يبدو سؤال "هل نحن وحدنا في هذا الكون ؟ " من أكثر الأسئلة التي التصقت بالإنسان منذ فجر وعيه. رفع الإنسان رأسه نحو السماء .. رأى نجوماً لا تُحصى .. وشعر أن هذا الاتساع لا يمكن أن يكون خالياً. ومع ذلك .. يبقى المشهد غريبًا حين نلاحظ أن بعض الناس لا ينتظرون دليلًا علميًا أو إشارة راديوية من حضارة بعيدة .. بل يؤكدون أن التواصل قد حدث بالفعل .. وأن “الآخرين” بيننا .. أو على الأقل يتحدثون من خلالنا.

هنا يظهر اسم مثل داريل أنكا .. الرجل الذي يزعم منذ أربعة عقود أنه يتواصل مع كيان فضائي يُدعى "بشار".  تجربة أنكا لا تقف عند حدود الادعاء الشخصي .. بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية وروحية لها جمهور واسع .. ومحتوى مستمر .. ونقاش لا ينتهي بين مصدّق ومكذّب. السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل ما يقوله صحيح أم لا .. بل لماذا ينجذب الناس أصلًا إلى مثل هذه الظواهر .. ولماذا يثير صاحبها كل هذا الجدل؟

القرآن يصف طبيعة الإنسان بقوله:  ﴿ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴾ - سورة سورة الكهف .. الآية 54.

هذه الآية لا تتحدث فقط عن الجدل كخصومة .. بل عن نزعة عميقة في النفس البشرية تدفعها إلى التساؤل .. والمجادلة .. والبحث عن تفسير .. حتى لو كان التفسير غير مكتمل أو غامضاً.

في الغرب .. حيث يتراجع الإطار الديني التقليدي لدى كثيرين .. لا تختفي الحاجة إلى المعنى .. بل تتحول إلى أشكال أخرى. الروحانية الجديدة .. التأمل .. الطاقات .. التناسخ .. ثم “التواصل مع الكيانات”… كلها محاولات للإجابة عن نفس الأسئلة القديمة بلغة حديثة. داريل أنكا ليس حالة شاذة تمامًا .. بل هو جزء من موجة أوسع من الوسطاء الروحيين الذين يدّعون أنهم قنوات اتصال بين البشر وكيانات غير مرئية.

أنكا يقول إنه لا “يتخيل” بشار .. بل يتيح له استخدام جسده كوسيط. في جلساته .. يتغير صوته .. إيقاع كلامه .. وحتى تعابيره. يقدّم بشار رسائل تدور حول الحب غير المشروط .. وتمكين الذات .. واتباع الشغف .. وفهم الواقع كنوع من “اللعبة الواعية”. هذه الأفكار ليست غريبة على الفلسفات الروحية الحديثة .. بل تتقاطع مع كتب التنمية البشرية وعلم النفس الإيجابي .. وهذا جزء من سر جاذبيتها.

لكن ما يجعل الظاهرة أكثر إثارة هو محاولة إضفاء طابع علمي عليها. في فيلمه الوثائقي “الاتصال الأول” .. خضع أنكا لاختبار تخطيط الدماغ (EEG) .. حيث لوحظ تغير في ترددات دماغه أثناء “التواصل”. يُقال إنه انتقل من نطاق ألفا إلى مستويات أعلى .. بل وصل إلى حالة غاما المرتبطة بالتركيز العميق أو ما يُعرف بحالة “التدفق”.

هذه النقطة تفتح بابًا مهماً للفهم. العلم لا ينكر وجود حالات ذهنية متقدمة يصل إليها المتأملون أو الفنانون أو الرياضيون. حالة التدفق معروفة .. وفيها يختفي الإحساس بالوقت .. ويشعر الإنسان بانغماس كامل في التجربة. لكن الانتقال من هذه الحقيقة العلمية إلى استنتاج وجود كيان خارجي يتحدث عبر الإنسان هو قفزة كبيرة لا يدعمها دليل مباشر.

بمعنى آخر .. يمكن تفسير ما يحدث داخل دماغ أنكا دون الحاجة إلى افتراض وجود “بشار”. الدماغ البشري قادر على إنتاج تجارب شديدة التعقيد .. من الأحلام إلى الهلوسة إلى الإبداع العميق. بعض علماء النفس يرون أن ما يفعله الوسطاء يشبه حالة "الشخصيات المنفصلة" أو التمثيل اللاواعي .. حيث يتقمص العقل دورًا آخر بشكل كامل.

مع ذلك .. لا يمكن اختزال المسألة في كلمة “خداع” بسهولة. هناك فرق بين المحتال الذي يعلم أنه يكذب .. وبين شخص قد يكون مقتنعاً فعلًا بتجربته. التاريخ مليء بشخصيات ادعت التواصل مع عوالم أخرى .. وبعضها لم يكن يسعى للربح بل لنشر فكرة أو رسالة.

هنا نصل إلى نقطة حساسة: هل الذين يصدقون أنكا “مخبولون” ؟

الإجابة البسيطة هي لا. 

التصديق لا يعني الجنون .. بل يعكس طريقة معينة في تفسير العالم. الإنسان لا يعيش بالحقائق العلمية فقط .. بل بالمعاني أيضاً. حين يجد شخص في كلام بشار أفكارًا تساعده على فهم نفسه أو تحسين حياته .. فإنه قد لا يهتم كثيرًا بمصدر هذه الأفكار .. بقدر ما يهتم بتأثيرها.

