في النصف الأول من القرن العشرين، وفي زمنٍ لم تكن فيه الأقمار الصناعية تراقب الأرض، ولا الإنسان قد خطا بعد على سطح القمر، ازدهرت أفكار جريئة بل ومذهلة عن طبيعة كوكبنا… أفكار لم تكتف بسطح الأرض، بل غاصت عميقاً إلى باطنها، حيث قيل إن عالماً كاملاً يختبئ هناك ، واحدة من أكثر هذه النظريات إثارة للجدل كانت نظرية الأرض المجوفة، لكنها لم تكن مجرد فكرة علمية هامشية، بل تحولت على يد شخصين إلى ظاهرة ثقافية غامرة كانت معروفة باسم "أسرار شيفر".
لقاء غريب بين رجلين
جمعت الأقدار بين الكاتب الأمريكي رايموند بالمر والكاتب الغامض ريتشارد شارب شيفر، في لقاء سيغير تاريخ أدب الخيال العلمي، وربما أيضاً تاريخ نظريات المؤامرة ، كان بالمر شخصية استثنائية؛ فقد تعرض في طفولته لحادث مأساوي أدى إلى تشوه في عموده الفقري، ما جعله قصير القامة ومحدود الحركة طوال حياته. لكنه عوض ذلك بعقل متقد وخيال خصب، وجد فيه ملاذاً من واقعه المؤلم ، أما شيفر، فكان شخصية أكثر غموضاً… وربما اضطراباً.
رسائل من عالم تحت الأرض
في أواخر الثلاثينيات، بدأ شيفر يرسل رسائل غريبة إلى مجلة الخيال العلمي الشهيرة Amazing Stories، التي كان بالمر رئيس تحريرها ، في هذه الرسائل، ادعى شيفر أنه اكتشف حضارة خفية تعيش تحت سطح الأرض، تضم كائنات متقدمة دعاها باسم "العرق الأكبر" أو "الجبابرة"، لكن هذه الحضارة - حسب قوله - انحدرت إلى نوع منحرف وخطير من الكائنات يُعرف باسم الديروس (Deros) ، وهم - بحسب روايته - كائنات متدهورة أخلاقياً، تمارس التعذيب الجنسي على البشر، وتختطفهم، بل وتأكل لحومهم أحياناً ، الأغرب من ذلك أن شيفر زعم أنه كان يسمع أصوات هذه الكائنات عبر جهاز اللحام الذي يستخدمه في عمله… وكأن هذه الكيانات تبث أفكارها مباشرة إلى دماغه.
من رسائل مرفوضة إلى ظاهرة وطنية
في البداية، تم رفض رسائل شيفر باعتبارها هذياناً لا قيمة له، لكن بالمر رأى فيها فرصة ذهبية ، قام بنشرها بين عامي 1945 و1948 تحت عنوان "أسرار شيفر"، ملمحاً – بشكل مثير – إلى أنها ليست مجرد خيال، بل ربما تكون حقائق مخفية.
وهنا حدث ما لم يكن متوقعاً…انهالت آلاف الرسائل على المجلة من قراء يزعمون أنهم سمعوا أيضاً أصواتاً غريبة، أو تعرضوا لتجارب مشابهة ، وارتفع توزيع المجلة بشكل كبير، وظهرت حتى نوادٍ خاصة بأسرار شيفر في عدة مدن أمريكية ، لقد تحولت القصة إلى ما يشبه "عدوى جماعية" من الإيمان بعالم خفي تحت الأرض.
بين الخيال العلمي والاضطراب النفسي
لكن خلف هذه الظاهرة، كان هناك جانب أكثر قتامة ، إذ كشف بالمر لاحقاً أن شيفر لم يكن أسيراً في عالم تحت الأرض، كما ادعى، بل كان قد أمضى سنوات في مستشفى للأمراض النفسية في ولاية ميشيغان، حيث تم تشخيصه باضطراب ذهاني يُرجح أنه فصام بارانويدي (جنون الارتياب) ، ورغم ذلك لم يتراجع شيفر عن روايته بل دافع عنها بشراسة، قائلاً: " لم أكن مجنوناً… بل كنت عاقلاً في عالم مجنون."
بل ذهب أبعد من ذلك، مشككاً في فكرة المرض العقلي نفسها، ومعتبراً أن ما جرى تشخصيه كاضطرابات نفسية قد يكون في الحقيقة نتيجة "هجمات خفية" من تلك الكائنات تحت الأرض.
جذور فكرة الأرض المجوفة
لم تكن أفكار شيفر وليدة فراغ، بل استندت إلى تراث طويل من الخيال العلمي والأساطير ، إذ تعود فكرة الأرض المجوفة إلى قرون وظهرت في أعمال أدبية مثل روايات جول فيرن وأعمال هـ. ج. ويلز وأساطير كوزمولوجية قديمة.
لكن العلم الحديث حسم الأمر: فباطن الأرض - كما تؤكد الجيولوجيا - عبارة عن طبقات شديدة الحرارة من الصهارة، تجعل وجود أي حضارة تحت الأرض أمراً مستحيلاً.
هل كانت خدعة… أم بداية أسطورة ؟
رغم غياب أي دليل علمي، استمرت "أسرار شيفر" في جذب المؤمنين بها ، بل إن الأمر وصل إلى حد لافت للنظر، حيث أشار تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عام 1947 إلى احتمال أن يكون بالمر وشيفر قد ساهما في نشر "هستيريا الأطباق الطائرة" في الولايات المتحدة ، أي أن هذه القصة لم تؤثر فقط على الخيال العلمي، بل ربما لعبت دوراً في تشكيل ثقافة الأجسام الطائرة المجهولة (UFOs).
النهاية الغامضة… وبداية أسطورة مستمرة
توفي ريتشارد شيفر عام 1975، بعد أن أمضى سنواته الأخيرة في عزلة، منشغلاً بفكرة غريبة أخرى : أنه اكتشف "كتباً صخرية" تحتوي على تاريخ تلك الحضارة القديمة تحت الأرض ، أما إرثه، فلم يمت معه ، فحتى اليوم، لا تزال أفكار الأرض المجوفة والكائنات الخفية تعيش في: نظريات المؤامرة وأدبيات الخيال العلمي وتجارب يزعم أصحابها أنها "حقيقية".
لماذا نصدق مثل هذه القصص ؟
قصة شيفر ليست مجرد حكاية غريبة، بل تكشف جانباً مهماً من النفس البشرية:
حين يلتقي الخيال بالخوف…وحين يبحث الإنسان عن معنى لما لا يفهمه…يمكن لأي فكرة – مهما كانت غير منطقية – أن تتحول إلى "حقيقة" في عقول الكثيرين.
وهنا يكمن السؤال الحقيقي: هل كانت "أسرار شيفر" مجرد خدعة ذكية ؟ أم أنها مثال حي على كيف يمكن للعقل البشري أن يخلق عالماً كاملاً… ثم يؤمن به ؟