن كانت أقل تفصيلاً من رواية هاري.
هل كان يرى الماضي ؟
يفسر المتشككون الحادثة بأنها هلوسة بصرية أو حالة إدراك غير اعتيادية، ربما ساهمت فيها ظروف القبو المغلق أو الإرهاق أو التوقعات النفسية.
في المقابل، يرى بعض باحثي الظواهر الخارقة أن القضية قد تكون مثالاً على ما يعرف بـ "نظرية الشريط الحجري" Stone Tape Theory، وهي فرضية تقول إن بعض الأماكن قد تحتفظ ببصمة أحداث عنيفة أو مؤثرة وقعت فيها، ثم "تعيد تشغيلها" في ظروف معينة، كما لو كانت تسجيلاً عالقاً في المكان. ورغم انتشار الفكرة في أدبيات الماورائيات، فإنها لا تحظى بتأييد علمي ولا توجد أدلة تجريبية تثبتها.
ويبقى هناك من يذهب إلى تفسير أبعد من ذلك: أن ما رآه هاري لم يكن تسجيلاً، بل ظهوراً حقيقياً لجنود من زمن آخر.
لغز لم يُغلق حتى اليوم
بعد أكثر من سبعين عاماً، لا تزال قضية هاري مارتنديل تُذكر في الكتب والبرامج الوثائقية بوصفها واحدة من أكثر شهادات الظهورات التاريخية إثارة للنقاش.
صحيح أن القصة لا تثبت وجود الأشباح، كما أن بعض تفاصيلها تضخمت مع الزمن، لكن هناك حقائق يصعب تجاهلها: شاب مجهول روى مشهداً شديد الغرابة، ثم كشفت الحفريات لاحقاً أن تحت قدميه كان يمتد بالفعل طريق روماني لم يكن يعلم بوجوده.
هل كانت تلك مجرد مصادفة مدهشة؟ هل خدعته حواسه؟ أم أن بعض الأماكن تحتفظ، بطريقة لم نفهمها بعد، بأصداء من عاشوا فوقها قبل ألفي عام؟
لا أحد يملك الإجابة.
لكن إذا كان الماضي قد عبر الجدار مرة واحدة... فمن يجرؤ على الجزم بأنه لن يفعل ذلك مرة أخرى؟