لكن هذا لا يجعل التصديق موقفاً عقلانياً بالكامل. العقلانية لا تعني رفض كل ما هو غامض .. لكنها تعني طلب دليل يتناسب مع حجم الادعاء. وكلما كان الادعاء أكبر .. كان الدليل المطلوب أقوى. القول بوجود كيان فضائي يتحدث عبر إنسان ليس فكرة بسيطة .. ولذلك تحتاج إلى برهان يتجاوز التجربة الشخصية.

في المقابل .. المتشككون لا يمثلون دائماً قمة العقلانية. أحياناً يتحول الشك إلى موقف مغلق .. يرفض أي تجربة غير مألوفة دون فحص حقيقي. هناك فرق بين الشك المنهجي الذي يسأل ويبحث .. وبين الرفض التلقائي الذي يسخر ويستهزئ.

الجدل حول أنكا يكشف شيئًا أعمق من مجرد صحة أو خطأ. يكشف حاجة الإنسان إلى "قصة"  تفسر وجوده. البعض يجد هذه القصة في الدين .. البعض في العلم .. والبعض في مزيج من الاثنين مع لمسة من الخيال. وفي عصر الإنترنت .. تنتشر هذه القصص بسرعة .. وتجد جمهورها مهما كانت غريبة.

من المثير أيضاً أن فكرة " التواصل مع كائنات أعلى"  ليست جديدة. في ثقافات قديمة .. كان الشعراء في الهند ينسبون إلهامهم إلى الآلهة .. وكان الكهنة يتحدثون باسم قوى غير مرئية. الفرق اليوم أن اللغة تغيرت .. فبدل "الإله" أصبح "كائناً فضائياً" .. وبدل "الوحي"  أصبح "ترددات وذبذبات".

حتى اسم "بشار" الذي اختاره أنكا ليس بلا دلالة .. إذ يعني "المبشر بالخير" في العربية. هذا يعكس طبيعة الرسائل التي يقدمها .. فهي ليست مخيفة أو عدائية .. بل مريحة ومتفائلة. وربما هذا سبب آخر لانتشارها .. لأن الإنسان يميل إلى تصديق ما يمنحه الأمل.

أما من ناحية مادية .. فهناك جانب لا يمكن تجاهله. أنكا يقدم محتوى مدفوعاً .. اشتراكات شهرية وتسجيلات تباع بأسعار محددة. هذا لا يثبت الاحتيال بالضرورة .. لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تجربة روحية خالصة .. أم منتج ثقافي يُسوّق بطريقة ذكية؟

المفارقة أن بعض المدافعين عنه يستخدمون منطقًا بسيطاً: إذا كانت المعلومات مفيدة .. فلماذا نهتم بمصدرها ؟ هذا الطرح يبدو عملياً .. لكنه يتجاهل خطراً مهماً .. وهو أن قبول الفكرة دون تحقق قد يفتح الباب لتصديق ادعاءات أكبر وأكثر خطورة.

في النهاية .. يبقى السؤال مفتوحاً: لماذا نسأل عن وجود فضائيين بينما يوجد من يقول إنه يتحدث معهم بالفعل ؟

ربما لأننا .. في أعماقنا .. نميز بين الرغبة والحقيقة. نحب فكرة أن الكون مليء بالحياة .. لكننا نبحث عن دليل يمكن اختباره .. لا مجرد تجربة فردية. وربما لأننا ندرك .. حتى دون وعي .. أن الإنسان قادر على خلق عوالم كاملة داخل عقله .. وأن هذه العوالم قد تبدو حقيقية جداً لمن يعيشها.

قصة داريل أنكا ليست دليلاً على وجود فضائيين .. لكنها دليل قوي على شيء آخر: أن الإنسان لا يتوقف عن البحث عن المعنى .. حتى لو اضطر إلى اختراع لغة جديدة بالكامل ليحكي بها قصته.

وبين مصدق يرى في "بشار" صوتاً من عالم آخر .. ومشكك يراه انعكاساً للعقل البشري .. تستمر الحكاية. وربما الأهم من الحكاية نفسها هو ما تكشفه عنا نحن: كائنات تعيش بين العلم والخيال .. وتجادل .. كما قال النص القديم .. أكثر من أي شيء آخر.,ظح.

تعقيب كمال غزال

ما يطرحه داريل أنكا ليس ظاهرة معزولة، بل امتداد حديث لسلسلة طويلة مما يمكن وصفهم بـ “المرشدين الروحانيين الغير المرئيين” الذين أعادت البشرية صياغتهم بحسب روح كل عصر. ففي القرن التاسع عشر تحدّث الروحانيون عن أرواح حكيمة مثل سيلفر بيرش، ثم جاء القرن العشرون ليمنح الفكرة طابعاً كونياً في حركات مثل الرائيلية والسينتولوجيا، حيث لم يعد “المرشد” روحًا فقط، بل كائناً أعلى أو حضارة متقدمة تحمل خلاصاً معرفياً للإنسان. وأتفق مع كاتب المقال الاستاذ مزمل عبد الرحمن على أن الفرق الحقيقي ليس في الجوهر، بل في اللغة: فبدل الوحي - الرسالة المحملة من قبل الملاك جبريل - والإلهام أصبحنا نسمع الآن عن “ذبذبات” و”ترددات”  و”رسائل من النجوم”. وهذا يكشف أن الإنسان الحديث، حتى حين يظن أنه غادر الأسطورة، كثيراً ما يعود إليها مرتدياً قناعاً جديداً.