في أنحاء مختلفة من العالم، ومنذ قرون طويلة تتكرر روايات غريبة يصعب تجاهلها ، يستيقظ شخص من نومه بعد حلم شديد الواقعية يرى فيه والده أو والدته أو أحد أقاربه يخبره بأنه سيرحل قريباً وبعد أيام قليلة فقط يصل خبر الوفاة ، وفي حالات أخرى لا يكون الأمر حلماً على الإطلاق بل شعوراً مفاجئاً بحضور شخص ما في الغرفة، أو سماع صوته ينادي، أو رؤية طيفه للحظات، قبل أن يتبين لاحقاً أنه توفي في التوقيت نفسه تقريباً.

هل هي مجرد مصادفات ؟  أم أن الوعي الإنساني يمتلك قدرة مجهولة على التواصل في اللحظات الأخيرة من الحياة ؟

ما المقصود بـ "الزيارات التي تسبق الموت" ؟

يطلق الباحثون في الظواهر الحدية مصطلح Pre-Death Visitation على الحالات التي يظهر فيها شخص ما قبل وفاته لأحد أحبائه، سواء في حلم أو رؤية أو إحساس قوي بالحضور، قبل أن تقع الوفاة فعلياً وتتميز هذه الحالات بثلاث سمات متكررة: ظهور الشخص بصورة هادئة ومطمئنة يوصل فيها رسالة وداع أو طمأنة ، ومن ثم حدوث الوفاة بعد ذلك بفترة قصيرة ، وفي كثير من الروايات يؤكد الشهود أنهم لم يكونوا يعلمون أصلاً أن الشخص كان مريضاً أو في خطر.

أشهر أشكال الظاهرة

1- أحلام الوداع

وهي الأكثر شيوعاً ، يروي الأشخاص أنهم حلموا بقريب لهم بدا أكثر صحة وشباباً مما كان عليه في الواقع، ثم أخبرهم بأنه ذاهب إلى مكان بعيد أو أنه جاء ليودعهم ، أحياناً تكون الرسالة مباشرة: " لا تحزنوا عليّ، لقد حان وقت الرحيل." ، وفي أحيان أخرى تكون رمزية كأن يركب قطاراً أو يعبر جسراً أو يدخل باباً مضيئاً.

2- الشعور المفاجئ بالحضور

بعض الأشخاص لا يرون شيئاً، لكنهم يشعرون فجأة أن شخصاً معيناً موجود بالقرب منهم ، يصفون الأمر وكأنه حضور ملموس للغاية لا يمكن تفسيره وبعد ساعات أو أيام يعلمون أن ذلك الشخص توفي في الفترة نفسها تقريباً.

3- سماع الصوت

تشمل بعض الحالات سماع اسم الشخص أو صوته بوضوح شديد وقد سُجلت روايات لأشخاص استيقظوا ليلاً لأن أحد أقاربهم ناداهم ثم اكتشفوا لاحقاً أنه كان يحتضر في تلك اللحظات.

4- الظهورات البصرية

وهي الأقل شيوعاً لكنها الأكثر إثارة ، إذ يروي بعض الشهود أنهم رأوا الشخص واقفاً أمامهم للحظات أو جالساً على طرف السرير أو ماراً في المنزل، ثم اختفى فجأة.

ما الفرق بينها وبين رؤى فراش الموت ؟

غالباً ما يختلط المفهومان ، رؤى فراش الموت Deathbed Visions يختبرها المحتضر نفسه فيقول إنه يرى أقارب متوفين أو ملائكة أو أشخاصاً جاءوا لاستقباله أما الزيارات التي تسبق الموت Pre-Death Visitations) يختبرها الأحياء ، أي أن الشخص المحتضر يظهر للآخرين قبل وفاته.

حالات شهيرة في التراث العالمي

توجد آلاف الروايات المتشابهة في مختلف الثقافات مثل ظهور جندي لوالدته ليلة مقتله في الحرب ، حلم زوجة بزوجها وهو يودعها قبل موته في حادث ، أو رؤية أم لابنها المسافر قبل دقائق من وفاته على بعد آلاف الكيلومترات.

وقد عُرفت هذه الحالات قديماً باسم "ظهورات الأزمات" Crisis Apparitions وهي من أكثر الظواهر التي اهتمت بها جمعيات البحث النفسي منذ القرن التاسع عشر.

ماذا تقول الدراسات ؟

من أشهر الأعمال التي تناولت الموضوع كتاب "عند ساعة الموت" At the Hour of Death للباحثين: كارليس اوسيس وايرلندور هيرالدسون ، حيث ركز الكتاب أساساً على رؤى المحتضرين لكنه وثّق أيضاً حالات تشير إلى وجود روابط غير عادية بين المحتضر وأقاربه في الساعات الأخيرة من الحياة ، لاحظ الباحثان أن بعض الشهادات تضمنت أحلاماً ورسائل وداع وتزامنات غريبة وقعت قبيل الوفاة مباشرة.

التفسير الباراسيكولوجي

الباحثون في الباراسيكولوجي فيطرحون احتمالاً مختلفاً فهم يتساءلون: ماذا لو لم يكن الوعي مقيداً بالكامل بالدماغ ؟

وفق هذا التصور، قد تبدأ بعض جوانب الوعي بالانفصال تدريجياً خلال المراحل الأخيرة من الحياة، مما يسمح بحدوث نوع من التواصل غير الاعتيادي مع المقربين ، ويرى بعض الباحثين أن هذا قد يفسر: أحلام الوداع ، الإحساس بالحضور ، الرؤى المتزامنة مع الوفاة ، التجارب المشتركة بين أكثر من شخص.

لكن هذه الفرضية ما تزال غير مثبتة علمياً.

هل يمكن تفسيرها نفسياً ؟

يقدم علماء النفس عدة تفسيرات محتملة:

التوقع اللاواعي

قد يلتقط العقل مؤشرات خفية حول تدهور صحة شخص مقرب دون أن ننتبه إليها بوعي، فتظهر في الأحلام.

الانحياز التذكري

نحلم بمئات الأشخاص عبر السنوات ، لكن عندما يتزامن أحد هذه الأحلام مع وفاة حقيقية فإننا نتذكره بقوة وننسى آلاف الأحلام الأخرى التي لم يتحقق شيء منها.

الحزن الاستباقي

عندما يكون الشخص مسناً أو مريضاً، قد يبدأ العقل بالاستعداد نفسياً لفقدانه عبر إنتاج أحلام وداعية.

النظرة الدينية

في الثقافات الدينية المختلفة غالباً ما تُفسَّر هذه التجارب على أنها وداع أخير من الروح أو "كرامة إلهية" أو رسالة طمأنة للأهل أو نوع من التواصل بين عالمي الأحياء والأموات ، أما التفسيرات العقائدية الدقيقة فتختلف من دين إلى آخر.

وفي الختام ، لا يوجد دليل علمي قاطع حتى اليوم يثبت أن الزيارات السابقة للموت تمثل تواصلاً حقيقياً مع روح المحتضر ، لكن كثرة الروايات المتشابهة وتكرار بعض الأنماط نفسها عبر ثقافات مختلفة جعلت الظاهرة تحتل مكانة خاصة بين أكثر ألغاز الوعي البشري إثارة للجدل.

فهل هي مجرد عمل للعقل الباطن ؟ أم أن الإنسان في لحظاته الأخيرة يمتلك بالفعل قدرة غامضة على التواصل مع من يحبهم قبل أن يغادر هذا العالم ؟

ما زال هذ السؤال مطروحاً حتى اليوم.